عزلة رقمية تخنق كتامة بعد انسحاب مياه الفيضانات

تيلي ناظور : نوفل سنوسي
لم تكن فيضانات منطقة كتامة لتترك آثارها عند حدود الطرق و المسالك المقطوعة، إذ سرعان ما اكتشف السكان أن العزلة اتخذت وجهاً جديداً أكثر قسوة، يتمثل في انقطاع شبه تام لشبكات الاتصالات و الإنترنت، لتتحول المنطقة من حصار طبيعي مؤقت إلى حصار رقمي ممتد.
في زمن يتحدث فيه العالم عن الجيل الخامس و تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لا تزال الدواوير الجبلية في كتامة تعيش واقعاً اتصالياً بدائياً، حيث يبحث السكان عن إشارة هاتفية ضعيفة كما يبحث المنقبون عن الكنوز المفقودة، و تغدو المكالمة الهاتفية الناجحة حدثاً استثنائياً يستحق التوثيق، بينما يظل الاتصال بالإنترنت حلماً بعيد المنال.
اذ يُشكل هذا الوضع انتقالاً قسرياً من التهميش التنموي المتمثل في ضعف البنية التحتية الطرقية إلى تهميش رقمي أكثر عمقاً، إذ تُحرم المنطقة من أبسط مقومات الحياة العصرية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى جدية السياسات العمومية في تحقيق العدالة المجالية بين المناطق الحضرية و الجبلية النائية.

حيث تتزامن هذه الأزمة مع حاجة ملحة للمنطقة إلى خدمات رقمية تمكن السكان من التواصل مع الإدارات العمومية، و الوصول إلى الخدمات الصحية عن بُعد، و متابعة الدراسة لأبنائهم، غير أن انقطاع الاتصالات يحول دون ذلك و يفاقم من شعور السكان بالإقصاء و التهميش.
كما يُكشف انقطاع الاتصالات في كتامة عن فجوة عميقة بين السياسات العمومية حول التحول الرقمي و الواقع المعاش في المناطق الجبلية، فبينما تتسابق المدن الكبرى نحو تبني أحدث التقنيات، تجد نفسها محرومة من أبسط الخدمات الاتصالية، مما يعكس أولويات تنموية غير متوازنة تُركز على المراكز الحضرية على حساب الأطراف.
فمن المنطقي أن تُشكل البنية التحتية للاتصالات أولوية تنموية مساوية للطرق و الماء و الكهرباء، خاصة في المناطق الجبلية التي تُشكل العزلة الرقمية فيها عائقاً أمام أي تنمية حقيقية، إذ لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة في ظل غياب التواصل، و لا يمكن تحقيق عدالة مجالية في ظل تهميش رقمي يُعمق الفوارق بين الجهات.
بحيث يجب ان تتم معالجة هذه الأزمة تدخلاً عاجلاً من الجهات المسؤولة لتأهيل شبكات الاتصالات و ضمان تغطيتها للمناطق النائية، ليس كخدمة ترفيهية، بل كحق أساسي من حقوق المواطنة، و كشرط ضروري لأي تنمية حقيقية تُنصف المناطق الجبلية و تُعيد لها كرامتها.



