الإقتصاد العالمي بين كفتي الصراع و السلاح

تيلي ناظور : نوفل سنوسي
اندلعت الحرب الثلاثية بين إيران من جهة، و الولايات المتحدة و إسرائيل من جهة أخرى، في أواخر فبراير 2026، مما أثار مخاوف عالمية حول استقرار الاقتصاد العالمي.
فـمع تصعيد الهجمات المتبادلة، أدى الصراع إلى اضطرابات فورية في أسواق الطاقة و التجارة، نظراً لأهمية منطقة الشرق الأوسط كمركز رئيسي لإنتاج النفط.
و نتيجة لذلك، ارتفعت أسعار النفط بنسبة تصل إلى 10% في الأيام الأولى، بينما شهدت الأسواق المالية تقلبات حادة تصل إلى انخفاض بنسبة 5% في بعض المؤشرات الرئيسية.
كما أن هذا الصراع يأتي في سياق اقتصاد عالمي يتعافى من صدمات سابقة مثل جائحة كورونا و حرب روسيا-أوكرانيا، مما يعزز من مخاطر الركود التضخمي ( stagflation ) .

غير أن المدة الزمنية للحرب ستكون العامل الحاسم، إذ إن استمرارها لأسابيع قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية هائلة تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، بينما قد يحد من التأثيرات إذا انتهت سريعاً.
و في هذا السياق، يرى الخبير جوزيف لابتون، الاقتصادي في بنك جي بي مورغان، أن الحرب العسكرية، المضافة إلى حرب التجارة الأمريكية، قد تعيد إشعال مخاوف الاستقرار العالمي، مما يهدد الانتعاش الاقتصادي الناشئ.
أولاً، يُعد النفط أبرز المتضررين من هذه الحرب، حيث يسيطر إيران على مضيق هرمز الذي يمر من خلاله نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، أي حوالي 21 مليون برميل يومياً.
فـمع إغلاق المضيق فعلياً بسبب الهجمات على السفن و الموانئ، ارتفع سعر برميل برنت إلى حوالي 79 دولاراً، مسجلاً زيادة بنسبة 8-9% في يوم واحد فقط، و قد يتجاوز 100 دولار إذا استمر الإغلاق لأكثر من شهر.
ثم، إذا امتد الصراع إلى دول مجاورة مثل السعودية وقطر، التي تعرضت لضربات إيرانية، قد يرتفع السعر بنسبة إضافية تصل إلى 15 دولاراً للبرميل.
كذلك، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 50% في أوروبا، بسبب توقف إنتاج قطر في موقعين رئيسيين، مما يهدد بقطع إمدادات الغاز المسال بنسبة 30% عالمياً.
بالإضافة إلى ذلك، يؤثر ذلك على الدول المستوردة مثل الصين و الهند و أوروبا، حيث تعتمد الصين على 17% من وارداتها النفطية من المنطقة، مما قد يؤدي إلى نقص في الإمدادات و ارتفاع التكاليف الصناعية بنسبة تصل إلى 20%.
على الرغم من ذلك، قد يخفف الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي، الذي يحتوي على 700 مليون برميل، من الصدمة مؤقتاً، لكن استمرار الاضطرابات سيفاقم الضغوط العالمية.

