عروض واعلانات
سياسة

سيليا الزياني : من صوت الحراك إلى منصة الحزب… هل بيعت المبادئ أم تطورت ؟

تيلي ناظور

أعلنت الفنانة سيليا الزياني انضمامها إلى الحزب المغربي الحر بقيادة إسحاق شارية، ما أثار عاصفة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، و أعاد إلى الواجهة نقاشاً حاداً حول حق النشطاء في تغيير مساراتهم السياسية، بل وعن معنى الالتزام بالمبادئ في ممارسة العمل النشاطي و السياسي.

اذ جاء هذا الإعلان بترحاب حزبي كبير من جانب شارية الذي وصفها بـ” المناضلة الحرة و الفنانة المبدعة و نموذج المرأة المدافعة عن قضايا الحرية و الكرامة “، غير أنَّ ردود الفعل لم تكن موحدة، إذ انقسمت الآراء بين مؤيد يرى في هذا الخطوة تطوراً طبيعياً و ناقد يعتبرها خيانة للمبادئ التي قامت عليها.

من ناحية ثانية، فإنَّ سليمة الزياني المعروفة بلقب سيليا ليست مجرد فنانة عادية، بل هي صاحبة مشروع سياسي واعي بدأ منذ نشأتها في حي أفزار بمدينة الحسيمة، حيث نشأت في بيئة موسيقية ملتزمة شجعتها على الدراسة و التميز.

حيث التحقت بجامعة محمد الأول بوجدة لتتخصص في الدراسات الأمازيغية، ما يعكس وعياً عميقاً بقضايا الهوية و الثقافة الأمازيغية.

و تحديداً في مجال الفن، اختارت سيليا تخصصها في غناء إزران وهي نوع من الأشعار النسائية التقليدية، لكن اختيارها لم يكن فقط فنياً بقدر ما كان سياسياً، إذ إنَّها عبرت عن وعيها بدور المرأة الريفية في المجتمع الريفي من خلال هذا الفن.

و عندما انطلق حراك الريف في عام 2016، لم تكن سيليا بعيدة عن الحدث، بل وقفت في الصفوف الأمامية كصوت امرأة تجرؤ على التعبير في فضاء عام تسيطر عليه الرجال تقليدياً.

و استخدمت منصة التواصل الاجتماعي لنقل يوميات الحراك مباشرة إلى آلاف المتابعين، وكانت حضورها الميداني خياراً مدروساً وليس عفوياً أو مصادفة.

و نتيجة لذلك، اعتقلت سيليا في يونيو 2017 و هي في سن الثلاثة و العشرين، قبل أن تغادر السجن بعد استفادتها من عفو ملكي في يوليوز من السنة نفسها، لكن ندوب هذه التجربة ظلت عميقة في نفسها و أثرت على مسارها السياسي لاحقاً.

لكن الحقيقة التي يجب الوقوف عندها هي أن سيليا لم تكن وحدها في هذا المسار الذي تختاره الآن، حيث سبق لعدة شخصيات من الساحة الفنية أن دخلت تجربة الانتخابات و العمل الحزبي في المغرب.

فقد مثلت الفنانة الأمازيغية فاطمة تابعمرانت الشعب في البرلمان عام 2011، و كذلك دخل الممثل ياسين أحجام التجربة البرلمانية بين عامي 2011 و 2016، بل إن انتخابات 2021 شهدت دخول ممثلتين آخريتين للبرلمان.

بما أنَّ هذا المسار ليس جديداً، فإنَّ تساؤلات حول أسبابه و توقيته وأثره تبقى موجودة بقوة.

و رغم أن إسحاق شارية دافع بقوة عن قرار سيليا معتبراً أن اختيارها حق أصيل لا يقبل المصادرة، إلا أنَّ الأصوات الناقدة لم تسكت، خاصة عندما تدخلت رسالة من خلف القضبان تحمل دلالات مختلفة تماماً.

فقد أرسل ناصر الزفزافي، قائد حراك الريف الذي لا يزال معتقلاً بسجن عكاشة برسالة استغرقت أكثر من ثماني سنوات من الاعتقال، رسالة تنتقد بشكل ضمني مسار الخروج من الحراك الشعبي المباشر نحو الأحزاب السياسية.

و الزفزافي الذي أدين بعشرين سنة سجناً على إثر قيادته للحراك، لا يزال يراقب من خلف القضبان تطورات ساحة الريف السياسية و الاجتماعية.

اذ وقف الزفزافي موقفاً معقداً من هذا التطور، إذ إنَّه لم ينتقد الانضمام الحزبي جملة وتفصيلاً، بل انتقد بالأحرى الشروط والالتزامات التي يجب أن تصاحب هذا الانضمام.

