الظاهرة الإجرامية في الملاعب الرياضية المغربية : قراءة تحليلية للمقاربات الزجرية والوقائية

تيلي ناظور : فؤاد عابد الله
تتسم الظاهرة الإجرامية في الملاعب الرياضية المغربية بكونها ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، تتداخل فيها عوامل اجتماعية، ثقافية، وأمنية، مما يجعل من تحليلها وفهمها مسألة حيوية لفهم دينامياتها ودوافعها. إذ تتجاوز الحدود التقليدية للتخريب أو الشغب، لتشمل سلوكات عنيفة وضارة تهدد أمن وسلامة الجمهور والبنى التحتية، في سياق يعكس مشكلات أعمق تتعلق بالمجتمع ومرجعياته الثقافية. تبرز الظاهرة بشكل واضح أثناء المواجهات الرياضية الكبرى، حيث يتحول بعض الجماهير إلى أدوات للتعبير عن الغضب أحيانا بطرق تعكس أزمة هوية أو انتماء، وأحيانا بفعل مشاحنات قديمة ومؤجلة. وتتسم الظاهرة أيضا بانتشار الممارسات غير القانونية، كالاعتداء على الأفراد والأملاك، واستعمال الأدوات الحادة أو النارية، مما يفرض تحديات أمنية وقانونية على مستوى التدخل والإجراءات الوقائية. في هذا السياق، تظهر الحاجة الماسة إلى استيعاب الظاهرة ضمن إطار تحليلي شامل يقيم العوامل المحفزة والمطالبة بالبحث عن حلول واقعية وفعالة. إذ تتطلب المعالجة النظر إلى الظاهرة من منظور اجتماعي نفسي، وتحليل السياق المؤسسي، مع التركيز على دور الجماهير والتراكمات الثقافية، بهدف الحد من الظواهر السلبية ومحاصرتها ضمن مقاربات وقائية زجرية تتلاءم مع السياق المغربي. إن فهم الظاهرة بشكل معمق، ومعالجة أوجهه المختلفة، يشكلان ركيزة أساسية في رسم استراتيجيات فاعلة تضمن بيئة رياضية أكثر أمانا وسلما، مع السعي لتوفير مناخ يرسخ قيم الروح الرياضية ويكفل احترام القانون ويعزز قيم الإنتماء للوطن.
- الإطار المفاهيمي للظاهرة داخل وخارج الملعب
يعد الفهم الشامل لظاهرة السلوك الإجرامي في الملاعب الرياضية من خلال تحديد عناصرها المفاهيمية الأساسية، أمرا ضروريا لتطوير استراتيجيات فعالة لمواجهتها. يتسم تفسير هذه الظاهرة بكونها نتاج تفاعل معقد بين عوامل داخل الملعب، مثل سلوك الجماهير وتصرفات العناصر المنتمية للأندية، وعوامل خارج الملعب، كالسياقات الاجتماعية والثقافية، والظروف الاقتصادية. يظهر التحليل أن العنف والأعمال التخريبية ليست مجرد ظواهر عرضية، بل غالبا ما تكون انعكاسات لمشكلات أعمق تتعلق بالبنية المجتمعية، قيمها، وطرق تفاعلها مع الرياضة كمجال جماهيري مشترك. من جهة أخرى، تتداخل عناصر متنوعة في تشكيل الظاهرة، من بينها الافتقار إلى الوعي القانوني. يعزز ذلك الدور الذي تلعبه البيئة المباشرة في الملاعب، حيث يتحول الملعب إلى مختبر حي تبرز فيه سيكولوجية الجماهير بأجلى صورها، حيث يذوب الوعي الفردي والمسؤولية الشخصية داخل عقل جمعي يميل نحو الاندفاع والعنف. إن هذا الانصهار النفسي داخل الحشد هو ما يحول المشجع من كائن عقلاني إلى فاعل ضمن سلوك إجرامي جماعي، مدفوعا بحالة من العدوى العاطفية التي تعطل كوابح الردع القانوني لديه.
- المقاربة الزجرية في التشريع المغربي
لقد راهن المشرع المغربي، من خلال القانون رقم 09.09، على المقاربة العقابية كمدخل أساسي لتطويق الانفلاتات الأمنية بالملاعب. وتتجسد هذه المقاربة في منظومة جنائية عبر مسارين متوازيين، يعكسان محاولة استعادة هيبة الفضاء العام.
فالشغب من المنظور التشريعي لم يعد مجرد انفلاتات عابرة، بل ارتقى بالعديد من أفعاله إلى مصاف الجنح والجنايات المشددة. ويأتي هذا التشدد استجابة لتحول نوعي ومقلق في طبيعة الجرم الرياضي، حيث لم يعد العنف محصورا في التراشق اللفظي أو التخريب المادي، بل تطور في حالات صادمة إلى مستوى التصفية الجسدية والاعتداءات المفضية إلى الموت. هذا المنزلق الخطير جعل من ظروف التشديد (كالتعدد، الليل، واستخدام أسلحة بيضاء أو مواد حارقة) ركائز أساسية في السياسة الجنائية، بهدف خلق ردع عام يفرمل الاندفاعات الإجرامية التي استرخصت الروح البشرية في سياق تشجيع رياضي.
