“نعيمة فنو” :الكلمة كنهر هرقليطس، تجري كمجرى نهر لا تجف منابعه.

حاورتها: الكاتبة والإعلامية سلمى القندوسي
اليوم، تفتح صفحات جريدة تيلي ناظور نافذة خاصة على تجربة أدبية و فنية مميزة، من خلال هذا الحوار مع الكاتبة و الشاعرة و الفنانة التشكيلية المغربية نعيمة فنو، التي استطاعت أن تصنع لنفسها مكانة بارزة داخل المشهد الثقافي المغربي و العربي.
بأسلوب يجمع بين عمق الفكرة و جمالية التعبير، قدمت نعيمة فنو أعمالاً لامست قضايا الإنسان و الهوية و الحرية، و نجحت في المزج بين الأدب و الفلسفة و الفن في تجربة إبداعية متفردة. كما تألقت بإصدارات لاقت صدى واسعاً، من بينها رواية “غوانتيندوف” المثيرة للنقاش، و“أجنحة من خشب” المتوجة بجائزة كتارا للرواية العربية.
في هذا الحوار، نقترب أكثر من عالم نعيمة فنو، و نحاول اكتشاف ملامح رحلتها الإبداعية، و رؤيتها للكتابة، و رسائلها الفكرية و الإنسانية التي تجعل من حضورها مصدر فخر للإبداع المغربي.
▪︎ بين الشعر، الرواية، والتشكيل… أيُّ هذه الفنون يُشبهكِ حين تكونين في أقصى حالات الصدق مع نفسكِ، ولماذا؟
《بين الشعر والرواية والتشكيل، أشبهها بالمفاتيح التي تفتح للمبدع عوالمه الممكنة وعوالم الإبداع الموازية. المفاتيح تختلف باختلاف العوالم، وليس هناك حد أو فاصل بينها. أوافق إدواردو غاليانو في طرحه حين قال: «لا أؤمن بالحدود التي تفصل بين الأجناس الأدبية». لذلك، لا أرى ضيرا في موسوعية المبدع حين يكتسب آليات تعبيرية متعددة، لأن هناك تداخلا حيا بين هذه الأجناس، ولا يمكن الفصل بينها فصلا تاما. وما دمت أرسم وأكتب الشعر والرواية، فإن كل فن منها يشبهني في حالة من حالاتي الداخلية.

ففي لحظة البوح تحديدا تستهويني إحداها أكثر من الأخرى، وأشعر برغبة في تفريغ تلك الطاقة، إما عبر اللغة والكلمات، أو عبر ملامسة الأصباغ والطين والأقلام، بوصفها مادة وتبادلا طاقيا. روايتي غوانتيندوف تنبش في عوالم السجن والتعذيب، وكان لزاما علي أن أهرب، بين حين وآخر، من هذه السوداوية نحو التشكيل والموسيقى، لأضمد جراح النفس وما علق في اللاوعي. فلا يمكن فصل ذواتنا عن المواضيع التي نكتبها، وحتى إن حاولنا، فإن اللاوعي كائن منتبه لا ينام، يسجل الصغيرة والكبيرة. وهذا التنقل بين عوالم الأجناس الأدبية والفنية أعتبره شكلا من أشكال التداوي بالفن.》
▪︎ في عملكِ “فلاسفة في ضيافة الشعر”، يبدو أنكِ لا تكتبين الأدب فقط بل تُحاورين الفكر… هل الكتابة لديكِ فعل إبداع أم محاولة لفهم الوجود؟
《بدأت ديواني الشعري فلاسفة في ضيافة الشعر بقولة لـمارتن هايدغر يقول فيها: «متى يكون الجواب عن السؤال: ما هي الفلسفة؟ جوابًا متفلسفًا؟ متى نتفلسف؟ يبدو أن هذا لن يتحقق إلا بدءًا من اللحظة التي نعقد فيها حوارًا مع الفلاسفة». لأن هذه القولة تختصر روح الديوان وفكرته الأساسية. فالفلسفة بالنسبة إليّ بناءً نظريا وسؤال دائم، ومحاولة مستمرة لفهم الوجود والإنسان.
كنت أؤمن أن الفلسفة تعلمنا كيف نطرح السؤال الوجودي، لكن حين تتلاحم مع الشعر فإنها تبلغ منطقة أكثر عمقًا وشفافية، منطقة يلتقي فيها العقل بالحدس، والفكر بالروح، وهي المنطقة الأقرب إلى التجربة الصوفية. لذلك كان هدفي خلق حوارات شعرية تجعل الفكر حيا ومتحركًا داخل فضاء جمالي وإنساني.
