«العيد على أمل».. عزيز البقالي يحوّل وجع الانتظار إلى نشيد إنساني من قلب الحسيمة

تيلي ناظور
في بيوت كثيرة، لا يأتي العيد دائما محمّلا بالفرح. ثمة أسر تستقبل الأعياد بصمت ثقيل، تتوسط موائدها كراسٍ شاغرة، وتغيب عن جدرانها أصوات اعتادت أن تمنح المكان دفئه. هناك، لا يكون العيد مناسبة للاحتفال بقدر ما يتحول إلى موعد جديد مع الانتظار والأسئلة المؤجلة.
من هذا الوجع الإنساني العميق، خرجت أغنية «العيد على أمل» للفنان الأمازيغي الريفي عزيز البقالي، كعمل فني يلامس الألم الجماعي للأمهات والأسر التي تعيش مرارة الغياب، ويحوّل الموسيقى إلى شهادة وجدانية تنطق بما يعجز عنه الكلام.
ينحدر البقالي من مدينة الحسيمة، حيث ولد في 29 يناير 1979، وبدأ رحلته مع الموسيقى في بدايات التسعينيات من خلال تعلم العزف على القيثارة بدار الشباب في مدينته. غير أن تجربته الفنية لم تتشكل من الموهبة وحدها، بل تعززت بخلفية أكاديمية في علم الاجتماع، إضافة إلى تكوينات في التسيير والمعلوميات واللغة الإسبانية، وهو ما انعكس بوضوح على طبيعة أعماله التي تجمع بين الحس الإبداعي والوعي الاجتماعي.
أسس البقالي فرقة «تيفيور»، التي يعني اسمها بالأمازيغية «أجمل من القمر»، وتولى داخلها أدوارا متعددة شملت التلحين وكتابة الكلمات والإدارة الفنية. وقد أصدرت الفرقة ثلاثة ألبومات بارزة هي «مولاي موحند» و«تافويت» و«تاونجينت»، قبل أن تتوج سنة 2012 بالجائزة الكبرى لأحسن ألبوم في المغرب ضمن صنف الأغنية الأمازيغية المعاصرة من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
وفي مسيرته الفردية، واصل البقالي تقديم أعمال تحمل البعد الإنساني ذاته، من بينها «أزول» و«ثذباث» و«تدبيرت»، إلى جانب نشاطه الثقافي من خلال رئاسته لجمعية تيفيور للموسيقى وإشرافه على المهرجان النسائي للموسيقى «بويا» منذ سنة 2011، في تجربة تؤكد حضوره كفاعل ثقافي يتجاوز حدود الغناء إلى خدمة القضايا المجتمعية والفنية.
وتنفتح أغنية «العيد على أمل» على سؤال موجع يختزل الفكرة المركزية للعمل:
«آه.. لقد أقبل العيد، وحمل معه السؤال.. إن لم يفكك قيد إخوتي، فأي فرح يرتجى دونهم؟»
بهذا المدخل، يعيد البقالي تعريف العيد، لا بوصفه مناسبة دينية فحسب، بل باعتباره مرآة للعائلة واكتمالها. وحين يغيب أحد أفراد الأسرة، يتحول العيد نفسه إلى تذكير بالفقد، وتصبح الفرحة ناقصة مهما اكتملت مظاهر الاحتفال.
وتبلغ الأغنية ذروتها الوجدانية في المقطع الذي يمنح الأم مساحة مركزية داخل النص:
«قالت: صبرا يا قلبي.. وقالت: صبرا يا مهجتي
اصبر كصبر الجبال،
واصبر للضباب والغيوم
رسالتي في هذه الحياة، بفيض الدمع قد كتبت
فإن رحلت قبل لقياك…
فبالله سامحني يا بني»
في هذه الكلمات، يرسم البقالي صورة الأم المنتظرة التي تواجه ألم الغياب بالصبر، مستعينا برمزية الجبل في الثقافة الريفية الأمازيغية باعتباره رمزا للصمود والثبات. غير أن العبارة الأكثر إيلاما تبقى اعتذار الأم لابنها إن رحلت قبل لقائه، في لحظة إنسانية تكشف هشاشة الانتظار أمام الزمن.
كما تستحضر الأغنية بعدا روحيا واضحا في قولها:
«يا مقيد الحرية.. متى يأتي الفرج من عند ربي؟
متى تصفو لنا السماء،
وتشرق شمسنا بعد الغياب؟»
هنا، يتحول الدعاء إلى مساحة أمل، ويصبح الإيمان وسيلة لمقاومة الألم لا للهروب منه، فيما توظف صور السماء والشمس لتأكيد انتظار الفرج بعد طول الغياب.
وتختتم الأغنية بصورة بصرية مستمدة من عمق الثقافة الريفية:
«من دار أبي ستعلو زغاريد أمي فرحا وابتهاجا،
وترفرف رايتنا البيضاء فوق السطوح بعز وافتخار»
فالزغاريد في المجتمع الأمازيغي الريفي تعبير عن الفرح الجماعي والانتصار، بينما ترمز الراية البيضاء هنا إلى الطهارة والانتصار الأخلاقي واستمرار الأمل، لا إلى الاستسلام.
ويبرز البعد السوسيولوجي في العمل بوضوح، خاصة أن البقالي يوظف خلفيته الأكاديمية لفهم أثر الغياب القسري على الأسرة باعتبارها وحدة نفسية واجتماعية مترابطة. فالأغنية تؤكد أن غياب فرد واحد لا يترك فراغا عاديا، بل يعيد تشكيل العلاقات داخل الأسرة ويجعل الغائب حاضرا في كل التفاصيل اليومية.
كما تعكس الأغنية حقيقة اجتماعية مرتبطة بالمناسبات الاحتفالية، إذ تتحول الأعياد لدى الأسر التي تعيش تجربة الغياب إلى لحظات يتضاعف فيها الإحساس بالفقد، لأن المناسبة في أصلها قائمة على الاجتماع العائلي واكتمال الصورة الجماعية للأسرة.
وفي هذا السياق، تصبح الموسيقى وسيلة للتعبير الجماعي عن الألم، حيث لا تروي «العيد على أمل» قصة أسرة واحدة فقط، بل تقدم مرثية إنسانية مفتوحة لكل بيت ينتظر عودة غائب.
وتمنح الأغنية للأم موقعا محوريا، في انسجام مع المكانة التي تحتلها المرأة داخل البنية الأسرية بالمجتمعات الأمازيغية الريفية، حيث تتحول معاناتها إلى التعبير الأكثر صدقا عن وجع الانتظار والخوف من الغياب الدائم.
ولا تبدو «العيد على أمل» عملا منفصلا عن مسار عزيز البقالي، بل امتدادا لرؤية فنية ظل يدافع عنها طوال مسيرته، تقوم على اعتبار الفن شهادة إنسانية ووثيقة اجتماعية، لا مجرد وسيلة للترفيه.
وبين الألم والأمل، تنجح الأغنية في صناعة مساحة وجدانية يشعر فيها كل من يعيش تجربة الانتظار بأنه ليس وحيدا. وهو ما يمنح هذا العمل قيمته الحقيقية كفعل فني وإنساني يعيد للموسيقى دورها في مرافقة الناس داخل لحظاتهم الأكثر هشاشة.



