الروائي عبد الصمد أفخار : الإنسان هو المسؤول الأول عن القيود التي تكبل وعيه.

حاورته: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي
تيلي ناظور تفتح نافذة على تجربة شابة واعدة، حيث يبرز اسم عبد الصمد أفخار كأحد الأصوات الأدبية الصاعدة التي اختارت أن تشق طريقها بثقة رغم قلة الإمكانيات. في سن العشرين فقط، لم ينتظر فرص النشر التقليدية، بل راهن على نفسه من خلال الطبع الذاتي، مؤمنًا بأن البدايات الحقيقية تُصنع بالإرادة قبل أي شيء آخر.
من إقليم طاطا (دوار إمي نتاتلت)، و من بين جبال الجنوب الشرقي، حيث الهدوء و بساطة العيش و غياب الفضاءات الثقافية، بدأت ملامح هذا الشغف تتشكل، لتتحول القراءة من مجرد اهتمام عابر إلى وعي متنامٍ بقيمة الكلمة وتأثيرها. هذا الوعي تُوّج بإصدار روايته همسات الماضي، التي تحمل في عمقها نظرة نقدية لواقع اجتماعي عاشه عن قرب.
في هذا الحوار، تقترب تيلي ناظور من عبد الصمد الإنسان قبل الكاتب، لنغوص في تفاصيل رحلة بدأت من الهامش، و تسعى لأن تصل إلى صميم الذاكرة الأدبية.
▪︎ بداية حين تكون بعيدًا عن كل الأدوار… من يكون عبد الصمد في حقيقته؟
“ببساطة، شخص يحاول أن ينافس نفسه كل يوم، يسعى لأن تكون نسخة اليوم أفضل من تلك التي كان عليها البارحة، و تلك التي سيكون عليها غدا أفضل من هذه التي هو عليها اليوم. شخص بسيط، محاط بأشخاص يحاول أن يكون عونا لهم بقدر ما استطاع، و شاب طموح يسعى ليكون فخورا بنفسه و راضيا عنها.”


▪︎ ما أول سؤال كبير طرحته على نفسك ولم تجد له جوابًا إلى اليوم؟
“من الذي وضع هذه الاختلافات التي تقيم الناس طبقا لمعايير غبية كالشكل و الأصل و اللغة ؟”
▪︎ كيف ساهمت نشأتك في بيئة بسيطة بإقليم طاطا في تشكيل وعيك… هل كانت قيدًا أم دافعًا؟
“أؤمن أن الانسان هو المسؤول الأول عن القيود التي تكبل وعيه. البيئة البسيطة التي نشأت فيها كانت محركا للوعي و ليس العكس، لأنني كنت أرى الكثير من الأشياء البسيطة على أنها مقدسات، المحيط كان دافعا لي لأتجرأ على ترجمة مبادئي، لكنه كان قيدا لأشخاص لا يسائلون الأشياء، يكتفون بالإيمان بكل ما تراه عيونهم.”
▪︎ هل شعرت يومًا أن بداخلك شيئًا لا يشبه محيطك… و كيف تعاملت مع هذا الإحساس؟
“بكل تأكيد، الكثير من الأشياء. كنت كثير الصمت، ليس لأنني أحبه، بل لأنني وجدت الإفصاح عن ما أؤمن به تضييعا للوقت ما دامت العقول التي أحاورها نائمة في سبات بعض المبادئ و الأفكار المليئة بالجهل. لكنني تعاملت مع هذا الأمر بالصمت حين كان الصمت مناسبا، و أتعامل معه الآن بالإفصاح لأنني خلصت إلى أن الاحتفاظ بمبادئ نؤمن بها و عدم مناقشتها ما هو إلا تخوف من أن تكون هذه المبادئ غير صحيحة.”
▪︎ متى أدركت أن القراءة لم تعد مجرد عادة… بل بداية تغيير داخلي؟
“منذ أول كتاب قرأته خارج نطاق الدراسة. أدركت أن في القراءة متعة تتجاوز الواجب المنزلي و التمارين التي نتعرض للعقوبة عند تجاهلها، أدركت أن القراءة عالم قائم بحد ذاته، عالم يترجم الواقع الذي نعيش فيه على شكل صفحات، و ارتأيت أن من يكتفي بعالم واقعي دون الغوص في البعد النظري ( وذلك بغرض فهم العالم الواقعي بذاته وتوسيع دائرة إدراكه ) يبقى جاهلا بأمور كثيرة.”