الديوان عبارة عن محاورات شعرية متخيلة بين فلاسفة ومفكرين ومتصوفة من أزمنة مختلفة، يلتقون داخل فضاءات غير متوقعة ومفارِقة، حيث يصبح الزمن مفتوحًا، وتتحول الفلسفة إلى تجربة شعرية. من بين هذه الحوارات، لقاء بين مارتن هايدغر وهيغل داخل متحف رينيه ماغريت، يناقشان لوحاته فلسفيًا وشعريًا، في محاولة للتأمل في الصورة والغياب والحقيقة. وهناك أيضًا حوارية بين ميشيل فوكو وسيغموند فرويد، حيث يحضر فوكو إلى عيادة فرويد للتنويم المغناطيسي، فتتقاطع أسئلة اللاوعي مع أسئلة السلطة والمعرفة والذاكرة.




كما يستحضر الديوان حوارًا روحيًا بين جلال الدين الرومي وشمس التبريزي، وحوارًا آخر بين ألبرت أينشتاين ورابندرانات طاغور وغيرهم من الفلاسفة حيث يلتقي العلم بالشعر، والعقل بالحدس، والنسبي بالمطلق.
إنها محاورات وجودية مفارِقة، حاولت من خلالها أن أجعل الشعر مساحة للتفكير، وأن أحرر الفلسفة من جفافها الأكاديمي، لتقترب أكثر من الإنسان، من قلقه، ومن أسئلته العميقة والوجودية.》
▪︎ فوزكِ بـ جائزة كتارا للرواية العربية عن “أجنحة من خشب”… هل أنصفكِ هذا التتويج أم وضعكِ تحت ضغط انتظار دائم من القارئ؟
《صحيح أن العمل الفائز يتحول إلى بصمة، وإلى صورة يراك الآخرون من خلالها، لكن ذلك لا ينبغي أن يدفع المبدع إلى التأثر أو إلى اتباع نمط معين فقط من أجل إرضاء لجان الجوائز أو تكرار النجاح نفسه. فحين يكتب الكاتب بعقلية الجائزة يفقد النص جزءا من حريته وعفويته، بينما الإبداع الحقيقي يولد من الصدق والمغامرة والقدرة على الذهاب نحو عوالم ممكنة مختلفة.
أؤمن أن الجائزة يمكن أن تمنح الكاتب الضوء والانتشار، لكنها لا يجب أن تتحول إلى قيد جمالي أو نفسي. فالمبدع الحقيقي هو الذي يظل وفيا لصوته الداخلي، لا نمطا أو صورة يريد الآخرون منه أن يكررها.》
▪︎ روايتكِ “غوانتيندوف” لم تكن مجرد عمل أدبي، بل تحولت إلى قضية… هل كنتِ مستعدة لدفع ثمن قول الحقيقة حين قررتِ الخوض في ملف حساس كأسرى تندوف؟
《كنت واعية منذ البداية أن الاقتراب من ملف أسرى تندوف يعني الاقتراب من جرح إنساني وسياسي شديد الحساسية. الكتابة هنا لمنح الصوت لمن سُلب منهم حق الحكي، ولإعادة الإنسان إلى قلب القضية بعيدا عن الشعارات والخطابات الجاهزة.
طبعا، كل كتابة صادقة لها ثمن، خصوصا حين تقترب من مناطق الصمت والخوف والمسكوت عنه. لكنني أؤمن أن دور الأدب يجب أن يفتح نافذة للتأمل والسؤال، وأن يحفظ الذاكرة من النسيان. كنت مدركة أن الرواية قد تثير الجدل، وربما تُساء قراءتها أحيانا، لكنني كنت مقتنعة أن الصمت أيضا موقف، وربما أكثر قسوة من الكلام.
رواية غوانتيندوف كانت مسؤولية إنسانية قبل أن تكون مغامرة سردية. كنت أدرك منذ اللحظة الأولى أن الاقتراب من ملف أسرى تندوف يعني الدخول إلى منطقة مثقلة بالألم والأسئلة والحساسيات، لكنني كنت مؤمنة أن الأدب يفقد جوهره حين يخاف من الحقيقة أو يكتفي بالوقوف عند السطح.. كنت أرى أن من حق هؤلاء أن تُروى حكاياتهم بوصفهم أبطالا عاشوا الألم والانتظار والخوف، وعادو من الجحيم بذاكرة أشد شراسة .