و في تحليل للأمر، يقول لاندون ديرنتز، الخبير في مجلس الأطلسي، إن الزيادة في أسعار النفط ستكون بنسبة 5-15% فقط في البداية، و ستبقى أقل من متوسط الأسعار خلال حرب العراق، مع التركيز على منع إيران من امتلاك قدرات نووية.
ثانياً، أدى الصراع إلى تعطيل كبير في سلاسل التوريد العالمية، خاصة مع إغلاق الموانئ الرئيسية في الخليج مثل جبل علي في دبي، وتعليق عمليات الشحن البحري عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى انخفاض حركة الشحن بنسبة 50%.
فـارتفعت تكاليف التأمين و الشحن بنسبة تصل إلى 175% منذ نوفمبر الماضي، مما يؤثر على نقل السلع غير النفطية أيضاً، بما في ذلك الغذاء و الأدوية.
كما أن تعليق الرحلات الجوية في مطارات رئيسية مثل دبي وأبوظبي و الدوحة أدى إلى إلغاء آلاف الرحلات، مما يعيق حركة البضائع الجوية التي تشكل 18% من الشحن العالمي، و يؤدي إلى خسائر يومية تصل إلى مليارات الدولارات.
بالمقابل، قد يؤدي ذلك إلى نقص في الغذاء و السلع الأساسية في دول الخليج، حيث يقدر خبراء أن انخفاض حركة الشحن سيؤدي إلى نقص في الفواكه و الألبان خلال 20 يوماً فقط، مع ارتفاع أسعارها بنسبة 30-50%.
و من ثم، يتوقع الخبراء ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية عالمياً، مما يضغط على الاقتصادات الناشئة مثل غانا و نيجيريا، حيث أثار الصراع أسئلة حول تأثيره على الاقتصادات الأفريقية المعتمدة على الواردات النفطية.
و في تصريح له، يؤكد نيل شيرينغ، كبير الاقتصاديين في كابيتال إيكونوميكس، أن مدة الصدمة مهمة بقدر شدتها إذا تراجعت الأسعار خلال أشهر، فإن التأثير على التضخم في الأسواق المتقدمة سيكون متواضعاً و قصير الأمد.
أخيراً، شهدت الأسواق المالية تقلبات حادة، حيث انخفض مؤشر إس أند بي 500 بنسبة 3-5% مؤقتاً قبل أن يتعافى جزئياً، بينما ارتفع سعر الذهب كملاذ آمن بنسبة 5% ليصل إلى 2500 دولار للأونصة.
فـفي الولايات المتحدة، يهدد الصراع بانتكاسة للنمو الاقتصادي، خاصة مع ارتفاع أسعار البنزين الذي يؤثر على الاستهلاك والانتخابات المقبلة، حيث قد ينخفض النمو بنسبة 0.5-1% إذا استمر الصراع لأسابيع.
كذلك، يزيد من مخاطر الركود في أوروبا و الآسيا، حيث تعاني هذه المناطق من اعتمادها على الطاقة الشرق أوسطية، مع توقعات بانكماش اقتصادي يصل إلى 0.8% في حال ارتفاع النفط إلى 90-100 دولار.
بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي الصراع إلى تأجيل خفض معدلات الفائدة من قبل البنوك المركزية، إذا أثار تضخماً جديداً يصل إلى 0.8% إضافية.
لكن، إذا انحصر الصراع، قد يؤدي إلى استقرار إقليمي طويل الأمد، مما يعزز الاستثمارات في إسرائيل و المنطقة بنسبة تصل إلى 10-15% في الاستثمارات الأجنبية.

رغم ذلك، يحذر الخبراء من سيناريو أسوأ يؤدي إلى ركود عالمي، خاصة إذا امتد الصراع إلى روسيا أو الصين.
وفي هذا الصدد، تقول جانيت يلين، الرئيسة السابقة للفيدرالي، إن “الحرب تخاطر بتضخم أعلى ونمو أبطأ، مما يجعل الفيدرالي أكثر تردداً في خفض الفوائد”.
بالمقابل، يُعد التضخم أحد أبرز المخاطر، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، مما يرفع أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة تصل إلى 1-2% عالمياً.
فـ في سيناريو استمرار الإغلاق لشهر، قد يرتفع سعر النفط بـ15 دولاراً إضافياً، مما يعيد شبح التضخم الذي خف في 2025، مع زيادة التضخم في الأسواق المتقدمة بنسبة 0.8%.
ثم، قد يؤدي ذلك إلى ركود تضخمي، حيث يتباطأ النمو مع ارتفاع الأسعار، خاصة في أوروبا و الولايات المتحدة، مع توقعات بانخفاض النمو العالمي بنسبة 0.5-1%.
كما أن الدول النامية ستتأثر أكثر، مع ارتفاع تكاليف الاستيراد و انخفاض الاستثمارات الأجنبية بنسبة 20-30%.
و نتيجة لذلك، يتوقع البعض انكماشاً اقتصادياً إذا طال أمد الصراع، بينما يرى آخرون فرصة لتنويع مصادر الطاقة لتقليل الاعتماد على الشرق الأوسط.
و في تحليل من أكسفورد إيكونوميكس، يؤكد الخبراء أن إيران لا تستطيع الفوز، لكن تعطيل تدفقات النفط في الخليج قد يسبب أضراراً اقتصادية كبيرة و تقلبات سوقية، مع توقع أن لا تستمر الحرب أكثر من شهرين.
في الختام، تمثل الحرب الثلاثية صدمة اقتصادية كبيرة، مع تأثيرات فورية على أسعار الطاقة و سلاسل التوريد، و مخاطر طويلة الأمد مثل التضخم و الركود، حيث قد تصل الخسائر العالمية إلى 1-2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إذا استمرت لأشهر.
لأن المدة الزمنية هي المفتاح، فإن سرعة الإنهاء قد تحد من الخسائر، بينما الاستمرار سيؤدي إلى تبعات عالمية أوسع.
كذلك، يبرز الصراع حاجة العالم إلى تنويع مصادر الطاقة والتجارة لمواجهة مثل هذه الاضطرابات.
على الرغم من التحديات، قد يؤدي الاستقرار الإقليمي المحتمل إلى نمو أفضل في المستقبل، لكن ذلك يعتمد على الحلول الدبلوماسية السريعة.
و في تصريح يلخص الوضع، يقول ديريك أوليري، الاقتصادي في غودبودي، إن الاقتصاد العالمي لعام 2026 الآن على حافة الهاوية، معتمداً على حرب غير متوقعة في الشرق الأوسط.



