الروائية الأمازيغية رميساء وهيا: لقصة صالح الباشا بصمة أمازيغية عريقة.

حاورتها: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي
على جريدة تيلي ناظور، نفتح هذا الحوار مع الكاتبة الأمازيغية رميساء وهيا، من قلب حكاية تُستخرج من نهايتها الغامضة، ومن اسمٍ تجاوز حدود الذاكرة ليتحوّل إلى أسطورة نابضة: صالح الباشا، أو “قيس الأمازيغي” كما خطّه القدر.
رميساء وهيا كاتبة أمازيغية مغربية من مدينة أكادير، تنطلق في تجربتها الأدبية من حسّ شعري مبكر و شغف عميق بالكتابة. اشتغلت على كتابة الرواية و صناعة المحتوى، و تُعرف بمزجها بين البعد الإنساني و العمق العاطفي في نصوصها.
تكتب رميساء وهيا من عمق الهوية الأمازيغية، وتختار اللغة العربية مساحة حرة للتعبير…، و كان الحوار معها كالتالي:
▪︎ بدايةً، كيف تشكّلت ملامحكِ الأولى بين كونكِ أمازيغية مغربية وبين اختياركِ التعبير باللغة العربية؟
“نشأت في طفولتي على يد أسرة تعشق الشعر و الكتب، إذ كنت أحفظ القصائد التي تلقى في بيتنا لا إراديا، لأجد نفسي في عمر 10 سنوات أخط شعرا و أكتب قصصا باللغة العربية.”


▪︎ هل كانت اللغة العربية بالنسبة لكِ اختيارًا واعيًا أم أنها وجدت طريقها إليكِ بشكل عفوي؟
“لم يكن التعبير باللغة العربية اختيارا بقدر ما كان راحة نفسية ألجأ إليها كلما ضاقت بي جدران غرفتي…، صادقت الأوراق بينما كانت البقية تصادق بعضها البعض، لأحس بشيء من الإنتماء لعالم الكتابة، و أنه ربما العالم الوحيد الذي لن يحدث فرق بين أمازيغي و عربي و أعجمي.”
▪︎ في رأيكِ، كيف يمكن للكاتب أن يوازن بين هويته الثقافية الأمازيغية وأدواته التعبيرية بالعربية دون أن يفقد روحه؟
“حقيقة، أرى أنه لكل كاتب بصمته الخاصة في مجال الكتابة، و رغم تشابه الهويات الثقافية لعدد كبير من الكتاب، إلا وأن لكل منهم روحه و بصمته في طريقة الإبداع و الكتابة…، لا أرى أن هناك وصفة سرية للحفاظ على التوازن بين الهوية الثقافية الأمازيغية و أدوات التعبير باللغة العربية، غير الحفاظ على زاويتك الخاصة التي ترى من خلالها كل شيء.”
▪︎ روايتكِ “كيف أقنع نفسي أنها تزوجت؟” تحمل وجعًا عاطفيًا واضحًا… إلى أي حد يمكن القول إن الكتابة عندكِ هي شكل من أشكال النجاة؟
“روايتي (كيف أقنع نفسي أنها تزوجت؟) تطلبت أزيد من 60 سنة حتى تكتمل أحداثها و تتوفر بين أيادي القراء، يمكنني القول بأنني لحد الآن لم انجو بصفة كاملة من وجع و ألم هذه الرواية.”
▪︎ من خلال النبذة، نلمس حضور قصة حب مأساوية حقيقية… ما الذي يدفعكِ لاختيار هذا النوع من القصص المرتبطة بالألم؟
اخترت كتابة قصة الشاعر و الفنان “صالح الباشا” ليس بدافع اهتمامي بالقصص المرتبطة بالألم، بل لأني أرى أنه شخصية عظيمة تستحق أن تُخلد في التاريخ، و أن لا تبقى قصته محصورة بين الأقاليم الأمازيغية المغربية فقط، بل تستحق أن ترى النور في جميع الدول العربية.”
▪︎ شخصية “قيس الأمازيغي” تحمل رمزية قوية… ماذا يمثل لكِ هذا اللقب؟ وهل هو امتداد لأسطورة قيس وليلى أم له بعد خاص بكِ؟
” “قيس الأمازيغي” هو الإسم الذي لقبت به الشاعر و الفنان “صالح الباشا” في الصفحات الأخيرة من رواية (كيف أقنع نفسي أنها تزوجت؟)، وهو لقب منبثق من قصة قيس و ليلى نسبة لتشابه درجة الهيام بين قيس و صالح، لكن لقصة قيس لمسة عربية أصيلة، و لقصة صالح الباشا بصمة امازيغية عريقة.”
▪︎ كيف تشتغلين على تحويل قصة واقعية إلى عمل أدبي يحافظ على صدقها وفي نفس الوقت يمنحها نفسًا إبداعيًا؟
“أنا أرى أن الواقع هو الهيكل العظمي للرواية، أما الأدب فهو روحها و ملامحها…، في روايتي حافظتُ على الصدق من خلال الالتزام بالوقائع المؤثرة وجوهر القصة الحقيقي، بينما أضفتُ النَفَس الإبداعي عبر توظيف الرمزية والعمق الدرامي. هدفي لم يكن مجرد نقل ما حدث، بل تحويل الألم الواقعي إلى نص أدبي يلمس وجدان كل من يقرأه….، لكن الصعوبة الحقيقية لم تكن في الكتابة نفسها، بل في المواجهة. كتابة قصة واقعية تتطلب شجاعة للغوص في جراح حقيقية وإعادة إحيائها على الورق…، كان التحدي هو كيف أحول هذا الألم الشخصي إلى لغة أدبية دون أن أفقد حرارته، و كيف أجعل القارئ يشعر بأن هذه القصة تحمل بعد تفاصيله هو أيضا.”
▪︎ بصفتكِ صانعة محتوى، كيف ترين العلاقة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المسموعة؟ وأيهما أقرب لقلبكِ؟
” بصفتي صانعة محتوى على اليوتيوب و الانستاغرام و تيك توك، أرى أن العلاقة بين الكلمة المكتوبة والمسموعة هي علاقة جسد وروح…، الكلمة المكتوبة (الرواية) هي الأصل، هي العمق والخلود الذي يتيح للقارئ فرصة التأمل وتخيل العوالم ببطء…، أما الكلمة المسموعة (صناعة المحتوى) فهي الجسر السريع الذي يربطني بالجمهور ويمنح النص نَفساً حياً وصوتاً قريباً من القلوب…، أما الأقرب لقلبي، فهي الكلمة المكتوبة دائماً؛ لأنها المساحة التي أتحرر فيها من كل القيود، وأبني فيها عوالمي الخاصة بكل تفاصيلها.”

