عروض واعلانات
مجتمع

أوروبا تغلي: موجة حر تاريخية تعيد رسم خريطة المناخ في القارة العجوز

تيلي ناظور : نوفل سنوسي

شهدت العاصمة الفرنسية باريس ارتفاعاً قياسياً في درجات الحرارة بلغ 40.9 درجة مئوية في يونيو الجاري، بينما سجلت بعض مناطق إسبانيا 44 درجة، والنمسا 40 درجة، مع توقعات بوصول درجات الحرارة في سلوفاكيا إلى 41 درجة.

ما يجعل هذه الأرقام مقلقة حقاً هو توقيتها المبكر في أواخر مايو ومنتصف يونيو، إذ كانت مثل هذه الدرجات القياسية تُسجل تاريخياً في ذروة الصيف ( يوليو وأغسطس ).

ووفقاً للبيانات الرسمية، أدت هذه الموجة الحرارية إلى تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة زائدة في أوروبا منذ 21 يونيو، بينما تأثر أكثر من 150 مليون شخص بتأثيراتها المباشرة، في حصيلة مرشحة للارتفاع مع استمرار الموجة.

يُرجع خبراء الأرصاد الجوية استمرار هذه الموجة الحرارية إلى نمط جوي يُعرف بـحاجز أوميجا ( Omega Block )، الذي يشبه في شكله الحرف اليوناني Ω، حيث تتشكل جبهة هوائية حارة في الوسط محاطة بنظامين منخفضي الضغط من الجانبين، مما يحبس الكتلة الهوائية الساخنة ويمنعها من التحرك.

وتوضح بيانات منظمة العمل المناخي أن هذا النمط الجوي أدى إلى احتجاز كتلة هوائية ساخنة وجافة قادمة من الصحراء الكبرى عبر شمال أفريقيا، مما رفع درجات الحرارة إلى ما يعادل 18 درجة مئوية فوق المعدلات الموسمية الطبيعية.

لا تُعد موجة الحر الحالية حدثاً عابراً، بل هي جزء من اتجاه مناخي أوسع. فبحسب خدمة كوبرنيكوس للتغير المناخي والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تُعتبر أوروبا القارة الأسرع احتراراً في العالم، حيث ارتفعت درجات حرارتها بمعدل ضعف المتوسط العالمي منذ الثمانينيات، أي ما يعادل درجتين مئويتين خلال الخمسين عاماً الماضية.

وتؤكد دراسة علمية دقيقة أجرتها منظمة وورلد ويذر أتربيوشن أن موجة الحر الحالية كانت ستكون مستحيلة عملياً لولا التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية، وتشير الدراسة إلى أن احتمالية مثل هذه الحرارة النهارية كانت أقل بعشر مرات في عام 2003، بينما كانت احتمالية درجات الحرارة الليلية أقل بمئة مرة.

تقول فريدريكي أوتو، أستاذة المناخ في إمبريال كوليدج لندن والمشاركة في الدراسة العلمية: نعم، هذا هو تغير المناخ. نعم، نحن السبب. لا، ليس ظاهرة النينيو. نعم، لدينا الحلول. لا، نحن لا ننفذها بالسرعة الكافية.

من جانبه، يؤكد جون كينيدي، رئيس معلومات المناخ في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية: موجات الحر مثل هذه هي ما نتوقع رؤيته في مناخ متغير. إنها القارة الأسرع احتراراً، وقد ازدادت درجات الحرارة القصوى أيضاً.

أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فقد حذر خلال أسبوع لندن المناخي في 23 يونيو قائلاً: لقد مررنا للتو بأحد عشر من أحر السنوات المسجلة على الإطلاق. الكوارث المناخية أصبحت أكثر تكراراً وأكثر دماراً. إن النينيو لا يطرق الباب فحسب، بل يخاطر بهدم المنزل.

لا تقتصر تداعيات موجة الحر على الصحة العامة فحسب، بل تمتد لتشمل القطاع الزراعي والموارد المائية بشكل كارثي. ففي فرنسا، تضررت حقول القمح والذرة بشكل كبير، مع تقديرات أولية تشير إلى انخفاض المحصول بنسبة تتراوح بين 15-25% في المناطق الأكثر تضرراً.

وفي إسبانيا، تعرضت بساتين الزيتون والكروم لإجهاد حراري شديد، مما اضطر الحكومة الإسبانية لإعلان تعويضات للمزارعين، خاصة في منطقتي الأندلس وقشتالة لا مانشا.

وتشير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن الجفاف المصاحب للموجة الحرارية أدى إلى نقص في الأعلاف، مما اضطر المزارعين في إيطاليا وفرنسا إلى ذبح ماشيتهم مبكراً.

Map of Western Europe on 23 June 2026 showing widespread high land surface temperatures in red, indicating a heatwave affecting France and neighboring regions.

أما الموارد المائية، فتشهد الأنهار الأوروبية الرئيسية، بما في ذلك نهر الراين والرون والدانوب، انخفاضاً حاداً في مناسيب المياه. وفي فرنسا، انخفض منسوب نهر اللوار إلى مستويات قياسية، مما هدد إمدادات مياه الشرب لملايين السكان.

وأعلنت عدة دول أوروبية عن قيود صارمة على استخدام المياه، شملت حظر ري الحدائق وغسل السيارات وملء المسابح.

