الكاتب السوري عُبادة القداح : واقع دور النشر سيء جداً جداً.

حاورته: الكاتبة والإعلامية سلمى القندوسي
نستضيف اليوم على جريدة تيلي ناظور، الكاتب السوري “عُبادة القداح”، من مواليد 1998، ينتمي إلى محافظة درعا، كاتب لأربع كُتب، روايتين وكتابين خواطر، بدأت مسيرته منذ 2020، و كان آخر إصدار له هو رواية “آيات والغرام المستحيل”، لنكتشف معه أدغال الكتابة و النشر.
من خلال هذا الحوار لا تفتح تيلي ناظور نافذة لتعرف عن الكاتب السوري “عُبادة القداح” فحسب، بل تفتح نافذة لتسليط الضوء من خلاله على آفت النصب و الإحتيال التي يتعرض لها الكثير من الكتاب منذ الأزل، و بهذا الخصوص كان لي شرف إضافة الناشر “ياسين عرفة اللغميش” كضيف مفاجأة في ختام الحوار نظراً لخبرته في المجال و كذلك لكونه إعلامي ذو قلم حر ، متميّز، يستنطق المسكوت عنه…، و كان الحوار معهم كالتالي:
▪︎بداية، من هو عبادة القداح بعيدًا عن التعريفات التقليدية؟ كيف تصف نفسك كإنسان قبل أن تكون كاتبًا؟
“عبادة شخص طموح يحب الطموح ويحب الخير ومساعدة الآخرين ويشفق عليهم ويحب العلم والدراسة.”
▪︎ وُلدت في درعا، مدينة تحمل الكثير من الحكايات… كيف أثّرت البيئة التي نشأت فيها على وعيك وكتابتك؟
“درعا مدينة جميلة بأهلها وسكانها
منذ الصغر نشأت في بيت يحب العلم والكتب والمطالعة وكان النصيب الأكبر من أبي حيث تعلقت بحب الكتب والكتابة منه بعد أن فقدته.”

