الكاتبة والدكتورة هبة عبد العزيز : أبحث عن حقيقة تاريخية لأنقلها للقارئ

حاورتها: الكاتبة والإعلامية سلمى القندوسي
اليوم على صفحات جريدة تيلي ناظور، نفتح نافذة على عالمٍ يختلط فيه التاريخ بالغموض، و العلم بما تعجز أحيانًا عن تفسيره العقول.
ضيفتنا كاتبة و دكتورة في الكيمياء العضوية، حملها شغفها بالبحث و التنقيب إلى الغوص في أسرار الماضي و الحكايات المنسية خلف الأحداث الكبرى.
في أعمالها، تتحول الحقائق التاريخية إلى أبواب تقود نحو عوالم أكثر إثارة، بينما تتسلل التجارب الواقعية إلى نصوص الرعب لتترك القارئ أمام سؤالٍ غامض: هل كل ما نجهله مجرد خيال فعلًا؟
مع الكاتبة هبة عبد العزيز كان لنا هذا الحوار المختلف:
▪︎بدايةً، كيف تستحضرين ملامح طفولتكِ، وهل كان هناك ما يلمّح منذ ذلك الوقت إلى شغفكِ بالكتابة أو بالتاريخ؟
“شخصية الإنسان صنيعة بيئته وجيناته بنسب متفاوتة، وأنا منذ صغري أتذكر أنني كنت متفوقة في اللغة العربية والتاريخ بشكل خاص، ويمكن أن يعود هذا إلى مدرسة المادة في المرحلة المتوسطة عندما جعلتنا نحب شخصيتها فأحببنا المادة، فتجدي أن الأشخاص في محيطنا يؤثرون بالسلب أو الإيجاب في الطفولة.”


▪︎برأيكِ، إلى أي حد أسهمت البيئة التي نشأتِ فيها في تشكيل خيالكِ وميولكِ نحو الغموض والبحث في الماضي؟
“شغفي بالقراءة من البداية يعود لوالدي، فوالدتي معلمة، وكانت جوائز التفوق هي شراء مجلات الأطفال لنا ونحن صغار. وكانت فنانة بالفطرة في الرسم، كبرت فوجدت مكتبة أبي تحوي العديد من كتب مصطفى محمود ونجيب محفوظ، وكانت أول رواية طويلة أقرأها في حياتي هي “العنكبوت” لمصطفى محمود، وقتها علمت أن هذه المواضيع هي ما تلفت انتباهي، الغموض، وأيضًا منها التاريخي الجميل في روايات نجيب محفوظ بأسلوبه السلس كرواية “كفاح طيبة”.”
▪︎متى بدأ انجذابكِ الحقيقي إلى التاريخ، وهل كان ذلك بدافع الفضول المعرفي أم نتيجة ارتباط وجداني خاص؟
“في البداية كان حب المعرفة و القراءة ، لكن بالتعمق أكثر وجدت أن ما نعرفه إما قليل أو غير حقيقي عن التاريخ، فأصبح الموضوع نوعًا من التحدي؛ إلى أي مدى ممكن الوصول إلى حدث ما، وكلما اكتشفت شيئًا جديدًا تحمست للوصول إلى المزيد.”
▪︎كيف انعكس تخصّصكِ في الكيمياء العضوية على طريقة تفكيركِ وأسلوبكِ في بناء الأحداث والشخصيات؟
“الكيمياء تعتمد على الدقة في كل شيء، والمراقبة والتحليل العميق بدون تسرع، فعندما ترسمين شخصية على الورق لا بد من وصفها من جميع الجوانب وتحليل تصرفاتها في المواقف بعمق، ولماذا هي بتلك الصفات، تحللين المعطيات لتصلي إلى النتيجة، وبناءً على ذلك تفسرين تصرفاتها في الرواية، حتى لا يكون لديك وصف سطحي ، وهذا ما يضعف الشخصيات و تصبح الرواية مفككة وغير منطقية.”
▪︎هل تميلين أثناء الكتابة إلى الالتزام بالدقة العلمية، أم تتركين مساحة أوسع للخيال كي يقود السرد؟
“أميل أكثر إلى الدقة، لكن تكون هناك نسبة ضئيلة من الدراما تُطوَّع لخدمة الناحية الأدبية، والخيال نوعًا ما، لكن بدون تأثير على الحقيقة حتى لا تصبح الرواية كتابًا تعليميًا يسقي القارئ المعلومة بالملعقة، بل كوجبة شهية يستمتع بها ويظل يتذكرها. ويتذكر ما بها من معلومات.”

