ميناء الناظور غرب المتوسط : رهان جيواستراتيجي و اختبار لحكامة الفاعلين الترابيين

الدكتور المصطفى قريشي
في قلب التحولات الجيو-اقتصادية التي تعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية، يبرز المغرب كفاعل استراتيجي يسعى إلى تعزيز موقعه كجسر بين إفريقيا وأوروبا، وبين الشرق والغرب.
وفي هذا السياق، تأتي الرؤية الملكية لتجسيد طموح المملكة من خلال مشاريع مهيكلة عملاقة، ليس أقلها شأناً المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط، هذا المشروع، لا يمثل مجرد بنية تحتية لوجستية، بل يحمل في طياته رهانات تنموية عميقة لمنطقة الشرق التي ظلت لعقود على هامش الدينامية الاقتصادية الوطنية.
هل سيتمكن ميناء الناظور غرب المتوسط من أن يصبح قاطرة حقيقية للتنمية المندمجة والشاملة لإقليمي الناظور والدريوش والجهة الشرقية ككل، أم أن أثره سيظل محصورا في نطاق ساحلي ضيق وبأهداف مركزية، ليتحول إلى مجرد “جزيرة” اقتصادية في محيط يعاني من تحديات بنيوية؟ وكيف يمكن تجاوز المعضلات الإدارية والتدبيرية التي قد تعيق تحقيق الأهداف المسطرة، وما هو دور النخب المحلية والجهوية والمركزية في ضمان توزيع عادل لثمار هذا الاستثمار الضخم؟
الخلفية الاستراتيجية: رؤية ملكية لمغرب متوازن
لم يأت مشروع الناظور غرب المتوسط من فراغ، بل هو حلقة في سلسلة استراتيجية متكاملة تهدف إلى بناء منظومة مينائية وطنية متكاملة وقادرة على المنافسة عالميا.
فبعد النجاح الباهر لميناء طنجة المتوسط، الذي قفز بالمغرب من المرتبة 78 إلى 17 عالميا في مؤشر الربط البحري، جاءت الرؤية الملكية لتستكمل هذا الصرح بتأسيس “مثلث مينائي” استراتيجي يضم طنجة المتوسط في الشمال الغربي، والداخلة الأطلسي في الجنوب، والناظور غرب المتوسط في الشمال الشرقي.

هذا التوزيع الجغرافي ليس اعتباطيا، بل يعكس فلسفة عميقة ترفض “مغرب السرعتين” و تؤسس لعدالة مجالية حقيقية. ففي خطاباته، ما فتئ الملك محمد السادس يؤكد على ضرورة أن “تصل ثمار التقدم والتنمية إلى جميع المواطنين، في كل المناطق والجهات، دون تمييز أو إقصاء.
من هنا، يكتسب ميناء الناظور غرب المتوسط بعدا رمزيا قويا، فهو ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو رسالة أمل لمنطقة الشرق، ووعد بتصحيح مسار تنموي ظل لسنوات يركز على محور طنجة-الدار البيضاء.
الأرقام المرتبطة بالمشروع تعكس ضخامة الطموحات المعقودة عليه :
استثمارات إجمالية51 مليار درهم، منها 20 مليار درهم استثمارات خاصة مؤكدة، بنية تحتية ضخمة 5.4 كيلومتر من حواجز الأمواج، 4 كيلومترات من الأرصفة، ومحطات للطاقة، طاقة استيعابية هائلة 3 ملايين حاوية قابلة للتوسعة إلى 5 ملايين، 25 مليون طن من المحروقات، و7 ملايين طن من الفحم، محطة غازية رائدة.
من المقرر أن يبدأ التشغيل الفعلي للميناء في الربع الأخير من عام 2026، وهو ما يضع جميع الفاعلين أمام مسؤولية تاريخية لتسريع وتيرة المواكبة على كافة المستويات.
تتجاوز هذه الحركية لغة الأرقام لتستهدف العنصر البشري بشكل مباشر؛ إذ أعطى الملك محمد السادس، خلال الاجتماع نفسه، توجيهاته لتنفيذ برامج تكوينية متخصصة تواكب احتياجات المستثمرين وتيّسر اندماج الشباب، مما يحول الميناء من مركز عبور إلى “خزان للفرص ينهي حقبة الركود المهني في المنطقة.
الرهانات التنموية: بين الأمل في الإقلاع والتخوف من الإقصاء
لا يمكن اختزال أهمية ميناء الناظور غرب المتوسط في أبعاده الاقتصادية والتقنية فقط، بل إن رهاناته التنموية تمس جوهر التحديات التي تواجهها الجهة الشرقية.