تتفاقم معاناة المدن الكبرى بفعل ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية، حيث تحتفظ الأسطح الخرسانية والأسفلتية والزجاجية بالحرارة ليلاً، مما يبقي درجات الحرارة مرتفعة حتى في ساعات الليل المتأخرة.

ففي براتيسلافا، لم تنخفض درجة الحرارة ليلاً عن 26.3 درجة مئوية، وهو ما يُعرف بـالليالي المدارية، بينما ظلت درجات الحرارة في باريس ومدن أوروبية أخرى فوق 20 درجة مئوية لأكثر من أسبوع، مما حرم السكان من الراحة الليلية الضرورية للتعافي من الإجهاد الحراري.

يُجمع الخبراء على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة للتخفيف من تأثير الجزر الحرارية الحضرية، وتشمل الحلول المقترحة زيادة المساحات الخضراء في المدن، حيث تشير الدراسات إلى أن زيادة الغطاء النباتي بنسبة 10% يمكن أن تخفض درجات الحرارة بمقدار 1-2 درجة مئوية.

وتتبنى مدن مثل باريس وبرشلونة استراتيجيات طموحة تشمل تحويل الأسطح إلى حدائق خضراء، وزراعة الجدران الخارجية للمباني، وإنشاء حدائق جديدة، وزراعة ملايين الأشجار في الشوارع والساحات العامة.

كما يتم استخدام مواد بناء عاكسة للإشعاع الشمسي في الأرصفة والأسطح، حيث تستخدم مدن مثل أثينا طلاءً أبيض عاكساً يخفض درجات الحرارة الداخلية بمقدار 3-5 درجات.

لم تسلم البنية التحتية الأوروبية من تداعيات الموجة الحرارية. فأغلقت فرنسا مفاعلين نوويين في محطتي نوجان سور سين وبوجي لتجنب تصريف مياه ساخنة في الأنهار.

وفي ألمانيا، تسببت الحرارة في تشقق سطح طريق سريع في شرق البلاد، ما أدى إلى إتلاف 30 مركبة وإصابة شخصين.

كما ألغت شركة السكك الحديدية البلجيكية بعض قطارات ساعات الذروة، وأُغلقت مئات المدارس في فرنسا، وأُلغيت أو أُرجئت العديد من الفعاليات الثقافية والرياضية.

تعد الصفقة الخضراء الأوروبية ( European Green Deal )، التي أُطلقت في 2019، الإطار الشامل لمواجهة التغير المناخي، وتهدف إلى تحقيق الحياد الكربوني بحلول 2050 وخفض الانبعاثات بنسبة 55% بحلول 2030، كما أقر الاتحاد الأوروبي قانون المناخ في 2021، الذي يجعل أهداف الحياد الكربوني ملزمة قانونياً.

ورغم هذه الجهود الطموحة، تواجه السياسات المناخية الأوروبية انتقادات تتعلق بالبطء في التنفيذ والفجوة بين الطموح والواقع.

وتشير فريدريكي أوتو إلى أن لدينا الحلول، لكننا لا ننفذها بالسرعة الكافية، بينما تتفاوت قدرة الدول الأعضاء على التكيف، حيث تواجه دول جنوب أوروبا تحديات أكبر من نظيراتها في الشمال.

عند مقارنة موجة الحر الحالية بالموجات السابقة، يتضح أن موجة 2026 جاءت أبكر وأكثر شمولية جغرافياً.

ففي عام 2003، كانت الموجة في أغسطس وسجلت نحو 70 ألف وفاة، وفي عام 2022 كانت في يونيو ويوليو وسجلت نحو 61 ألف وفاة، أما في 2026 فسُجلت أكثر من 1300 وفاة أولية في أقل من أسبوع، مع توقعات بارتفاع الحصيلة.

وتحذر المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن الموجات الحرارية المتطرفة ستزداد تكراراً وشدة ومدة، وأن أوروبا ستبقى في خط المواجهة باعتبارها القارة الأسرع احتراراً.
وتشير الدراسات إلى أنه عند 1.4 درجة مئوية من الاحترار العالمي (المستوى الحالي)، فإن الحرارة المتطرفة تقترب بالفعل من حدود قدرة المجتمعات على التكيف.

إن ما تعيشه أوروبا في صيف 2026 ليس مجرد موجة حر عابرة، بل هو نموذج لمناخ جديد يتشكل أمام أعيننا ويتطلب هذا الواقع الجديد إعادة نظر جذرية في كيفية تخطيط المدن، وحماية الفئات الضعيفة، وإدارة الموارد المائية، والزراعة، والطاقة.

وكما تقول البروفيسورة هانا كلوك من جامعة ريدنغ: بعض ما نعيشه هذا الصيف محسوب سلفاً بسبب الانبعاثات التي أُطلقت قبل عقود. لكن المستقبل لا يزال قابلاً للتشكيل، شريطة أن تتحرك الحكومات والمجتمعات بالسرعة والحزم اللتين تتطلبهما هذه الأزمة الوجودية. فالوقت ليس في صالحنا، والطبيعة لم تعد تتسامح مع التجاهل.

إن ما يجري في أوروبا في صيف 2026 ليس مجرد صيف حار، بل هو مناخ جديد يتشكل أمام أعيننا، يتطلب إعادة النظر الجذرية في كيفية تخطيط المدن وحماية الفئات الضعيفة والتعامل مع الطبيعة التي لم تعد تتسامح مع تجاهل الإنسان لحدودها.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button