مهرجان الكتاب الإفريقي بمراكش يناقش الممكن في الأدب بوصفه أفقاً لإعادة تشكيل العالم

تيلي ناظور
شهدت مدينة مراكش نقاشاً فكرياً معمقاً حول مفهوم “الممكن” وتجلياته في الأدب، وذلك خلال ندوة علمية احتضنها مهرجان الكتاب الإفريقي في دورته الرابعة، حيث انصبّ الاهتمام على دور السرديات في إعادة إنتاج الواقع وتوسيع حدود التخيل الإنساني.
ونتيجة لذلك، برزت فكرة الأدب باعتباره أداة تحويل رمزي قادرة على فتح عوالم بديلة تتجاوز المعطى القائم، بينما تزايد التركيز على أهمية المخيال في إنتاج المعنى وصياغة المستقبل.
وبما أن اللقاء جاء تحت شعار “ممكن آخر أمر ممكن”، فقد سعى المتدخلون إلى تفكيك علاقة الإنسان بالقدرة على تصور عوالم مغايرة، إذ أكد أستاذ الأدب مصطفى فهمي أن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على بناء ممكنات جديدة عبر اللغة والتخيي.
، ومن ثمّ فإن إعادة التفكير في الواقع تمر عبر إعادة تشكيل أدوات التعبير نفسها، لا سيما في ظل التحولات غير المسبوقة التي يعرفها العالم المعاصر. كما أنّ هذا الطرح يعكس حاجة ملحة إلى لغة جديدة قادرة على استيعاب التعقيد الحالي.
وفي السياق ذاته، شددت الكاتبة يانيك لاهينس على أن كل ممكن يحمل في داخله تناقضاته وحدوده، غير أن الأدب يظل المجال الأكثر قدرة على تحويل هذه التناقضات إلى دينامية خلاقة، فبما أن الكتابة تمنح الإحساس العميق بالعالم، فإنها تتيح أيضاً إعادة تخيله بصرياً وجمالياً، وبالتالي إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان وواقعه. ونتيجة لذلك، يصبح الأدب فضاءً لإنتاج وعي جديد بالعالم.
ثم إن الفيلسوف علي بن مخلوف قدم قراءة فلسفية للمفهوم، موضحاً أن الممكن لا يُعطى بشكل جاهز، بل يُنتزع من قلب المستحيل، لأن التفكير في عوالم مغايرة يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الواقع وإمكاناته الكامنة، غير أن هذا الممكن ليس نقطة وصول نهائية، بل أفق مفتوح يتشكل تدريجياً أثناء المسار الفكري والإنساني، ومن ثمّ فهو حركة مستمرة أكثر منه نتيجة ثابتة.
كما دعا الكاتب والمسرحي إدريس كسيكس إلى تجاوز التصورات التقليدية للحداثة نحو رؤية متعددة للحداثات، إذ إن الممكن في هذا السياق يتحول إلى تجسيد لما هو افتراضي و كامن، لكنه يصبح واقعاً ملموساً عبر الفعل الجماعي والتفكير الحر، وبما أن الإبداع لا ينفصل عن التحول الاجتماعي، فإن الأدب يظل أداة مركزية في تحويل الإمكان إلى واقع.
أخيراً، خلصت الندوة إلى أن مفهوم الممكن في الأدب لم يعد مجرد فكرة نظرية، بل أصبح إطاراً لفهم التحولات الثقافية والاجتماعية، حيث يساهم المخيال الأدبي في زحزحة المسلمات وفتح آفاق جديدة للتفكير، ومن ثمّ فإن الأدب يواصل لعب دوره كمساحة لإعادة بناء العالم عبر اللغة والسرد والتخييل الجماعي.



