عروض واعلانات
حوارات مكتوبة

الروائي محمد أمين أوطاح : لقد عثرتِ على سؤال المليون دولار منذ البداية ههه !

حاورته: الكاتبة والإعلامية سلمى القندوسي

دائمًا على جريدة تيلي ناظور، اليوم يطلّ عليكم الروائي الريفي محمد أمين أوطاح، كاتب و صانع محتوى ثقافي من مدينة الحسيمة، يجمع بين الاشتغال على الفلسفة و الهوية و الأسئلة الوجودية، و بين شغفه بالسرد و الخيال العلمي، في محاولة لصياغة عوالم روائية تتقاطع فيها الذات مع التاريخ، والواقع مع الاحتمال.

من خلال تجربته الأولى “بوابة المد العالي”، يخطّ أوطاح مسارًا أدبيًا خاصًا، يتخذ من الريف فضاءً ثقافيًا و إنسانيًا، و من الكتابة وسيلة لفتح نوافذ على عوالم موازية وأسئلة معلّقة.

بين سحر الريف وأسئلة الهوية، وبين الفلسفة و انزياحات الخيال العلمي، يفتح لنا بابًا نحو تجربة أدبية تبدو للوهلة الأولى عصيّة على القبض.

أسئلة كثيرة نتركها معلّقة، لنكتشف معًا، خطوةً خطوة، ما يكشفه هذا الحوار أو ما يختار أن يُبقيه في الظل.

▪︎قبل أن ندخل إلى عالم الرواية، من هو محمد أمين أوطاح الإنسان قبل الكاتب؟ وما الذي شكّل وعيك الأدبي في بداياتك؟

” لقد عثرتِ على سؤال المليون دولار منذ البداية ههه!..، صراحةً، دائمًا ما أضيع عندما أحاول وصف نفسي أو يسألني أحدٌ عن الأمر. لكن أعتقد أنني مجردُ طفلٍ كبير، يحاول أن يحافظ على تلقائيته، وسط مجتمع لا يحب المرونة ويعشق القوالب الجاهزة والمألوفة. أما عن الذي شكّل وعيي الأدبي.. ربما هو “سحرُ الريف”، قصصُ الجدّات وعلاقة حُبٍ غير مشروطٍ للسينما!”

▪︎كيف تصف علاقتك الأولى بالكتابة؟ وهل كانت ملاذًا، أم وسيلة لفهم العالم من حولك؟

“علاقتي الأولى بالكتابة كانت كاكتشاف النار. أن تملكَ سُلطة التعبير عن ذاتك، بطريقة تتجاوز حدود الكلام… كان بالنسبة لي أمرًا في منتهى الروعة…، هل كانت ملاذا؟ ربما. وربما لا.. لكنها لم تكن وسيلةً لفهمِ العالم بقدرِ ما كانت طريقةً مناسبةً لتنظيم فوضى أفكاري. الكتابةُ بالنسبة إليّ، كانت ولا تزال فنًا لتعلُّم طُرقِ التفكير. ممارسةُ فعلِ الحوارِ مع الذات.”

▪︎كيف وُلدت فكرة روايتك “بوابة المد العالي”؟ وما اللحظة التي شعرت فيها أن هذا العمل يستحق أن يتحول إلى عالم روائي متكامل؟

“الفكرةُ المبدئيةُ كانت كتابةَ روايةٍ استثنائية أو جامعة… لقد أردتُ شيئًا أكثرَ حريّةً، مقابلَ صورةِ ذلك الأدب النمطي أو التجاري المستهلك. والحقيقةُ أنني لم أشعرُ بشيءٍ عندما بدَأت الرواية “كتابتي”. نعم فهي من كتبتني أو كتبت نفسها، حيث قادتني عبر عوالمَ من الاحتمالات، ووجدتُ نفسي أخترقُ حدودًا أحببتُ دائمًا أن أتجاوزها.”

▪︎تصف الرواية نفسها كرحلة بين الواقع والتاريخ البديل وأكوان موازية… كيف اشتغلت على هذا البناء المعقّد دون أن تفقد خيط السرد أو تشتت القارئ؟

” وهذا كان أصعبَ شيءٍ في هذا العمل. فكما تعلمين، ذاكرة البشر محدودة. والأمرُ كان أقربَ إلى تخطيطٍ هندسيٍ صارم، منه إلى محاولةِ كتابة. دراساتٌ ومحاكاةٌ عقليةٌ مكررة، لتواريخَ وأزمنةٍ عديدة، كان هدفها الوحيد هو المحافظةُ على منطقِ هذا البناء قائمًا. مع الانغماس التام في هذا العالم، لمحاولة الإمساك بخيطِ السردِ كي لا ينفلت. فالسردُ في هذه الرواية، لا يتقدّمُ كخطٍ زمني نحو الأمام مثل معظم الروايات، بل تسير كل الأزمنةِ والعوالمِ في خطِّ سيرٍ واحد. أولُ صفحاتِ الروايةِ مرتبطةٌ بوسطِ وآخر صفحاتها وهكذا. لن أكذب بالقول أنّ العمل لا يحتاجُ تركيزًا لمتابعةِ خط السرد، لكنه تركيزٌ ضروري للانغماس في هذا العالم، وأنا متأكدٌ أن التجربة النهائيةَ للقارئِ تستحقُ خوضَ هذه الرحلة.”

