انتخابات الناظور : وجوه لا تؤمن إلا بديمقراطية تعيدها إلى الكرسي

تيلي ناظور
في الناظور، لم تعد معركة الانتخابات مجرد تنافس سياسي طبيعي حول البرامج والرؤى والتصورات… بل تحولت عند البعض إلى معركة “كسر عظم”، وإلى صراع مرضي حول من يملك الحزب، ومن يحتكر التزكية، ومن يعتبر نفسه فوق التنظيم وفوق قواعد التداول وفوق إرادة المناضلين.
المشهد أصبح صادماً إلى درجة أن بعض الوجوه التي استهلكها الزمن السياسي ما تزال تتصرف وكأن المقعد الانتخابي إرث عائلي أو ملكية خاصة لا يجوز الاقتراب منها. نفس الأسماء، نفس الخطابات، نفس الوعود، ونفس الأساليب التي لم تعد تقنع أحداً، لكنها تعود في كل موسم انتخابي وكأن المدينة عقمت عن إنجاب الكفاءات والطاقات الجديدة.
الأخطر من ذلك، أن بعض البرلمانيين أو المنتخبين الحاليين صاروا يمنّون على أحزابهم بما قدموه، وكأن العمل السياسي تحول من خدمة عمومية إلى “دين” يجب على الحزب والمجتمع تسديده بالولاء الأبدي والتزكيات الدائمة. يتحدثون بمنطق: “أنا من مثلت الحزب … أنا من كنت اطرح الأسئلة… أنا من قمت بتنشيط اللقاءات…أنا من كنت اشكرك القيادات” وكأن الحزب شركة خاصة أو ضيعة انتخابية، لا مؤسسة سياسية تقوم على التداول والتجديد وربط المسؤولية بالمحاسبة.
العمل السياسي الحقيقي لا يقاس بعدد الولائم، ولا بحجم النفوذ، ولا بمنطق “أنا أو لا أحد”. السياسة ليست استثماراً مالياً لاسترجاع الأرباح، وليست وسيلة لاحتكار المواقع حتى آخر نفس سياسي. السياسة فكرة، وتأطير، ونقاش، وإنتاج للنخب، وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة، لا إغلاق الأبواب في وجه الجميع خوفاً على الكرسي.
وفي المقابل، هناك أحزاب فقدت حتى الحد الأدنى من احترام قواعدها الداخلية، فأصبحت تستورد المرشحين في آخر لحظة فقط لأنهم يملكون المال أو القدرة على تمويل الحملات الانتخابية. تنكرت لمناضليها الحقيقيين، ولمن تحملوا سنوات من العمل الميداني والتأطير، ثم فجأة يصبح الوافد الجديد “منقذاً انتخابياً” فقط لأنه يملك شبكة مصالح أو قدرة مالية.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية…
حين تتحول الأحزاب من مدارس للتأطير السياسي إلى “وكالات انتخابية” تبحث فقط عن الممولين والأعيان، فإنها تقتل السياسة من الداخل، وتدمر ثقة المواطن، وتفتح الباب أمام الرداءة والانتهازية وتغول منطق اللوبيات.
التداول داخل الأحزاب ليس مؤامرة، وليس انقلاباً، وليس استهدافاً لأحد. التداول سنة ديمقراطية صحية، وعلامة قوة لا علامة ضعف. الحزب الذي لا يجدد نُخبه يموت ببطء، والسياسي الذي يخاف من المنافسة داخل حزبه قبل خارجه، عليه أن يسأل نفسه: هل قوته في مشروعه وأفكاره؟ أم فقط في النفوذ والعلاقات والتحكم؟
أما ذلك الخطاب العدائي الذي يلجأ إليه البعض بمجرد الحديث عن التجديد أو التداول، فيكشف هشاشة كبيرة في الثقافة السياسية. بمجرد أن يشعر أحدهم أن الحزب بدأ يفكر في ضخ دماء جديدة، ينقلب فجأة إلى مهاجم شرس، ويوزع الاتهامات، ويستعمل أوصافاً قدحية، وكأن الحزب ملزم بأن يبقى رهينة عند شخص واحد إلى الأبد.
هذا ليس نضالاً سياسياً… بل خوف من فقدان الامتيازات.
السياسي الحقيقي يثبت حضوره حتى خارج المؤسسات، يشتغل بالفكرة، بالمبادرة، بالقرب من الناس، بالتأطير، بالنقاش العمومي، لا فقط عبر المقعد والصفة والامتيازات. أما من يختفي بمجرد فقدان المنصب، فذلك دليل على أن علاقته بالسياسة كانت علاقة مصلحة لا علاقة قناعة.
إن أزمة الانتخابات في الناظور ليست فقط أزمة أشخاص، بل أزمة ثقافة سياسية كاملة؛ ثقافة تعتبر الحزب مجرد وسيلة للوصول، لا فضاء للنقاش والإنتاج الديمقراطي. ثقافة تُقدّس الولاءات الشخصية أكثر من الكفاءة، وتمنح الأولوية للنفوذ المالي بدل المشروع السياسي.
المؤلم أن المواطن أصبح يرى نفس المسرحية تتكرر: صراعات داخلية، تصفية حسابات، تحالفات ظرفية، انتقالات بين الأحزاب بدون أي قناعة فكرية، فقط بحثاً عن التزكية الأقوى أو الموقع الأكثر ضماناً. حتى صار السؤال المشروع: أين هي السياسة فعلاً؟ وأين هو الاختلاف في البرامج والرؤى؟ أم أن كل شيء اختزل في الحسابات الانتخابية الضيقة؟
الناظور اليوم لا يحتاج إلى مزيد من معارك الأنا، ولا إلى سياسيين يعتبرون أنفسهم أكبر من أحزابهم، ولا إلى أحزاب تبيع هويتها مقابل ممولين جدد. الناظور يحتاج إلى نفس سياسي جديد، إلى نخب تؤمن بأن التداول قوة، وأن الديمقراطية الداخلية ليست تهديداً، وأن العمل السياسي أخلاق قبل أن يكون أرقاماً ومقاعد.
لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مدينة، ليس ضعف الإمكانيات… بل احتكار السياسة من طرف أشخاص يرفضون المغادرة، ويرفضون التجديد، ويرفضون حتى فكرة أن الوطن والحزب والمدينة أكبر منهم جميعاً.