تمثل الرهان الأكبر في تحويل المنطقة من فضاء يعاني من الهشاشة الاقتصادية والاعتماد على التهريب المعيشي والاقتصاد غير المهيكل، إلى قطب صناعي ولوجستي مندمج.
ومع ذلك، يظل التساؤل مشروعا حول مدى قدرة هذا المشروع على تحقيق تنمية شاملة، هل ستستفيد كل أقاليم الجهة بنفس القدر الذي ستستفيد به المناطق الساحلية القريبة من الميناء؟ أم أننا سنشهد تكرارا لسيناريوهات تنموية سابقة خلقت فوارق مجالية عميقة؟ إن الإجابة على هذا السؤال ترتبط بمدى نجاح السياسات المواكبة في خلق ترابط حقيقي بين الميناء ومحيطه الجغرافي والبشري، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرابطة طرق، سكك حديدية، وتأهيل المناطق الصناعية الداخلية، و توجيه الاستثمارات نحو القطاعات التي يمكن أن تخلق قيمة مضافة محلية.
الإشكالية الإدارية: هل آن أوان “التحرير التنموي” للناظور؟
تعتبر الإشكالية الإدارية من أعقد التحديات التي تواجه المشروع.
فبقاء إقليم الناظور مرتهنا بالقرار الإداري المركزي في عاصمة الجهة، وجدة، يطرح تساؤلات جدية حول فعالية الحكامة التنموية، لقد أظهرت التجارب السابقة أن المركزية الإدارية قد تؤدي إلى توجيه الاستثمارات بشكل غير متوازن، مما يحرم أقاليم أخرى من فرصتها في التنمية، وفي هذا السياق، تتعالى أصوات تطالب بضرورة نقل صلاحيات تدبير التنمية الاقتصادية والصناعية إلى مستوى إقليم الناظور، لضمان مواكبة فعالة وسريعة لدينامية الميناء.
إن هذا المطلب لا يعني قطيعة مع المركز الجهوي، بل هو دعوة إلى تطبيق مبادئ الجهوية المتقدمة بشكلها الحقيقي، الذي يقوم على التفريع وتوزيع الصلاحيات بما يخدم الفعالية والنجاعة، إن الفشل في تدبير هذه الإشكالية قد يحول الميناء إلى “عملاق بأقدام من طين”، حيث تتعثر المشاريع الاستثمارية في متاهات البيروقراطية، وتضيع فرص ثمينة بسبب بطء اتخاذ القرار.
التدابير العاجلة: سباق مع الزمن
إن نجاح ميناء الناظور غرب المتوسط ليس قدرا محتوما، بل هو نتيجة لعمل دؤوب وتخطيط استباقي.
ولتحقيق ذلك، لا بد من اتخاذ حزمة من التدابير العاجلة على كافة المستويات :
إداريا وتدبيريا: إحداث وكالة خاصة بتنمية المنطقة المحيطة بالميناء، بصلاحيات واسعة وقريبة من موقع الميناء وقدرة على اتخاذ القرار، لتكون بمثابة “شباك وحيد” للمستثمرين، وتضمن التنسيق بين مختلف المتدخلين.
على مستوى التعمير والتخطيط: مراجعة شاملة لوثائق التعمير، وإطلاق برامج تأهيل حضري للمدن المحيطة الناظور، العروي، بني انصار… وتوفير وعاء عقاري صناعي بأسعار تنافسية.
على مستوى البنيات التحتية: تسريع وتيرة إنجاز الطريق السيار جرسيف-الناظور، وكهربة وتثنية الخط السككي، وتطوير شبكة الاتصالات والإنترنت عالي الصبيب.
على مستوى الموارد البشرية: إطلاق برامج تكوين متخصصة، بتنسيق مع المستثمرين، لتلبية حاجيات سوق الشغل المستقبلية، كما شددت على ذلك التعليمات الملكية.
يمثل ميناء الناظور غرب المتوسط فرصة تاريخية لإعادة كتابة مستقبل الجهة الشرقية. إنه ليس مجرد مشروع للبنيات التحتية، بل هو تجسيد لرؤية ملكية طموحة تهدف إلى بناء مغرب متوازن ومندمج.
إن نجاح هذا المشروع رهين بقدرة جميع الفاعلين، على تجاوز منطق المصالح الضيقة والارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهم.