▪︎ بدأت الكتابة سنة 2020، هل كانت وليدة ظرف معين أم نتيجة تراكمات داخلية؟
“بداية الكتابة لم تكن وليدة ظرف أو زمان بل كان منذ الصغر حبها عندي…، لكن الحب والعشق جعلني أتعمق بها كثيراً.”
▪︎ كتبت روايتين وكتابين خواطر، كيف تفرّق بين نفسك ككاتب خواطر وكروائي؟ وأين تجد نفسك أكثر؟
“هناك فرق كبير بين الخواطر و الروايات…، و لا أصف نفسي بأي منهما… ولكني شخص أحب أن أعبر عن مابداخلي من خلال العزلة مع القلم والكتب…، ولكني أميل إلى الخواطر لأنها تختصر الكثير كالحكم.”
▪︎ في روايتك “آيات والغرام المستحيل”، نلمس حضورًا قويًا لمشاعر الخذلان والخوف من التعلّق… إلى أي حد تعكس هذه القصة تجربة شخصية أو واقعية؟
“رواية ‘آيات والغرام المستحيل’ لا تعني لي رواية كتبت وتباع أو تنشر بل سنين من عمري وتجارب كثيرة و وجع و آلام وفرح وحب..، وهي تصف واقعي الشخصي وحبي ألا محدود الذي لا يموت.”
▪︎ هل ترى أن الكتابة كانت بالنسبة لك نوعًا من العلاج أو المواجهة مع الذات؟
“الكتابة في فترة معينة من الزمن كانت علاج و دواء لكنها تحولت إلى وجع و ألم و اعتزلت الكتابة حتى أعود إلى نفسي القديم.”
▪︎ شخصياتك تبدو إنسانية جدًا وقريبة من القارئ، هل تعتمد على تجارب حقيقية في بنائها أم تترك للخيال المساحة الأكبر؟
“اعتقد أن الكتابة يجب أن تصف الواقع الذي نعيشه ولا داعي للخيال المطلق لكن يحتاج الكاتب أن يدخل الخيال قليلا ليضيف قليلا من الجمال للرواية.”
▪︎ تتناول في كتاباتك قيمًا مثل الحب، الطيبة، ومساعدة الآخرين… هل تعتبر الأدب رسالة أخلاقية أم مجرد تعبير حر؟
“الأدب كله يجب أن يكون رسالة إلى الأجيال التي تأتي حتى تتعلم منه دروس أو تأخذ منه الحكم والقيم والأخلاق…، ولا يجب أن يكون الأدب إلا رسالة تحمل الحب و الإخلاص والأخلاق والقيم”
▪︎ ككاتب شاب في بداية مساره، ما هي أكبر التحديات التي واجهتك في طريق النشر؟
“النشر يحتاج إلى الكثير من الأشياء…، لأنه معظم دور النشر تعتمد على الشهرة للكاتب و ليس عمله سواء كان يحمل رسالة أخلاقية أو العكس.”
▪︎للأسف، يعاني العديد من الكتّاب من مشاكل مع دور النشر… هل مررت بتجربة سلبية أثّرت على مسارك؟ وكيف تعاملت معها؟
“نعم مررت بتجارب سيئة مع دارين و لم ينفذو كل البنود و هو ما جعلني أتوقف عن الكتابة مؤقتا إلى حين أجد دار صادقة.”
▪︎ هل تعتقد أن هذه التجارب قد تدفع بعض الكتّاب إلى التراجع أو فقدان الثقة في المجال؟
“نعم الكثير من الكتاب اليوم لم يعد يكتبوا شيء من سياسة دور النشر و الانحياز إلى الشهرة.”
▪︎ رغم هذه العراقيل، ما الذي يجعلك تستمر في الكتابة؟ وما الذي يمنحك الدافع للمواصلة؟
“الذي يدفعني هو حبي للكتابة و شغفي و اصراري على إيصال رسالة إلى الأجيال القادمة لكني لن أنشر مع أحد حتى أجد الدار المنصفة.”
▪︎ كيف ترى واقع النشر اليوم في العالم العربي، خصوصًا بالنسبة للكتّاب الجدد؟
“واقع دور النشر سيء جدا جدا…”
▪︎ ما النصيحة التي تقدمها لكل كاتب مبتدئ يحلم بنشر كتابه الأول؟
“أنصحه بأن يكتب الأشياء التي تحمل رسالة ذات طابع أخلاقي وقيم إنسانية …، وأن لا يكتب الرذائل أو الفجور أو ما شابه ذلك.”
▪︎ لو عدنا إلى عبادة الإنسان، ماذا غيّرت فيه الكتابة؟ وهل جعلتك أقرب لنفسك أم أكثر تعقيدًا؟
“اعتقد أن الكتابة كانت يوما ما دواء لي ولا شيء آخر لذلك لم تضيف شيء سوا أشياء رمزية لكنها جعلتني أنظر للعالم بعمق وبعد نظر للأشياء.”
▪︎ ما المشاريع القادمة التي تعمل عليها؟ وهل سنرى عملًا مختلفًا عن السابق؟
“ربما في الأشهر القادمة أكتب…، بطبع سوف يكون مختلف تماما من خلال التجارب التي مررت بها و الفهم الأعمق للأدب و الرسائل.”
▪︎ قبل أن نختم، وبما أنك خضت تجربة مباشرة مع عقود النشر و ما رافقها من صعوبات، نود توسيع زاوية النقاش قليلًا…، اليوم، لم تعد هذه المشكلة فردية، بل أصبحت ظاهرة تؤرق عددًا كبيرًا من الكتّاب الشباب. ومن هذا المنطلق، ارتأينا أن نفتح قوسًا مهمًا داخل هذا الحوار…
■تصريح خاص للناشر ياسين عرفة اللغميش حول ظاهرة النصب في عقود النشر و الحلول المقترحة:
‘《 “في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع النشر، أصبح التعامل مع دور النشر، خاصة الأجنبية منها، يفرض على الناشر و الكاتب معًا مستوى عاليًا من الوعي و الاحترافية. فالنشر لم يعد مجرد طباعة كتاب، بل منظومة متكاملة تشمل الحقوق، و التوزيع، و التسويق، و بناء القيمة الثقافية…، من موقعي كمدير لمجموعة كلتورا الدولية للنشر و التوزيع، أرى أن التعامل مع دور النشر الأجنبية يمكن أن يشكل فرصة حقيقية للانفتاح على أسواق جديدة، و تبادل الخبرات، و الوصول إلى جمهور أوسع. لكن هذه الفرص تظل مشروطة بمدى مصداقية هذه الدور، و وضوح عقودها، و احترامها لحقوق المؤلف و الناشر على حد سواء. فلا بد من التحقق من سجل الدار، مشاركاتها في المعارض الدولية، شبكة توزيعها، وتاريخ إصداراتها…، في المقابل، ظهرت في السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقة تتمثل في ما يُعرف بدور النشر الوهمية ، وهي كيانات تستغل حلم الكاتب في النشر، فتقدم له وعودًا براقة مقابل مبالغ مالية، دون تقديم خدمات حقيقية تليق بمفهوم النشر…، هذه الدور لا تهدف إلى بناء مشروع ثقافي، بل إلى تحقيق أرباح سريعة على حساب طموح المبدعين…، و هنا أؤكد أن أول خطوة لحماية الكاتب هي الوعي: قراءة العقود بعناية، عدم التسرع في الدفع، طلب نماذج من الأعمال السابقة، و التأكد من وجود توزيع فعلي و ليس فقط وعودًا رقمية. كما أن على الكاتب أن يدرك أن النشر الجاد هو شراكة، و ليس مجرد صفقة مالية…، إن مسؤوليتنا كناشرين مسؤولين تفرض علينا أيضًا التصدي لهذه الممارسات، عبر تعزيز الشفافية، و توعية الكُتاب، و بناء ثقة حقيقية داخل المنظومة الثقافية. فالنشر رسالة قبل أن يكون تجارة، و أمانة قبل أن يكون فرصة…، و في الأخير، يبقى الرهان على بناء صناعة نشر قوية، قائمة على المصداقية، و التكامل، واحترام الإبداع، حتى نضمن للكتاب مسارًا يليق بقيمتهم، وللقارئ محتوى يستحق ثقته.”》’

▪︎أستاذ عُبادة…، بعد هذا التصريح، كيف ترى الحلول المطروحة؟ وهل تعتقد أن وعي الكتّاب كفيل بالحد من هذه الظاهرة؟
“وعي الكتاب وحده لا يكفي نحن نحتاج من وزارة الثقافة أن تتدخل و تنظر لنا على أننا كُتّاب نريد أن نوصل شعورنا و رسائلنا التي تحمل الكثير من الفهم و المشاعر و أن تتعامل معنا على أننا ثروة لابناء الوطن كله
و أن تقف إلى جانب الحق و أن تضع حلول تنصف الكتاب و دور النشر أجمع.”
▪︎في آخر كلمة لي أشكر الضيفين على حكمتهما، و على الكل الجهود المبذولة لتوضيح عُمق المشاكل التي يمر منها كل من الكُتّاب و دور النشر.