▪︎ سلسلة “قصص الأنبياء” التي تقدمينها… هل هي محاولة للعودة إلى الجذور الروحية وسط زخم القصص العاطفية؟
“أقدم سلسلة “قصص الانبياء” منذ سنة تقريبا، و أرى أنها المعلم الأول في فن الدراما والصبر والتضحية، وهي الأساس الذي نتعلم منه كيف نواجه تقلبات الحياة…، وسط زخم القصص العاطفية التي قد تستهلك مشاعرنا، تأتي قصص الأنبياء لتعيد صياغة مفاهيمنا عن الصبر، الوفاء، واليقين…، هي ليست مجرد عودة للجذور، بل هي المرجع الذي أستمد منه القوة لأكتب عن مشاعر البشر بعمق وصدق أكبر.”
▪︎ اشتغالكِ على نشر روايتكِ داخل المغرب وخارجه تجربة ليست سهلة… ما أصعب لحظة عشتِها في هذا المسار؟
“لم تكن لحظة واحدة فقط، بل واجهت العديد من الصعاب دون تنازل، كان هدفي هو نشر قصة “صالح الباشا” داخل و خارج المغرب، و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات قد تم النشر…، بعد سبعة أشهر من المحاولات التي باءت بالفشل، ها قد توفرت روايتي على موقع samawy، و قريبا ستتوفر في معرض الرباط الدولي للكتاب لسنة 2026، ثم داخل و خارج أرض الوطن.”
▪︎ ككاتبة أمازيغية تصل أعمالها إلى دول عربية، كيف كان تفاعل القراء مع هذا المزج بين الهوية المحلية واللغة العربية؟
“الهوية لا تضيق باللغات، بل تتسع بها….، كوني كاتبة أمازيغية تكتب باللغة العربية، فهذا منحني ميزة تقديم رؤية مغايرة وتفاصيل ثقافية غنية للقارئ العربي، و تفاعل القراء كان مبنياً على تقدير هذا التنوع؛ فالأدب بالنسبة لي هو المساحة التي تذوب فيها الحدود الجغرافية لتبقى الهوية الإنسانية المشتركة هي البطلة.”
▪︎ العمل الجديد الذي تشتغلين عليه، وقلتِ إنه مختلف تمامًا… هل هو محاولة للخروج من منطقة الألم أم اكتشاف جانب آخر منكِ؟
“هو مزيج من الأمرين؛ هو اكتشاف لجانب إبداعي جديد يستهويني، وفي نفس الوقت هو تحويل للألم من صورته الواقعية المباشرة إلى صورة رمزية وخيالية أكثر اتساعاً. في عملي القادم، تركتُ للخيالات العنان لتقول ما لم يستطع الواقع قوله، ولأثبت أن قلمي لا يقف عند حدود نوع أدبي واحد، بل يستطيع التنقل بين الواقعية والفانتازيا بصدق و إبداع.”
▪︎ لو كان عليكِ أن تختاري جملة واحدة تختصر علاقتكِ بالكتابة منذ الطفولة إلى اليوم… ماذا ستقولين؟
“منذ طفولتي والورقة هي المكان الوحيد الذي لا أُهزم فيه؛ أحوّل فيها جراحي إلى حبر، وهزائمي إلى نصوصٍ لا تموت، و ستظل الكتابة هي محاولتي الأزلية لإقناع نفسي والآخرين بأن الخيال أكثر صدقاً وإنصافاً من الواقع.”
▪︎في ختام هذا الحوار مع الكاتبة الأمازيغية رميساء وهيا، تتضح ملامح تجربةٍ أدبية تُراهن على الذاكرة أكثر من النسيان. بين وجع الواقع واتساع الخيال، تظل الكتابة لديها مساحةً مفتوحة لإعادة إحياء ما يختفي خلف الزمن، ومنح الصوت للقصص التي وُلدت من الألم….، هكذا تبقى “قصة صالح الباشا” أكثر من مجرد رواية، و تتحوّل إلى أثرٍ إنساني يتجاوز حدود السرد، حيث يلتقي الحب بالفقد، وتلتقي الكلمة بالخلود.



