عروض واعلانات
حوارات مكتوبة

الروائي يوسف شحيمط : ” إلى أي حدّ تستطيع الكتابة أن تكون فعلًا لكشف الذات… ؟ “

حاورته: الكاتبة والإعلامية سلمى القندوسي

نستضيف اليوم على صفحات جريدة “تيلي ناظور” الكاتب والروائي المغربي شحيمط يوسف، ابن مدينة فاس، صاحب تجربة أدبية تتقاطع فيها الكتابة بالسؤال الفلسفي، حيث لا يكتفي بالسرد، بل يجعل من الرواية مساحة للتأمل في الإنسان ومعنى وجوده.

من “الأرملة” إلى “التعيس” وصولًا إلى “صاحب الشعر الأحمر”، ينسج شحيمط عوالم روائية تمزج بين الواقع والتفكير، وبين العاطفة والبحث عن الحقيقة، في أسلوب يضع القارئ أمام أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة.

في هذا الحوار، نقترب من الكاتب لفهم خلفيات مشروعه الأدبي، وكيف تتحول الكتابة عنده إلى وسيلة لقراءة الذات والعالم معًا.

▪︎بين الفلسفة و الكتابة، أيّهما اختارك أولًا: الفكر أم الحكاية؟ أم أن كليهما وُلد معك كحاجة واحدة لفهم العالم؟

“الفلسفة كانت أول اختيار قمتُ به بوعي، بينما جاءت الكتابة لاحقًا كامتدادٍ طبيعي لهذا الاختيار، لا كقرار مستقل…، تكويني الفلسفي سبق تجربة الكتابة بزمن، وكأنّ الفكر مهّد الطريق للتعبير…، تجعل الفلسفة الإنسان أكثر نضجًا، ليس على مستوى التفكير والإبداع فقط، بل على مستوى العيش أيضًا؛ إذ تعلّمه أن يرى العالم كإشكال مفتوح، وأن يتعامل مع الأسئلة لا كعقبات، بل كمدخل للفهم والتجربة.”

▪︎كيف أثّرت نشأتك في فاس، بكل ما تحمله من تاريخ و ثقل حضاري، في تشكيل أسئلتك الوجودية الأولى؟

“فاس، بما تحمله من تاريخٍ و حضارةٍ عريقةٍ اشتهرت بالعلم والمعرفة، كان من اللازم ألا ننصاع وراء موجة الجيل الجديد التي تُهمل المدينة وتُهمّش تاريخها العريق، بل أن نُقاوم هذا التهميش بالعودة إلى تاريخ الأجداد من خلال الدراسة والبحث العلمي، وإعادة قراءة الذاكرة الفاسية في أبعادها الفكرية والثقافية…، فالمحافظة على هذا الإرث ليست مجرد حنينٍ إلى الماضي، بل مسؤولية معرفية وأخلاقية تُحتّم علينا أن نُعيد الاعتبار للمدينة كفضاءٍ للعلم والإشعاع الحضاري، وأن نُسهم في إبراز مكانتها ضمن مسار التاريخ الإنساني، لا كمدينةٍ تُروى عنها الحكايات فقط، بل كفكرةٍ حيّة تستمر في إنتاج المعنى والمعرفة…، وهذا الثقل الحضاري هو الدافع الأساسي نحو طرح الأسئلة الوجودية، إذ يجعلنا أكثر وعيًا بالزمن، وبالمعنى، وبمصير الإنسان داخل هذا الامتداد التاريخي العميق، حيث لا يعود التفكير ترفًا، بل ضرورةً لفهم الذات والعالم.”

▪︎متى أدركت أن القراءة لم تعد كافية، و أنك بحاجة إلى الكتابة كفعل مواجهة مع الذات؟

” لم تكن الكتابة عندي إجابةً جاهزة عن الذات، بل جاءت كردّ فعلٍ غير واعٍ. رواية “عين الفرس” لـ ميلودي شغموم، أستاذ الفلسفة المعاصرة، كانت لحظة فاصلة كشفت لي عمق الرواية وأشعلت داخلي الرغبة في الكتابة…، هناك أدركت أن القراءة لم تعد كافية، وأن الأسئلة التي تتراكم داخلي لا تجد مخرجها إلا في الكتابة كفعل مواجهة مع الذات. ومنذ ذلك الحين اتضحت ملامح طريقي الأدبي، رغم قلة مُريديه في الأدب الفلسفي.”