▪︎في روايتكِ “أوراق دامية”، ذكرتِ أن نسبة كبيرة من الأحداث حقيقية، كيف كانت رحلتكِ في البحث والتوثيق قبل الشروع في الكتابة؟
“في البداية قضيت أكثر من عام أبحث في حقبة أخناتون، لأن الكثير يرى أن أخناتون نبي، والجزء الآخر يراه أكبر مهرطق، وبالطبع هذا قادني إلى توت عنخ آمون ونفرتيتي والملكة تي. وبالصدفة وقعت على مقال بالألمانية في جريدة شبيجل من مذكرات شخص حضر افتتاح مقبرة توت عنخ آمون، في العشرينات وكان لديه شكوك بأن كارتر دخل المقبرة، لكن بحكم أن القفل سليم فلم يستطيعوا إثبات ذلك، لكنه ذكر أنه كان هناك شيء غريب لم يستطع تفسيره في واجهة المقبرة، وأن هناك منطقة بجانب الباب أثارت شكوكه، وأيضًا عدم وجود أي أوراق بردي، وخصوصًا “كتاب الموتى” في مقبرة ملكية، يدعو للشك مع وجود صندوق اللفافات بالداخل لكنه خالٍ، فكان هناك تساؤل عما حدث حقيقة. وسأخبرك عن شيء آخر، كنت أريد أن أصنع شفرة لترك رسالة من العشرينات، فبحثت بعمق لأجد أبسط وأغرب شفرة كان المتعلمون يستخدمونها في هذا الوقت، وهذا من منطلق دقة الطرح.”
▪︎ما الذي جذبكِ تحديدًا إلى حقبة أخناتون واكتشاف مقبرة توت عنخ آمون دون غيرها من الفترات التاريخية؟
“حقبة أخناتون كانت حقبة مليئة بالأحداث السياسية والدينية، وليست حربية كأغلب الملوك، فلم يصل إلينا معلومات عن ملك مصري قديم قام بتغيير العقيدة في البلاد مع ترك حرية العبادة للآلهة الأخرى، وإعادة العقيدة إلى البداية، إلى التوحيد غيره ، و وقوف سيدة لدعمه وهي أمه الملكة تي، وخيانة سيدة أخرى قادته للنهاية. وصل إلينا الشيء الكثير، وفي نفس الوقت القليل من الحقيقة، لذلك كل هذا يدعو للتفكير العميق ويشد للبحث خلف كل تلك الأحداث، وأيضًا وجود جده لأمه العالم تويا الذي قالوا عنه خطأ إنه نبي الله يوسف.
بالمختصر، شخصيات تلك الحقبة غنية وتغري بالكتابة عنها، واكتشاف مقبرة توت عنخ آمون تحيط به الأقاويل الكثيرة، وخصوصًا الوفيات المتعاقبة لكل من كانت له علاقة بالأمر، فما هو السر المراد إخفاؤه هنا؟”

▪︎في “الضوء المعتم”، كيف استطعتِ المزج بين كشف بعض الحقائق وإضفاء طابع بوليسي مشوّق دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟
“أسلوبي في الكتابة لا يركز على الجريمة من ناحية ضحية وجانٍ يُبحث عنه، لا، لدي أسلوب آخر، أن أجعل تلك الجريمة الموجودة في الحاضر على صلة بما حدث في الماضي، وهذا ما فعلته في “أوراق دامية “
وفي الضوء المعتم”، جعلت الحاضر بها هو الأربعينات من القرن الماضي، وبدأت في الغوص في الماضي السحيق لأزمنة مختلفة وأماكن عديدة، وكل زمان ومكان أبحث عن حقيقة تاريخية لأنقلها للقارئ من خلال قصة، وفي النهاية تتجمع تلك الخيوط لتصل لبطل القصة والجرائم التي تحدث في الزمن الموجود به، لذلك كان هناك مزج بين التاريخ والحبكة البوليسية في رواية تطرح حقيقة لا يصدقها عقل، وحاليًا انتهيت من الجزء الثاني وجارٍ البحث عن دار نشر.”