ففي رسالة أخرى موجهة من السجن أكد الزفزافي على أهمية الحفاظ على السلمية كمبدأ راسخ ساهم في استمرار الحراك، محذراً من الانجرار خلف مكائد من يريد بالشعب سوءاً.

و بهذا المعنى، فإنَّ الزفزافي يقول ضمناً إن الانتقال إلى الحزب قد يكون محبطاً لقضايا الحراك الأساسية.

غير أنَّ إسحاق شارية رد على هذه الانتقادات بحزم واضح، مؤكداً أن الأحزاب تظل هي الركيزة الأساسية لأي ممارسة ديمقراطية حقيقية، و أن هناك مناضلين و هيئات سياسية دفعت أثماناً باهظة من أجل الدفاع عن المطالب الاجتماعية و الحقوقية العادلة.

كما اعتبر شارية أن الديمقراطية تتسع للجميع، و أن سيليا الزياني تملك حق الاختيار السياسي كامل الحرية، بل إنَّه جدد دعوته المبدئية إلى إطلاق سراح كافة معتقلي حراك الريف كشرط لحوار سياسي حقيقي و مثمر.

و أكد شارية على وجوب أن يتم هذا الحوار الحقيقي و النقاش السياسي المثمر في فضاء من الحرية الكاملة و الاحترام المتبادل، و ليس من وراء القضبان.

إذاً، فإنَّ المسألة ليست بسيطة كما قد تبدو للوهلة الأولى، بل تختزن في طياتها أسئلة جوهرية عن طبيعة العمل النشاطي والسياسي وعلاقة الناشط بالمؤسسات.

فمن جهة، يحق لأي ناشط أن يختار مساره السياسي بحرية، و من جهة أخرى، فإنَّ هذا الاختيار لا يعني تلقائياً الحفاظ على صوت الحراك و التزاماته الأولى.

و قد شكل هذا التوتر بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية نقطة الالتقاء بين جميع الآراء والانتقادات.

و كما أنَّ الحالة الاقتصادية والاجتماعية للناشطين قد تدفعهم للبحث عن فرص جديدة، فإنَّ السياق السياسي العام في المغرب يشهد تحولاً نحو استقطاب الوجوه الشابة و النشطة من قبل الأحزاب السياسية، خاصة مع اقتراب الانتخابات.

و هنا تبرز مفارقة صادمة و هي أولئك الذين اختاروا طريق التكيف و الانتقال للعمل الحزبي يتمتعون بحرية الحركة و التأثير، بينما أولئك الذين اختاروا البقاء و الصمود على مبادئ الحراك الأصلية يجدون أنفسهم خلف القضبان.

عندما نضع هذه الصورة في سياقها الأوسع، يصبح من الواضح أن الانضمام الحزبي ليس مجرد قرار شخصي بسيط، بل هو بيان سياسي قوي يقول إن الطريق المؤسساتي و الدستوري هو الطريق الصحيح، و أن الحراك الشعبي المباشر قد انتهى، أو على الأقل أن دوره قد تناقص بشكل ملحوظ.

و هذا ما يقلق الزفزافي و غيره من الناشطين، حيث أنَّ اختيار الوجوه البارزة للمسار الحزبي قد يؤثر على الرسالة الأصلية للحراك.

لكن، يجب الاعتراف أن سيليا الزياني ليست وحدها في هذا الاختيار، و لا هي الأولى من بين الناشطين الذين يختارون هذا الطريق.

فقد أصبح هذا نمطاً معروفاً في المشهد السياسي المغربي، حيث الناشط يتطور ليصبح سياسياً، و الحراك يتحول إلى حزب، و الشارع يخلي الطريق أمام الحزب.

و في هذا السياق، يبقى السؤال الأساسي معلقاً : هل هذا التطور ضروري وحتمي، أم أنَّه انحراف عن الرسالة الأصلية ؟

و في النهاية، فإنَّ اختيار سيليا الزياني يعكس رؤية مختلفة عن رؤية ناصر الزفزافي، لكنهما يشتركان في شيء واحد و هو الالتزام، سواء بالمسار الحزبي أو بالحراك الشعبي.

و يبقى على المغرب والمغاربة أن ينتظروا لنرى أي من الطريقين سيحقق الأحلام الحقيقية، و أي من الخيارات كان الأصح.

لأنَّ التاريخ وحده هو من سيحكم على هذه الاختيارات بعدالة و حكمة، و سيكشف الحقيقة الكاملة عن نوايا و حسابات من اختاروا هذا الطريق أو ذاك.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button