▪︎إلى أي حد يمكن للسرد أن يحمل أسئلة كبرى دون أن يفقد روحه الإنسانية؟

” يمكن للسرد أن يحمل أسئلة كبرى بقدر ما يظل مرتبطًا بتجربة الإنسان الحيّ، لا بمجرد التجريد الفكري. فهو لا يفقد روحه الإنسانية إلا حين يتحول إلى خطابٍ نظريٍّ خالص، منفصلٍ عن القلق، والضعف، والتجربة المعيشة….، فالسرد الحقيقي هو الذي يجعل الأسئلة الفلسفية تُعاش داخل شخصيات وأحداث، لا تُطرح كأفكار مجردة، وبذلك يحافظ على عمقه دون أن يتخلى عن إنسانيته.”

▪︎هل تكتب لتبحث عن أجوبة، أم لتمنح القارئ أسئلة جديدة قد تكون أكثر قسوة؟

“لا أكتب لأقدّم أجوبة، بل لأكشف أن الأجوبة نفسها قد تكون شكلًا من أشكال الوهم المؤقت. فالمرجعية التي أنطلق منها هي الفلسفة، بما هي ممارسة لطرح الأسئلة أكثر من تقديم حلول جاهزة، وبما تثيره من إشكالات تدفع الإنسان إلى التفكير بدل الاكتفاء بالإجابة.
وعليه، تصبح الكتابة عندي فنًّا لزعزعة اليقين، وإهداء القارئ قلقًا جديدًا بدل طمأنينة زائفة…، ففي رواية “صاحب الشعر الأحمر”، مثلًا، تتساءل البطلة في إحدى رسائلها عن الفن وجماليته: ما الذي يحكم عليه بالقبح أو الجمال؟ وهل يصدر الحكم الجمالي عن العقل أم عن الحواس؟ وهو سؤالٌ استطيقيٌّ لا يهدف إلى الإجابة بقدر ما يفتح أفق التفكير ويُبقي السؤال حيًّا.”

▪︎في “الأرملة”، بدا واضحًا أن التجربة تتفوق على المعرفة النظرية… هل كانت هذه قناعة فكرية أم خلاصة تجربة شخصية؟

“في “الأرملة”، بدا واضحًا أن التجربة لا تقف ضد المعرفة النظرية، بل تأتي تصحيحًا لها. فهي لم تُلغِ الفكر، لكنها أجبرته على النزول من برجه المجرد ومساءلة حدوده داخل الواقع…، وما كتبته هناك لم يكن مجرد قناعة فكرية، بل خلاصة تجربةٍ معيشة جعلتني أقتنع بأن الحقيقة لا تُفهم كاملةً إلا حين تُعاش في عمق التجربة المعيشة…، ومن هنا يتداخل التأمل النظري مع الخبرة الشخصية، في أفقٍ يقترب من جوهر الفينومينولوجيا، حيث تُفهم الحقيقة من خلال ما يُعاش قبل أن يُفكَّر فيه نظريًا.”

▪︎العلاقة بين الشاب و الأرملة تحمل بعدًا رمزيًا… هل هي صراع بين مرحلتين من الوعي أم مصالحة بينهما؟

“في رواية الأرملة. العلاقة بين الشاب والأرملة تتخد بعدًا رمزيًا يقوم في البداية على التباين بين وعيين: وعيٍ نظريٍّ منغلق على الكتب وتجريد الأفكار يمثله الشاب، ووعيٍ معيشٍ ومتشبّع بخبرة الحياة تمثله الأرملة…، غير أن هذا التباين لا يبقى في مستوى الصراع فقط، بل يتحول تدريجيًا إلى مسار تعلمٍ وتحوّل….، فالشاب، رغم انغلاقه وضعف خبرته، ينفتح عبر هذه العلاقة على العالم، ويتعلم من الأرملة الجرأة، واقتناص الفرص، وإعادة النظر في حدوده الفكرية…، وبذلك لا تنتهي العلاقة إلى قطيعة بين مرحلتين من الوعي، بل إلى انتقالٍ تدريجي للشاب من وعيٍ نظريٍّ خالص إلى وعيٍ أكثر انخراطًا في الحياة، دون أن يفقد تمامًا خلفيته الثقافية، مما يجعل العلاقة أقرب إلى مسار تكويني أكثر من كونها صراعًا مغلقًا.”

▪︎هل يمكن للإنسان أن يصل إلى وعي حقيقي دون أن يمرّ بصدمة تُعيد تشكيل نظرته للحياة؟

“نعم، يمكن للإنسان أن يصل إلى وعيٍ ما دون المرور بصدمة، لكن هذا الوعي يظل محدودًا ومطمئنًا أكثر مما هو نقدي. فغالبًا ما تلعب الصدمة دورًا حاسمًا في زعزعة اليقين وكسر التصورات الجاهزة، مما يدفع الإنسان إلى إعادة تشكيل نظرته للحياة بشكل أعمق…، لكن هذه الصدمة ليست بالضرورة واقعية أو حياتية، بل قد تكون فكرية أيضًا، كما حدث في التحولات الفلسفية الكبرى، حيث تُحدث فكرة جديدة قطيعة مع ما سبقها وتفتح أفقًا مختلفًا للفهم.”