▪︎فيما يخص مجموعة “13”، هل يمكن القول إن القصص كانت انعكاسًا مباشرًا لتجاربكِ الشخصية، أم أن الخيال كان له حضور أكبر؟
“المجموعة القصصية “١٣” بجزأيها هي نتاج تجارب شخصية وتجارب لمقربين وأصدقاء، والكثير منها مستوحى من أحداث حقيقية، فمثلًا قصة “الفندق” استوحيتها من فندق مهجور بالفعل وتُروى عنه الكثير من القصص، و”بعد العاشرة” كانت من قصة انتحار رجل أعمال بعد قتل زوجته وأولاده بوحشية، كل قصة بها جزء من حكايات الآخرين.”
▪︎تجربتكِ في العيش داخل منزل مسكون تبدو مؤثرة، كيف غيّرت هذه التجربة نظرتكِ للأشياء، خاصة وأنتِ قادمة من خلفية علمية؟
“قبل أن أسكن في هذا المنزل كنت بالطبع أؤمن بالجن، لأنهم مذكورون في القرآن، لكن لا أؤمن أنهم من الممكن أن يكون لهم تواجد في حياة البشر كأفلام الرعب مثلًا، حتى عشت في هذا المنزل لخمس سنوات. في البداية عندما كنت أسمع أصواتًا أرجعها إلى سبب واقعي، مثل أصوات الجيران، وعندما أرى شيئًا يمر أمامي أقول إنه انعكاس الضوء، وصنبور يُفتح لوحده أقول إنه عطلان، لكن مع الأيام، و تجارب من كانوا معي بالمنزل، الكل يروي قصة حدثت معه، فقررنا المغادرة، وبعد مغادرتنا عرفنا سر ما يحدث، وأنه كان هناك جريمة حدثت في المكان، والغريب أنه بعدنا لم يسكنه أحد.”
▪︎هل تمثل الكتابة بالنسبة لكِ وسيلة لفهم ما هو غامض، أم أنها شكل من أشكال التفريغ النفسي والتصالح مع التجارب؟
“الكتابة بالنسبة لي نوع من أنواع السعادة، أن تضعي أفكارك والشخصيات التي تتحدث وتتصرف داخل عقلك، ترسمينها بالكلمات على الورق. الكتابة بالنسبة لي هي المتعة التي أصرف وقتي بها وأفضلها عن أي شيء آخر. ومن ناحية أخرى هي سبب اكتشاف الكثير من الأشياء حولي التي لم أكن أفكر بها. سأعطيكِ مثالًا، في “الضوء المعتم” كان لعلم الفلك والأبراج جزء مذكور في الرواية، وكان لا بد من معرفة التوقيتات والأبراج وموقع النجوم لهذا الغرض، فبدأت بالبحث والغوص في هذا العالم وأنا بعيدة كل البعد عنه، فالكتابة تفتح آفاقًا جديدة للبحث والدراسة.”
▪︎أخيرًا، ما الذي تطمحين لتقديمه في أعمالكِ القادمة، وهل سنرى استمرارًا لهذا المزج بين العلم والتاريخ والغموض؟
“أطمح مستقبلًا لتقديم مواضيع جديدة، وأكشف عن ألغاز كانت بالماضي وأعرض حلها من خلال الرواية. أحب عندما أكتب ألا أضع رواياتي بتصنيف معين، اجتماعي أو رومانسي أو بوليسي، لأنني أجمع كل هؤلاء في رواية تحوي جميع التصنيفات، وفي نفس الوقت تفيد القارئ بمعلومات حقيقية، لأنه لماذا لا نجمع بين المتعة والاستفادة؟ وإن شاء الله مستقبلًا أجد لغزًا تاريخيًا مخفيًا آخر أكتب عنه روايتي الجديدة.”
▪︎وفي ختام هذا الحوار، تترك لنا الكاتبة هبة عبد العزيز أبوابًا كثيرة مفتوحة على أسئلةٍ لا تنتهي؛ بين التاريخ الذي ما زال يخفي أسراره، والغموض الذي يتسلل أحيانًا إلى الواقع أكثر مما نتخيّل…، تجربة أدبية تمزج بين العلم والبحث والخيال، لتؤكد أن الرواية ليست مجرد حكاية، بل رحلة لاكتشاف ما وراء الأحداث والحقائق المنسية…، وكان لنا في جريدة تيلي ناظور هذا اللقاء المختلف..؛ مع كاتبة تؤمن أن خلف كل لغز حكاية تستحق أن تُروى.