أما المسار الثاني فيمر عبر استحداث عقوبات إضافية ذات طبيعة احترازية، وعلى رأسها المنع من دخول الملاعب ونشر الأحكام القضائية. ورغم القوة النظرية لهذه التدابير في عزل العناصر الخطرة، إلا أن تنزيلها يواجه عقبات تقنية ولوجستية حادة، ففي غياب منظومة رقمية متكاملة لضبط التذاكر وتعميم كاميرات التعرف على الوجوه، تظل عقوبة المنع تفتقر لآليات التتبع الصارمة، مما يجعلها أحيانا عاجزة عن تحقيق غايتها في الردع الخاص، ويسمح للمتورطين في أعمال عنف جسيم بالعودة مجددا إلى المدرجات.
4.المقاربة الوقائية في التجربة البلجيكية: نظام (Spotters)
تعد التجربة البلجيكية من أكثر النماذج إلهاما في ضبط الشغب الرياضي، حيث انتقلت بلجيكا من المقاربة الأمنية الكلاسيكية إلى مقاربة إدارة المخاطر والتواصل. وقد تبلورت هذه التجربة بشكل جلي من خلال “قانون كرة القدم” (Football Act) الصادر في 21 ديسمبر 1998 وتعديلاته اللاحقة، والذي أرسى دعائم استراتيجية وقائية فريدة تركز على العنف خارج الأسوار بقدر تركيزها على ما يحدث داخلها.
تعتمد بلجيكا على وحدة أمنية متخصصة تعرف بالـ (Spotters)، وهم عناصر شرطة بزي مدني يمثلون حلقة الوصل الحيوية بين أجهزة الشرطة والجمهور.
فمهة Spotters لا تقتصر على يوم المباراة، بل يعملون طوال السنة على بناء علاقات ثقة مع قادة فصائل المشجعين. فهم يمتلكون قاعدة بيانات سوسيولوجية ونفسية عن المحرضين المحتملين، مما يسمح لهم بتقدير بجس نبض الجمهور قبل انطلاق أي مبارة.
وبدلا من المواجهة، يقومون بالتوجيه الذكي، حيث يتم رصد أي بوادر للعنف أو التصفية الجسدية بين الفصائل المتنافسة في الشوارع، والتدخل عبر الوساطة والحوار قبل لجوء القوة العمومية للتدخل الزجري.
إن إسقاط التجربة البلجيكية على الواقع المغربي، خاصة في ظل تصاعد العنف الذي يصل حد الفتك بالأرواح، يستوجب الانتقال من دور الأمني إلى دور المراقب المتواصل (Spotter) الذي يفهم لغة المدرج المغربي وسياقاته.
مأسسة دور مرافقي المشجعين وذلك من خلال تعيين وسطاء اجتماعيين من داخل روابط المشجعين يرافقون الجماهير في تنقلاتهم، ويكونون صلة الوصل مع السلطات الأمنية المحلية في مسارات الطريق، وتنسيق أمن المسارات لتفادي الانفلاتات التي تقع في الأحياء السكنية المتاخمة للملاعب.
إن التجربة البلجيكية تثبت أن السيطرة على العنف خارج الملعب تبدأ من داخل العقول، أي عبر بناء علاقة تنسيقية مستمرة تجعل من المشجع شريكا في الأمن لا عدوا له، مع الاحتفاظ بالإجراءات الزجرية كحل أخير للحالات التي تمس بالسلامة الجسدية للأفراد.
إن تحليلنا للمقاربات الزجرية والوقائية، مع الاستئناس بالنماذج الدولية الناجحة، يفضى بنا إلى استخلاصات جوهرية تشكل خارطة طريق لمواجهة الظاهرة:
محدودية الردع الجنائي الصرف: لقد كشفت الدراسة أن التشديد العقابي في القانون 09.09، رغم وصوله لتجريم أفعال جسيمة، لم ينجح بمفرده في كبح جماح العنف. فالنص القانوني يصطدم بسيكولوجية الجماهير التي تغيب العقلانية الفردية وتذيب المسؤولية الشخصية داخل الحشد، مما يجعل العقوبة فعلا بعديا لا يمنع وقوع المأساة.
حتمية مأسسة أمن المسارات: يتضح من خلال قراءة التجربة البلجيكية أن السيطرة على الشغب تبدأ من خارج أسوار الملعب. إن الانتقال من أمن المناسبات” إلى “أمن المسارات” عبر نظام (Spotters) وشرطة التواصل، هو الكفيل بمحاصرة العنف العابر للمدن وتأمين محطات التنقل والمناطق السكنية.
التكنولوجيا كصمام أمان: إن تفعيل عقوبة المنع من دخول الملاعب يظل رهينا بتحديث المنظومة التقنية (التذاكر الاسمية، كاميرات التعرف الرقمي)، وبدون هذا الربط التقني، تبقى الأحكام القضائية الزجرية معطلة التنفيذ في واقع ميداني يتسم بالتدفقات البشرية الهائلة.
ختاما، إن حماية الروح البشرية والممتلكات العامة داخل المدار الرياضي وخارجه، تقتضي تلازما عضويا بين صرامة القانون الزجري وذكاء المقاربة الوقائية. إن المعركة ضد الشغب هي معركة وعي وتدبير قبل أن تكون معركة هراوات وقضبان، معركة تضمن للملاعب المغربية هويتها كفضاءات للإبداع والتميز، لا ساحات للنزيف والاقتتال.