▪︎في “التعيس”، يبدو الألم كأنه قدر لا مهرب منه… هل تؤمن فعلًا بأن المعاناة أصل الوجود الإنساني؟

” نعم، أرى أن المعاناة ليست مجرد عرضٍ جانبي في حياة الإنسان، بل عنصرٌ مؤسِّس في تجربته الوجودية. فهي ما يمنح الوجود ثقله ومعناه، ويجعل الإنسان يعي ذاته وحدوده…، وفي “التعيس”، يظهر الألم كقدرٍ لا مهرب منه لأنه يكشف حقيقة الإنسان كما هي، دون أقنعة.”

▪︎هل الكتابة عن الألم نوع من التحرر منه، أم تعميق له؟

“الكتابة ليست تحررًا من الألم ولا تعميقًا له، بل تعبيرٌ عنه وكشفٌ لواقعه كما هو. إنها لحظة وعيٍ بالألم أكثر مما هي محاولةٌ للتخلّص منه أو الغرق فيه.”

▪︎”صاحب الشعر الأحمر”…، في هذا العمل، يتداخل الحب مع الخداع… هل ترى أن الحب بطبيعته يحمل وهمًا ما؟

“نعم، أرى أن الحب يحمل في طبيعته قدرًا من الوهم، لا بمعنى الزيف، بل بوصفه إسقاطًا لرغباتنا وتصوراتنا على الآخر. ففي “صاحب الشعر الأحمر” يتداخل الحب مع الخداع، لأننا لا نرى الآخر كما هو، بل كما نرغب أن يكون…، فالعاطفة في جوهرها تنطوي على قدرٍ من الخديعة؛ إذ حين تخفت أو تزول، نكتشف أننا كنا، إلى حدٍّ ما، مخدوعين في ما أحببناه. لذلك، فالوهم ليس نقيض الحب، بل أحد شروطه الأولى، قبل أن تكشفه التجربة أو تعيد تشكيله.”

▪︎هل تخاف أحيانًا من الأفكار التي تكتبها، لأنها قد تكشفك أكثر مما ينبغي؟

” نعم، هناك قدرٌ من الخوف، لكنه لا يتعلق بالأفكار بقدر ما يرتبط بالذاتية نفسها. ففي لحظة الكتابة أحاول أن أكون موضوعيًا قدر الإمكان، غير أن الذاتية تظل حاضرة وتتسرّب إلى النص، فتجعل الكتابة أحيانًا أقرب إلى كشفٍ للذات منها إلى خطابٍ موضوعيّ خالص.”

▪︎إذا كان عليك أن تختزل مشروعك الأدبي كله في سؤال واحد، ما هو السؤال الذي تكتب لأجله؟

“إلى أي حدّ تستطيع الكتابة أن تكون فعلًا لكشف الذات، بدل أن تكون مجرد بحثٍ عن يقينٍ نهائي؟”

▪︎في لحظة صمت صادقة… هل وجدت ما كنت تبحث عنه في الكتابة، أم أن البحث هو الشيء الوحيد الذي ازداد وضوحًا؟

“سؤالٌ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يخفي توترًا عميقًا بين الوجود في المجال الأدبي واستمرارية السعي داخله. في البداية، يكون الدافع هو البحث عن مكان داخل الساحة الأدبية، لكن ما إن يتحقق ذلك حتى يتحول الهدف إلى الحفاظ عليه، ثم إلى توسيع الحضور والسعي نحو شهرةٍ ومكانةٍ أقوى…، هكذا يصبح فعل البحث نفسه هو المحرك الأساسي للمثقف، حيث لا يتوقف عند حدّ التحقق، بل يعيش دائمًا بين ما تمّ بلوغه وما يزال يُراد بلوغه، في حركة دائمة بين الاكتفاء والطموح.”

▪︎في ختام هذا الحوار، يتضح أن تجربة شحيمط يوسف تنبني على سؤالٍ مفتوح أكثر من كونها بحثًا عن إجابات نهائية، حيث تتقاطع الفلسفة بالكتابة في مشروع يسعى إلى مساءلة الذات والعالم معًا…، و تظل أعماله محاولة دائمة للاقتراب من الإنسان في هشاشته وتعقيده، وجعل الرواية فضاءً للتفكير بقدر ما هي فضاء للحكي.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button