وجهك رهينة الاستخبارات: أنتروبيك تفرض البصمة البيومترية

تيلي ناظور : نوفل سنوسي
تُقدم شركة “أنتروبيك” المطوّرة لنموذج الذكاء الاصطناعي كلود على خطوة بالغة الخطورة ابتداءً من الثامن من يوليو، إذ ستُلزم المستخدمين بالخضوع لعملية تحقق بيومترية صارمة تشمل تقديم بطاقة هوية حكومية، التقاط صورة ذاتية حية، إجراء مسح هندسي لملامح الوجه.
تأتي هذه الخطوة تحت ذريعة تعزيز الأمان والتحقق من الأعمار، غير أنها في الحقيقة تفتح بوابة واسعة لتدفق البيانات الحساسة نحو شبكة معقدة من شركات التحليل المرتبطة مباشرة بأجهزة الاستخبارات العالمية.
تتطلب هذه العملية وفق الوثائق الرسمية تقديم وثيقة هوية سارية المفعول كجواز السفر أو رخصة القيادة، مع رفض قاطع للنسخ الرقمية، تُجمع هذه البيانات الحساسة وتُخزَّن بواسطة شركة برسونا آيدنتيتيز الشريكة التقنية، بعيداً عن خوادم أنتروبيك المباشرة.
يُعد هذا التفويض التقني حلقة وصل استراتيجية تربط بين المستخدمين المدنيين ومنظومات المراقبة المتقدمة، مما يُثير تساؤلات جوهرية حول الوجهة النهائية لهذه البيانات.
تكمن الإشكالية الحقيقية في البنية التحتية السياسية والأمنية للشركة المنفذة، إذ تُعد برسونا مشروعاً مدعوماً من الملياردير بيتر ثيل عبر صندوق فاوندرز فاند.
يمتد نفوذ ثيل إلى أروقة الاستخبارات الأمريكية بشكل مباشر، فقد كشفت تقارير عن تعاونه كمخبر سري مع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) منذ عام 2021 لتقديم معلومات حول اتصالات أجنبية، علاوة على ذلك، طالب ثيل علناً بتدخل وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) لملاحقة شركات تقنية كبرى، مما يعكس تداخلاً مثيراً للقلق بين رؤوس الأموال التقنية وأجهزة المراقبة الحكومية.
تتعمق الأبعاد الأمنية عند تتبع الإمبراطورية التحليلية لـثيل عبر شركته بالانتير، التي تُشغل البنية التحتية التحليلية لوكالات إنفاذ القانون والجيش الأمريكي.
الأخطر في هذا السياق التوسع الإسرائيلي الواضح، إذ توفر بالانتير أنظمة تحليل بيانات متقدمة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، وتُستخدم تقنياتها في عمليات التتبع والاستهداف العسكري.
هذا الارتباط المباشر يعني أن البيانات البيومترية المدنية قد تجد طريقها عبر شبكات البيانات المشتركة إلى أنظمة تُستخدم في عمليات عسكرية واستخباراتية خارج الحدود الأمريكية.
لا تتوقف خطورة هذا القرار عند الحدود الأمريكية، بل تمتد لتطال الخصوصية على مستوى عالمي، تكشف وثائق مسربة عن اتفاقيات دولية تسمح للولايات المتحدة بمشاركة أكثر من 1.1 مليار سجل بيومتري مع دول حليفة، منها أستراليا التي فتحت قواعد بياناتها البيومترية للوكالات الأمريكية.
بالتزامن مع ذلك، تُتيح سياسة برسونا مشاركة البيانات مع جهات ثالثة تحت مسميات فضفاضة مثل منع الاحتيال أو الامتثال القانوني، مما يُعرّض البيانات لأوامر أمن قومي واستدعاءات سرية.
تُثير هذه الممارسات تصادمات قانونية عنيفة، خاصة في الاتحاد الأوروبي حيث تخضع هذه الخطوة لفحص دقيق بموجب اللائحة العامة لحماية البيانات.
يحتفظ النظام بنسخ وثائق الهوية بشكل دائم، فضلاً عن حفظ القوالب البيومترية للوجه لثلاث سنوات، مع إمكانية عكسها هندسياً لإعادة بناء الوجوه بدقة مذهلة، اذ يُنذر هذا الإجراء بكارثة خصوصية دائمة، إذ لا يمكن للمستخدم تغيير ملامح وجهه كما يُغير كلمات المرور في حال حدوث أي اختراق.
يُجسّد قرار أنتروبيك نقطة تحول مفزعة في تاريخ الخصوصية الرقمية، حيث يتحول المستخدم من مستهلك للخدمات إلى مصدر بيانات حيوي يُغذي آلة المراقبة العالمية، الخطر الحقيقي لا يكمن في مجرد التحقق من الهوية، بل في الجهة التي تتولى معالجة هذه البيانات والجهة التي تمولها.
حين تكون الشركة الوسيطة مدعومة بشخصيات تمتلك نفوذاً داخل مكتب التحقيقات الفيدرالي، فضلاً عن وكالة الاستخبارات المركزية، وتشغّل شركات أخرى تُسلح الجيش الإسرائيلي بأدوات تحليل البيانات، فإن الفاصل بين التحقق المدني مقابل التسجيل الاستخباراتي ينعدم تماماً.
إن ما نرصده ليس مجرد تحديث لسياسة خصوصية، بل هو تطبيع خطير لفكرة أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي يتطلب التنازل الطوعي عن الهوية البيومترية.
يُنشئ هذا القرار سوقاً عالمية تُتداول فيها الوجوه والبصمات بين الشركات، الحكومات، الأجهزة الاستخباراتية، مما يُفرد المستخدم العزل أمام شبكة مراقبة عابرة للحدود، لا ترحم، ولا تُمحى آثارها.



