الروائي المغربي “عماد عزام”: أؤمن أن الحقيقة تستحق المخاطرة.

حاورته: الكاتبة والإعلامية سلمى القندوسي
نستضيف اليوم على صفحات جريدة “تيلي ناظور” الكاتب والروائي المغربي الشاب عماد عزام، إبن مدينة أكادير، أحد الأصوات الأدبية الصاعدة التي تكتب من منطقة مليئة بالأسئلة و التأمل.
من خلال روايته «المملكة المفقودة»، يفتح بابًا نحو عالم تتداخل فيه الذاكرة مع النسيان، و تتحول الحقيقة إلى تجربة تحتاج جرأة للاقتراب منها.
في هذا الحوار، نقترب من تجربة عماد عزام، ونحاول ملامسة بعض ملامح مشروعه الأدبي، ورصد الأسئلة التي تتحرك خلف كلماته.
▪︎في جريدة تيلي ناظور، يسعدنا أن نبدأ معك من السؤال الأهم: من هو عماد عزام بعيدًا عن الكتابة؟
“بعيدًا عن الكتابة، عماد عزام هو طالب يعيش يومه بين الانشغالات والتفاصيل المختلفة، وأحيانًا يمر بلحظات هادئة دون تخطيط مسبق.
الموسيقى تحتل مكانة خاصة في حياته، إذ رافقته منذ الطفولة، ويواصل اليوم تطوير نفسه من خلال دراسته في المعهد الموسيقي، تخصص الصولفيج وآلة الكمان، حيث يجد فيها وسيلته الخاصة للتعبير…،يرى نفسه هادئًا في بعض الأحيان، لكنه ليس كذلك دائمًا، إذ يحمل في داخله طموحًا واضحًا، وتمردًا فكريًا يجعله لا يتقبل كل ما هو جاهز، بل يسعى دائمًا لطرح الأسئلة وبناء رؤيته الخاصة….؛ببساطة، شاب يحاول أن يفهم ذاته والعالم من حوله بطريقته الخاصة.”
▪︎ متى شعرت لأول مرة أن الكتابة ليست مجرد هواية، بل طريق يجب أن تسلكه؟
“لم تكن هناك لحظة واحدة فاصلة شعرت فيها أن الكتابة تحولت من هواية إلى طريق، بل كان الأمر تدريجيًا. منذ سن العاشرة، بدأت أكتشف أن الكتابة ليست مجرد تسلية، بل وسيلة حقيقية للتعبير عما بداخلي…، كنت أؤمن دائمًا أن الكتابة كانت وستظل ذات أهمية في جميع العصور، حتى وإن لم تترك أثرًا مباشرًا في الآخرين، فهي في جوهرها تعكس صوت الكاتب ورؤيته…، بالنسبة لي، جاءت الكتابة من حب التعبير والخيال والواقع المعاش، ومن رغبة في إيصال أفكار ورسائل تحمل معنى، وكأنها محاولة للخروج من القوقعة إلى فضاء أوسع من الحرية…، اليوم، أصبحت الكتابة ضرورة، لأنها لم تعد فكرة واحدة أريد قولها، بل أفكار متعددة تتزاحم داخلي، ولا أجد لها منفذًا إلا عبر الكلمات.”

▪︎ عنوان روايتك يحمل دلالة قوية: المملكة المفقودة… هل هي مكان أم حالة إنسانية؟
“المملكة المفقودة ليست مجرد مكان خيالي، بل هي أيضًا حالة إنسانية ونفسية في آن واحد. هي عالم رمزي يعكس شعور الإنسان حين يحس أنه مفقود دون سبب واضح، أو حين يُنسى مع مرور الزمن، كما يحدث حتى بعد الموت عندما يبهت أثر الإنسان وذكراه. ومن هذا المنظور، تصبح المملكة المفقودة فضاءً يجمع بين الخيال والواقع الداخلي للإنسان…، الرواية تحمل في عمقها دلالات متعددة، من بينها الضياع، والحلم، والهوية، إضافة إلى أسئلة وجودية حول الذات والمعنى. ولا تتمحور القصة حول بطل واحد، بل حول مجموعة من الشخصيات، كل واحد منها يبحث عن نفسه داخل أسوار المملكة المفقودة. وعندما يقتربون من اكتشاف حقيقتهم، لا يستطيع الجميع مواجهة تلك الحقيقة، فالبعض يرفضها والبعض الآخر يختار إنكارها أو الهروب منها.”
▪︎ فكرة “النسيان” التي تسيطر على الرواية، هل تعكس خوفًا شخصيًا أم واقعًا نعيشه؟
“فكرة النسيان في الرواية ليست مجرد خوف شخصي، بل هي انعكاس لواقع إنساني نعيشه جميعًا. فالنسيان جزء من الحياة، نراه في تفاصيلها اليومية، حيث تُمحى الذكريات وتبهت آثار الأشخاص مع مرور الوقت، مهما كانت قيمتهم في لحظة ما…، بالنسبة لي، النسيان فكرة مخيفة جدًا، لأنها تطرح سؤالًا عميقًا حول قيمة الإنسان واستمرارية أثره في ذاكرة الآخرين…، لذلك، تتجاوز هذه الفكرة البعد الفردي لتصبح تأملًا في الواقع الإنساني بشكل عام، بين ما نعيشه ونراه، وما نخاف أن نفقده.”
