عروض واعلانات
أقلام وأراء

لبنى العامري تكتب : حين تتحول التوقعات الصامتة إلى فجوة تبتلع العلاقات

لبنى العامري تكتب :

لا تبدأ خيبات العلاقات غالبا من قسوة الواقع، بل من رفعة السقف الذي بنيناه في الخيال.
ليس لأننا نبالغ في الرغبة، بل لأننا نخلط دون وعي بين ما نحتاجه فعلا، وما نظن أننا نستحقه، وما نُسقطه على الآخر من تصورات مثالية. وهنا، لا تعود العلاقة مساحة للتجربة، بل امتحانا صامتا لقدرة الواقع على مضاهاة صورة لم تكن يوما واقعية.
حين نمنح الثقة بعمق، لا نكتفي بمنحها، بل نتوقع بشكل غير معلن أن تُبادَل بالدرجة نفسها من الفهم والوعي. فالشخص العفوي، مثلا، لا يرى عفويته ضعفا، بل حقيقة صافية، ويتوقع أن تُقرأ بهذه النية، أو على الأقل أن تُحترم. لكن ما يحدث غالبا هو العكس؛ إذ يُفاجأ بأن الآخر لا يتعامل مع هذه العفوية كما هي، بل يُسقط عليها ظنونه أو مخاوفه.

وهنا، لا تكون الصدمة في الموقف ذاته، بل في سقوط التصور الذي بنيناه عن مدى فهم الآخر لنا. لذلك، لا ينتهي الأمر بخلاف عابر، بل بقرار داخلي حاد: أن نكفّ عن منح هذه العفوية، لا لأننا تغيرنا، بل لأننا لم نُفهم كما كنا نظن.


المشكلة لا تكمن في التوقع بحد ذاته، بل في طبيعته الصامتة؛ فنحن لا نطلب من الآخر أن يفهمنا، بل نفترض أنه يفعل. نبني داخلنا صورة عن “الفهم المفترض”، ونتصرف على أساسها وكأنها حقيقة مشتركة، بينما هي في الواقع تجربة داخلية خاصة بنا وحدنا. وحين يصطدم هذا الافتراض بالواقع، لا نشعر فقط بسوء الفهم، بل بخيانة خفية، لأننا لم ندرك يوما أننا كنا ننتظر دون أن نُفصح.


وقد التقط الأدب هذه المعضلة بدقة؛ ففي العلاقة المتوترة بين ديميتري وغروشنكا في رواية الإخوة كارامازوف لـ فيودور دوستويفسكي، لا يحب ديميتري غروشنكا كما هي، بل كما يتخيلها في لحظات اندفاعه. يمنحها مكانة عاطفية تتجاوز حقيقتها، ويتوقع منها دون تصريح أن تكون على قدر هذا التصور. لكن غروشنكا، بوصفها شخصية معقدة ومتقلبة، لا تستجيب لهذا الخيال، فتظهر الفجوة بين ما يراه فيها وما هي عليه فعلا. هنا، لا تنشأ الأزمة من غياب الحب، بل من عدم تطابق الصورة الداخلية مع الواقع؛ إذ يتحول التوقع إلى عبء على العلاقة، لا إلى امتداد لها.


وعلى نحو قريب، يرى كارل روجرز أن الإنسان يميل إلى بناء صورة مثالية عن ذاته وعن الآخرين، ويبحث دون وعي عن تأكيدها في الواقع، فإذا لم يجدها، شعر بالرفض أو الخيانة، رغم أن الآخر لم يَعِد بها أصلا. هكذا، لا تصبح المشكلة في التوقع ذاته، بل في تحوله إلى يقين داخلي غير مُعلن، يُحاسَب عليه الآخر دون أن يُدرك.


لا يكمن الحل في خفض سقف التوقعات إلى الصفر كما يُشاع، لأن ذلك لا يُنتج علاقات صحية، بل علاقات باردة ومحسوبة. الإنسان لا يستطيع أن يمنح دون أن ينتظر، ولا أن يقترب دون أن يأمل. لكن ما يحتاجه فعلا هو أن يفهم طبيعة هذا التوقع؛ أن يدرك أنه احتمال، لا وعد، وأن تحققه ليس حقا مكتسبا، بل نتيجة لعوامل معقدة يكشفها الزمن وحده. فالعلاقات لا تُختبر في لحظة واحدة، بل في امتدادها؛ حيث تتكشف الوجوه، وتظهر حدود الفهم، وتتضح الفروق بين ما تمنيناه وما هو ممكن.


في النهاية، لا تكمن خطورة التوقعات في ارتفاعها، بل في صمتها. نحن لا نُخبر الآخر بما ننتظر، بل نعيش وكأن ما نشعر به واضح بما يكفي ليُفهم دون قول. وبين هذا الظن وذاك الصمت، تتشكل المسافة التي تبتلع كثيرا من العلاقات دون ضجيج. لذلك، لا يكون النضج في أن نكفّ عن التوقع، بل في أن نعيده إلى حجمه الإنساني: احتمالٌ قابل للتحقق… وقابل للخذلان.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button