▪︎ هل كان انتقالك إلى وسط أكثر انفتاحًا نقطة تحول… أم مجرد تسريع لشيء كان سينمو على أي حال؟
“أظنه مجرد تسريع و تنمية لتجارب أخرى ساهمت في إعطائي هذه القدرة على استغلال الرواية لغرض طرح الأسئلة، لأن استكشاف أماكن
جديدة و ثقافات مختلفة يعطينا نظرة أكثر شمولة من تلك التي نمتلكها و نحن أبناء محيط واحد منغلق.”
▪︎ متى تحوّل القارئ فيك إلى كاتب… وما الذي دفعك لعبور هذه المسافة؟
” للإجابة عن هذا السؤال، لا بد لنا من الوقوف عند تعريف الكاتب، لا أرى الكاتب شخصا نجح في نشر عمل أدبي بالضرورة، أنا أرى أن الكاتب ببساطة شخص يستطيع محاورة أفكاره و يملك القدرة على ترجمتها دون عوائق دلالية أو لغوية. إجابة على السؤال، فإن للشغف و الرغبة في الكتابة دورا أساسيا في تحويل القارئ الذي يكتفي بالاستهلاك و الفهم إلى كاتب يتجاوز هاتين المرحلتين إلى مرحلة الانتقاد و الانتاج. كما أن تشجيع الأشخاص المحاطين بي كان له دور أساسي في الاستمرار، لأن كل كاتب يمر من مرحلة شك يحتاج فيها إلى من يؤمن به و يدفعه ليستمر .”
▪︎ هل تكتب لتفهم نفسك أكثر… أم لتفهم العالم من حولك؟
“لا يمكن اختيار أحد الاختيارين مكان الآخر، لأن الأمر يتعلق بنوع النص، هناك نصوص أكتبها لأعرف نفسي لا لأخبر الآخرين، و هناك نصوص تتم كتابتها بغرض الرغبة في إعطاء الآخرين نظرة مختلفة عن تلك التي يملكونها حول موضوع معين، أو ربما ترجمة ما يشعرون به إلى كلمات يستطيعون إيجاد نبذة عن أنسفهم عند قراءتها.”
▪︎ في همسات الماضي، هل كنت تعيد سرد ما حدث… أم تحاول إعادة تفسيره؟
“هي مزيج بين الحنين إلى الماضي، و هنا يأتي دور السرد و الوصف، و الرغبة في إعادة تفسيره، و استخدامه كأداة من شأنها أن تعطي نظرة عامة عن الماهية التي يجب أن يكون عليها المستقبل، هي ببساطة رواية تحاول أن تضع القارئ في موقف يجعله يرى بعض العادات و التقاليد على حقيقتها، دون إحاطتها بعباءة القدسية التي تجعل الوهم حقيقة أحيانا.”
▪︎ إلى أي حد يمكن للكاتب أن يكون صريحًا مع واقعه دون أن يصطدم به؟
” لا أظن أن هناك سبيلا يجعلنا نكون صريحين مع واقع لم نصطدم به، و هنا لا أقصد بالاصطدام عيش التجربة بالضرورة، لكن الإلمام بتفاصيلها و محاولة الحصول على رأي شخصي حول تجربة معينة هو اصطدام بها بحد ذاته.”
▪︎ كيف تعرّف النجاح اليوم: هل هو اعتراف الآخرين… أم شعور داخلي بالوصول؟
“هما شيئان لا يمكن الاستغناء عن أحدهما بسهولة، لأننا في النهاية نسعى إلى النجاح لنرضي أنفسنا، و لنسمع الإقرار بذلك من الآخرين أيضا، فنحن لا نبلغ وظيفة الأحلام مثلا ما لم تكن هناك هيئة تؤكد لنا حصولنا على الوظيفة، و لا تكتمل فرحة نشر كتاب إلا بعد رؤية الرضا على ملامح القراء، لا أعمم طبعا لأننا في النهاية لا نستطيع إرضاء الجميع، لكننا نحتاج دائما إلى اعتراف من الآخرين سواء كانوا قلة أو كثرة.”
▪︎ عندما يطوي القارئ آخر صفحة لك… ما الفكرة أو الشعور الذي تتمنى أن يبقى معه؟
“سيسعدني أن يقول القارئ بعد الانتهاء : لقد وجدت جزءا يتحدث عني في هذه الرواية، أو أن يقول أنه استفاد منها شيئا يطور به من نفسه، سواء كان على مستوى الأسلوب أو على مستوى الأفكار و المبادئ.”
▪︎في ختام هذا الحوار، يثبت عبد الصمد أفخار أن البدايات لا تُقاس بالعمر و لا بالإمكانيات، بل بالشغف و الجرأة. و من خلال همسات الماضي، يخط أولى ملامح مسارٍ يسعى لأن يترك أثرًا صادقًا في وجدان القارئ.