أكيد أن قول الحقيقة له كلفته، وأن الكتابة عن القضايا الحساسة تضع الكاتب أحيانا في مواجهة التأويلات والضغوط، لكنني كنت مقتنعة أن الكتابة الحقيقية لا تولد من المساحات المريحة واتارة قضية مغربية تعتبر مأساة واجب قبل ان يكون ابداعا.》
▪︎ عندما يُمنع كتاب من الإيداع القانوني، هل تشعرين أن الكاتبة فيكِ انتصرت لأنها هزّت السكون، أم انكسرت لأن صوتها وُوجه بالصمت الرسمي؟
《الكلمة كنهر هرقليطس، تجري كمجرى نهر لا تجف منابعه، ولا يمكن إيقاف تدفقه مهما أُقيمت في وجهه السدود. لذلك، حين مُنعت روايتي غوانتيندوف ، خضت نضالا قانونيا من أجل إسماع صوت من لا صوت لهم، رغم أن موضوع الرواية وطني بامتياز، أتحدث فيه عن بطولات مغربية تستحق فعلا أن يوثقها المثقفون الأحرار، كلٌّ من موقعه وتخصصه، لأنها جزء من ذاكرتنا الجماعية. أما المنع، فما زاد العمل إلا انتشارا، لأن النص الصادق يجد دائما طريقه إلى الناس.》
▪︎ كثيرًا ما تحضر “الهشاشة الإنسانية” في نصوصكِ… هل تكتبين من جراحكِ الخاصة أم من ذاكرة جماعية تحاولين إنصافها؟
《المبدع هو لسان من لا يستطيع البوح، وقلم من لا يستطيع الكتابة، وصوت من لا صوت له. وهذا، في نظري، هو الدور الحقيقي المنوط بالمبدع: أن يحمل همًّا إنسانيا، وأن ينشغل بالقضايا الكبرى، الكونية منها والوطنية أيضا. فالأدب يضيء المناطق المعتمة في الذاكرة الإنسانية، ويمنح المعنى لما تم تجاهله أو السكوت عنه.
هناك مآسٍ كثيرة تُدفع عمدا إلى الهامش، ويُراد لها أن تُنسى أو تُتجاوز، لكن النبش فيها لا يستقيم ولا يتأتى إلا للقلم، لأنه الأقدر على اختراق الصمت، وإعادة فتح الأسئلة المؤجلة. طبعا الكتابة مسؤولية أخلاقية وأحيانا جرح نازف.
▪︎ كيف توفّقين بين الحس الجمالي كفنانة تشكيلية والعمق الفلسفي ككاتبة؟ وأيهما يقود الآخر في لحظة الخلق؟
《الكتابة هي رسم بالكلمات والألوان والصوت والموسيقى واللغة تحتمل كل هذا وأكثر يرى مارتن هايدغر أن اللغة هي “بيت الكينونة”، أي أن الإنسان لا يسكن العالم إلا عبر اللغة. ومن هنا تصبح الكتابة فعلا وجوديا، لأنها تمنح الإنسان القدرة على تسمية الأشياء، واخراجها من العدم الى الوجود وفضاء للتأويل اللامتناهي ولا يمكن ان تكتب الشعر او الرواية او ترسم دون حمولة معرفية عميقة وقراءة مستمرة وذوق فني وموسيقي.. لا يمكنك الخوض في عوالم الرواية او الشعر دون هذا الضجج الداخلي والفوضى العارمة في دواخلك كما قال نيتشه : ينبغي أن تحمل في داخلك فوضى لكي تلد نجمة راقصة.》
▪︎ في زمن يُتهم فيه الأدب أحيانًا بالسطحية، هل ترين أن الكتابة الملتزمة بالقضايا الكبرى ما تزال قادرة على التأثير، أم أنها أصبحت مخاطرة غير مضمونة؟
《الكتابة موقف فكري وإنساني قبل أن تكون قيمة جمالية، وموضوع العمل هو الخطوة المؤسسة في الفعل الإبداعي، لأنه يضعنا أمام السؤال الجوهري: لماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟ والهدف من الكتابة؟
الكتابة القادرة على التأثير بحق هي التي يكون محورها الإنسان، لأنه جوهر الوجود ومحور الحكايات كلها؛ عن آلامه وأحلامه، عن الأمة ومساراتها، عن الحروب والسلم، عن الانكسارات والانتصارات، وعن ذلك القلق الوجودي الذي يرافق البشرية منذ البدء. فالمبدع الحقيقي لا يكتب من برج عاجي، بل ينصت لنبض العالم وتحولاته، ويحاول أن يمنح المعنى لما يبدو أحيانا عبثيا أو مسكوتا عنه.