▪︎في النص حضور واضح للفلسفة، خاصة مفاهيم مثل التراكب الكمومي والهوية… كيف وازنت بين العمق الفلسفي وجمالية الحكي؟

“شغفي الطفولي وكذا خلفيتي الأكاديمية الجامعية، كانت دائمًا مرتبطةً بالفلسفة وشعبةِ الفلسفة التي أنا مجازٌ فيها. مثلما كنتُ دائما معجبًا بالنظريات العلمية المرتبطة بمفهوم الأكوان الموازية. وهذا ما جعلني أحاول أن أصهر كل ذلك، في قالب محليٍّ خالصٍ، يحاول طرحَ أسئلةٍ عن الهوّية الشخصية والذات الجماعية. نحنُ الريفيون، نسيرُ بالموازاةِ مع “سؤال الهوّية”، إن لم أخجل من استعارة قولِ محمود درويش. فما المانعُ من مشاركةِ كياننا الجمعي مع الأخرين؟ هذا بحدِّ ذاته توازن تلقائي، ولم يكن لنا سوى كشفه للعالم.”

▪︎اخترت أن يكون العمل متجذرًا في السياق المحلي للريف… كيف انعكست هذه البيئة ثقافيًا وإنسانيًا داخل الرواية؟

” كما قلتُ لكِ سابقا، فهو توازنٌ تلقائي. لقد أردتُ الكشف عن ريفٍ إنساني، بعيدًا عن التنميط الذي اعتاده الناس..، يعتقدُ كثيرون أن هناك ريفًا واحدًا، يحنّطونه في قالبٍ واحدٍ جاهز. لكن الحقيقةَ أن هنالك العديدُ من الأرياف، بتنوّعٍ ثقافي لا ينضب. ولم يكن للرواية سوى أن تتحدث بلسان هؤلاء الأرياف.. عبر عيونِ وأفواهِ وقلوبِ شخصياتٍ لا تحاول أن تصير أبطالًا، أو تخجَلَ من أصالتها، قوتها وانكساراتها.”

▪︎شخصياتك تعيش الفقد والتحول واختلال الزمن… هل هي امتداد لتجارب واقعية، أم أنها نتاج خيال خالص؟

” هناك خيطٌ رفيعٌ بين الخيالِ والواقع. كذلك شخصياتُ روايتي، التي تسقي ذاتها من غديرٍ واقعيٍ وبعضِ التجارب الشخصية. ولا تخجلُ أيضًا من اقتحامِ الخيال عنوةً، فالخيالُ حرّية.”

▪︎لغتك تميل إلى الشاعرية والرمزية… هل كان ذلك خيارًا واعيًا منذ البداية، أم فرضه عليك مناخ الرواية؟

“شيءٌ من هذا وذاك.”

▪︎ككاتب وصانع محتوى ثقافي، كيف أثّر اشتغالك على المحتوى في طريقة كتابتك لهذا العمل الأدبي؟

“لم تؤثر صناعتي للمحتوى بطريقة سلبية على كتاباتي، لأن المواضيع التي أشتغل عليها متقاربة، إن لم أقل هي نفسها. بل ربمّا منحني المحتوى الذي أصنعه، أفكارًا جديدةً انسابت نحو السرد الأدبي. خاصة عندما يتعلّق الأمرُ بالتاريخ، الفلسفة، علم النفس وسؤال الهوية… وهي مواضيعٌ رئيسيةٌ متكررة بالنسبة لمحتواي. لكن الجانب السلبي الوحيد في هذا، كان محاولتي إيجاد الوقتِ الكافي لأكتبُ. فكان لزاما عليّ أن أضحّيَ بوقتِ أحدهما، إذا شعرتُ أنني مقصّرٌ في حقِ الآخر، وهو شعور لم أحبّه يومًا.”

▪︎أخيرًا، مع إصدار محدود في البداية، ما الرهان الذي تضعه على تفاعل القرّاء؟ وهل هناك مشاريع روائية أخرى تلوح في الأفق؟

“الرهانُ الوحيدُ هو أن يجد القرّاء أنفسهم في الرواية. فهي ليست روايةَ أبطالٍ خارقين، بل سردًا لمرايا شخصية كثيرة. وفكرة أن يجد القارئ نفسه فيها، هو ما يدفع الكاتب نحو الأمام، حيث يؤمن أنه نجح في إيصال تلك التجربة المتميزة التي أرادها…، وعن سؤال إن كانت هنالك مشاريع روائية محتملة… أحبُّ أن أقول إنني أتمنى أن تدفعني هاته الروايةُ إلى ذلك. الكتابةُ شيءٌ سحري، ومن الجيد مشاركةُ هذا السحر مع الآخرين أحيانًا.”

▪︎في نهاية هذا الحوار، لا يبدو أننا خرجنا بإجابات نهائية بقدر ما خرجنا بأسئلة جديدة تتكاثر كلما اقتربنا من عالم محمد أمين أوطاح. فالرواية هنا تجربة تُعاش على تخوم الواقع و الاحتمال، و على حافة الذات حين تحاول أن تفهم نفسها عبر الخيال. و بين ما قيل وما لم يُقل، يبقى القارئ هو البوابة الأخيرة…،و هو وحده من يقرر كيف يعبر المدّ، و إلى أي ضفة سيصل.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button