▪︎ الشخصيات التي تدخل بلا ذاكرة… هل هي رمزية لجيل معين؟
“الشخصيات التي تدخل إلى المملكة المفقودة بلا ذاكرة ليست رموزًا لجيل معين فقط، بل هي تعبير عن الإنسان بصفة عامة، بما في ذلك جيل الشباب. فهي تجسد حالة فقدان الهوية ونسيان الذات القديمة، حيث يجد الإنسان نفسه منفصلًا عن ماضيه، وكأنه في رحلة بحث مستمرة عن حقيقته داخل عالم غامض ومليء بالأسئلة…، كما تعكس هذه الشخصيات أثر الضغط الاجتماعي، الذي يدفع الفرد أحيانًا إلى التكيف مع توقعات الآخرين وصورتهم عنه، حتى وإن كان ذلك على حساب هويته الداخلية، مما يؤدي تدريجيًا إلى ضياع جزء من الذات…، وبهذا تتحول المملكة المفقودة إلى فضاء رمزي يعكس صراع الإنسان الدائم بين هويته الحقيقية، وما يفرضه عليه المجتمع، وبين ما يختار أن يكونه فعلًا.”

▪︎ هل كنت تكتب الرواية لتروي قصة، أم لتطرح سؤالًا وجوديًا؟
“لم تكن المملكة المفقودة مجرد محاولة لسرد قصة فقط، كما أنها لم تكن مجرد طرح لأسئلة وجودية منفصلة، بل هي مزيج بين الاثنين…، فالرواية تنطلق من رغبة في حكي قصة مشوقة، لكنها في العمق تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق بالهوية، والنسيان، ومعنى الحياة…، من خلال هذا المزج، تصبح الأحداث وسيلة لطرح قضايا إنسانية وفكرية، حيث تتحول القصة إلى مساحة للتأمل في الذات وفي وجود الإنسان، بدل أن تبقى مجرد حكاية عابرة.”
▪︎ هل تكتب وأنت تعرف النهاية، أم تكتشفها أثناء الرحلة؟
“في البداية، كنت أتصور نهاية محددة للرواية، وكنت أكتب وأنا أحمل تصورًا واضحًا عن كيف ستنتهي المملكة المفقودة. لكن مع تقدّم الكتابة، حدث نوع من التحول، وكأن الرواية نفسها بدأت تقودني نحو مسار مختلف، فتغيرت النهاية التي كانت في مخيلتي…، وفي بعض الفصول الأخرى، كنت أكتشف الأحداث لحظة كتابتها، وكأن الشخصيات هي التي تفرض اختياراتها وتدفع القصة إلى اتجاهات غير متوقعة. لذلك يمكن القول إن تجربة الكتابة كانت مزيجًا بين التخطيط المسبق والاكتشاف أثناء الرحلة، حيث تداخلت الرؤية الأولى مع ما فرضته القصة نفسها مع مرور الوقت.”
▪︎ الرواية توحي بأن “الحقيقة لها ثمن”… ما هو الثمن الذي دفعه عماد عزام شخصيًا في طريقه؟
“الحقيقة في المملكة المفقودة ليست مجانية، ولكل من اقترب إليها له ثمنه الخاص. وفي طريقي أنا كعماد عزام، كان لهذا المشروع ثمن واضح، إذ استغرق مني ما يقارب سنتين ونصف من الكتابة والتفكير المستمر، وهو ما جعل جزءًا كبيرًا من وقتي وحياتي اليومية مرتبطًا بهذه الرواية. كما أن هذا المسار كلّفني الكثير من التركيز والجهد الذهني، حيث كانت الأفكار ترافقني باستمرار وتفرض نوعًا من الانشغال الدائم. لكن رغم ذلك، لم يكن هذا الثمن خسارة، بل تجربة صنعت علاقة أعمق بيني وبين الكتابة، وجعلتني أقترب أكثر من الفكرة التي أحاول إيصالها.”
▪︎ ما السؤال الذي أردت أن تتركه عالقًا في ذهن القارئ بعد انتهاء الرواية؟
“أردت أن أترك القارئ أمام أكثر من سؤال مفتوح بعد نهاية المملكة المفقودة، وليس سؤالًا واحدًا فقط. من بينها: كيف يمكن كشف سر هذه المملكة وسر من بداخلها دون فقدان جزء من الذات؟ وهل النسيان نعمة تحمينا من الألم أم لعنة تسلبنا هويتنا وذاكرتنا؟
كما تطرح الرواية سؤالًا آخر حول الإنسان نفسه: هل يبقى هو ذاته مع مرور الوقت أم أنه يتحول تدريجيًا إلى شخص آخر، خاصة وأن الشخصيات في الرواية تتغير بشكل واضح بعد دخولها إلى المملكة المفقودة. وفي العمق، يبقى السؤال الأهم: هل تستحق الحقيقة أن ندفع ثمنها مهما كانت قاسية؟”
▪︎ كيف كان تفاعل القراء مع المملكة المفقودة؟ وهل فاجأك شيء في ردودهم؟
“كان تفاعل القرّاء مع المملكة المفقودة في مجمله إيجابيًا، مع وجود بعض الملاحظات والنقد البنّاء الذي ساعدني على رؤية العمل من زوايا مختلفة. ومن بين الأمور التي لفتت انتباهي، أن بعض القرّاء فهموا الفكرة بطريقة مختلفة عما كنت أقصده، بينما تعاطف آخرون بشكل كبير مع الشخصيات، وكأنهم عاشوا تفاصيل تجربتها.