قلم المبدع هو لسان حال الإنسانية، بفرحها وقرحها، بدموعها وأملها، بحروبها وسلمها. لذلك لا يمكن اختزال الكتابة في الزخرفة اللغوية وحدها، لأن الجمال الحقيقي في الأدب هو ذاك القادر على حمل الهم الإنساني وصياغته فنيا بعمق وصدق. فالكتابة التي تعيش هي تلك التي تنبع من سؤال حقيقي ومن إحساس عميق بالإنسان والعالم.》
▪︎ إلى أي حد يمكن للروائي أن يكون شاهدًا على الواقع دون أن يتحول إلى طرف فيه؟
《قبل كتابتي لرواية غوانتيندوف عن الأسرى المغاربة، والتي تندرج ضمن أدب الاعتقالات والسجون، كنت أؤمن بإمكانية فصل الذات عن الموضوع، وأن أكتب بقدر من الحياد. لكن اللاوعي الإنساني، هذا الكائن الذي لا يغفل عن الصغيرة والكبيرة، كان ينصت لشهادات الأسرى ويتفاعل معها في العمق. شعرت وكأنني أعيش داخل الحفر معهم؛ أرى العالم من زاوية العتمة ذاتها، وأتأمل النعمة بعين الرضى بعدما لامست، عبر الكتابة، معنى الحرمان الحقيقي.
حتى أثناء النوم، أصبت بنوبات هلع، أقفز من مكاني وكأن الحراس يركلونني لأخرج من الحفرة نحو الأعمال الشاقة. كانت التجربة تتجاوز فعل الكتابة إلى معايشة نفسية وروحية كاملة، لأن النص الصادق لا يُكتب من الخارج، بل يُعاش من الداخل.
لكن بمجرد انتهائي من الرواية، وبعد مرور أشهر معدودة، هدأت نفسي، وكأن الإفراج شملني أنا أيضا. أدركت حينها أن العمل الأدبي لا يمكن أن تصل حرارته إلى القارئ ما لم يمر أولا عبر روح الكاتب بكل هذا الصدق والألم. لا يمكن أن تكتب عن السجن وأنت خارج أسواره شعوريا، ولا عن الوجع وأنت بمنأى عن ارتجاجه الداخلي. فالكتابة الحقيقية عبور إنساني كامل داخل التجربة، وإلا فلن يصل إلى القارئ سوى الحبر، لا الأثر وروح العمل.》
▪︎ انطلاقًا من تجربتكِ الغنية في الكتابة، ما النصيحة التي تقدمينها للجيل الجديد من الكتّاب قبل أن يخطّوا أولى نصوصهم؟
《أولا، لكي نكتب، علينا أن نقرأ. أن نرسم، ونستمع إلى الموسيقى،ان ننمي ملكة الخيال والتأمل نزر أمكنة كثيرة، وننمي ذوقنا الجمالي والحسي. أن نتحدث مع أناس مختلفين، ذوي اهتمامات وهوايات وتجارب متعددة؛ أن نحاور البقال، والجدة، والعامل، والموسيقي، والاسكافي …لأن الحياة لتسكن تفاصيل البشر اليومية أيضا. وكما قال دوستويفسكي: «الإنسان سر، ويجب فك شيفرته».
الكاتب الحقيقي هو من ينصت لنبض العالم حوله، ويلتقط ما يمر أمام الآخرين عاديا وعابرا. ان يملك عينا ثالثة مفارقة لرؤية ما لا يرته الاخرون فالكتابة هي انغماسا عميقا فيها. ولهذا قال هنري ميلر: «إذا أردت أن تكون كاتبا، فعليك أن تعيش أولا». فكل تجربة نعيشها، وكل وجه نصادفه، وكل حكاية نسمعها، تضيف شيئا إلى وعينا الإنساني وإلى رصيدنا الإبداعي.
كما أن تنمية الحس الجمالي لا تقل أهمية عن تنمية الفكر؛ لأن الأدب لا يقوم فقط على الفكرة، بل أيضا على القدرة على التقاط الجمال وسط الفوضى، والدهشة وسط الاعتياد. وأجدني هنا أستحضر مقولة مارسيل بروست: «رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تكمن في البحث عن أراض جديدة، بل في امتلاك عيون جديدة».
لهذا أؤمن أن الكاتب لا يكتب بالحبر فقط، بل بكل ما عاشه ورآه وشعر به وأنصت إليه في هذا العالم، لأن النصوص العظيمة لا تُصنع من الخيال وحده، بل من حياة عميقة ومتصلة بالإنسان والكون.》
▪︎في ختام هذا الحوار، تؤكد الكاتبة و الشاعرة و الفنانة التشكيلية المغربية نعيمة فنو أن الإبداع الحقيقي أكبر من أن يكون مجرد كتابة أو فن، فهو مسؤولية إنسانية و رسالة تحمل همّ الإنسان و أسئلته العميقة. و بين الرواية و الشعر و التشكيل، تواصل رحلتها في البحث عن المعنى، و كشف المسكوت عنه، و منح الكلمة قدرة جديدة على مقاومة النسيان. تجربة إبداعية غنية تثبت أن الأدب حين يخرج من القلب يصل إلى الذاكرة و الوجدان معًا.