كما كانت من أكثر الردود التي أسعدتني هي مطالبة عدد من القرّاء بجزء ثانٍ في أقرب وقت، وهو ما يعكس تفاعلهم وارتباطهم بعالم الرواية.”
▪︎ تطرح في أعمالك أسئلة عن الهوية… كيف ترى هوية الجيل الجديد اليوم؟
“أرى أن هوية الجيل الجديد اليوم ليست ثابتة أو أحادية، بل هي هوية متعددة تتأرجح بين الحفاظ على بعض عناصر التقليد والانفتاح على متطلبات العصر الحديث. هذا الجيل يعيش في مساحة وسطى، يحاول فيها التوفيق بين ما ورثه من قيم وثقافة، وبين ما تفرضه التحولات السريعة في العالم من حوله. وتؤثر في هذه الهوية عدة عوامل أساسية، من بينها التكنولوجيا التي أعادت تشكيل طريقة التفكير والتواصل، إضافة إلى التعليم الذي يفتح آفاقًا جديدة، والبيئة التي تفرض تحديات مختلفة على وعي الأفراد، إلى جانب الضغط الاجتماعي الذي يزيد من تعقيد عملية بناء الهوية.
لذلك يمكن القول إن هوية الجيل الجديد هوية في طور التشكل المستمر، وليست قالبًا نهائيًا ثابتًا.”
▪︎ إلى أي حد أثرت مدينة أكادير في خيالك وكتابتك؟
“لا يمكن حصر التأثير في مدينة أكادير فقط، بل إن المغرب ككل كان له حضور واضح في خيالي وكتابتي، حيث حاولت أن أعكس بعض ملامحه وآثاره في أعمالي. وقد تجلّى هذا التأثير بشكل خاص في شخصية الشاعر لؤي أحد أبطال رواية المملكة المفقودة، والذي يحمل أصولًا مغربية، ويُعد من أقرب الشخصيات إلى قلبي. ومع ذلك، يمكن القول إن أكادير أثرت فيّ بشكل جزئي، بحكم ارتباطي بها واحتكاكي اليومي بتفاصيلها. ما يميز هذه المدينة بالنسبة لي هو تنوعها، خاصة جوّها المتقلب الذي أراه قريبًا من مزاج الإنسان وتغيراته. أما من حيث الإلهام، فهي تمنحني أحيانًا دفعة للكتابة، لكن ليس بشكل دائم، إذ يظل الإلهام مرتبطًا بلحظات داخلية أكثر من ارتباطه بالمكان.”
▪︎ هل المكان بالنسبة لك مجرد خلفية، أم عنصر حي داخل النص؟
“في المملكة المفقودة، لا يمكن اعتبار المكان مجرد خلفية صامتة، بل هو عنصر حي يتنفس داخل النص. فالمملكة ليست فضاءً عاديًا، بل كيان غامض يفرض حضوره على الشخصيات، ويتدخل في تشكيل مساراتها وتحوّلاتها النفسية. كل من يدخل هذا المكان لا يخرج كما كان، لأن المملكة تعيد صياغة داخله، وتدفعه لمواجهة ذاته بطرق غير متوقعة. لهذا، يمكن القول إن المكان في الرواية ليس مجرد إطار، بل قوة خفية تشارك في صنع الأحداث، وتؤثر في مصير كل من يقترب منها.”
▪︎ لو كانت “المملكة المفقودة” موجودة حقًا… هل تجرؤ على دخولها؟
“لو كانت المملكة المفقودة موجودة حقًا، فأعتقد أنني سأكون مترددًا بين الرغبة في الدخول والخوف مما قد أواجهه داخلها. فهي ليست مجرد مكان عادي، بل تجربة قد تكشف أشياء لا يكون الإنسان مستعدًا لرؤيتها. ومع ذلك، أؤمن أن الحقيقة تستحق المخاطرة، مهما كان ثمنها، لأن مواجهتها تظل أفضل من العيش في وهم مريح. ربما الخوف سيكون حاضرًا، لكن الفضول والرغبة في الفهم قد يكونان أقوى في النهاية.”
▪︎في ختام هذا الحوار، تتضح ملامح تجربة عماد عزام ككاتب ينشغل بأسئلة الهوية والذاكرة والحقيقة، ويجعل من الكتابة مساحة للبحث والتأمل. وبين الخيال والواقع، يواصل شق طريقه الأدبي بخطى هادئة، حاملاً معه مشروعًا مفتوحًا على تطورات قادمة.



