المناطق المنكوبة بين شمولية التوجيه الملكي ومحدودية التنزيل الحكومي: قراءة قانونية ومجالية

تيلي ناظور :فؤاد عابدالله
تعد الكوارث الطبيعية اختبارا حقيقيا لنجاعة المنظومة التدبيرية للدولة. وفي سياق التساقطات المطرية الغزيرة والاستثنائية الأخيرة، برز نقاش حول معايير التصنيف المجالي للمناطق المنكوبة، خاصة بعد استثناء أقاليم مثل الحسيمة وشفشاون من البرنامج المخصص له 3 مليارات درهم.
وتجسد التعليمات الملكية السامية القاضية بوضع برنامج “واسع النطاق” لدعم المتضررين من الاضطرابات الجوية الأخيرة، أسمى تجليات الرعاية المولوية التي تضع كرامة المواطن فوق كل اعتبار. فمن منظور دستوري، تعكس هذه التوجيهات الدور الريادي لجلالة الملك بوصفه رئيس الدولة ورمز وحدة الأمة وحامي حقوق المواطنين وفق الفصل 42، حيث جاءت بصيغة “الشمولية والعموم” لتشمل “الساكنة المتضررة” كفئة مستحقة للدعم، دون أن ترتبط برقعة جغرافية محددة أو حدود إدارية جامدة.
ويحمل هذا التوجه الملكي السامي دلالات قانونية عميقة تنتصر لمعيار “الضرر الواقعي” و”الاستحقاق الاجتماعي”، وهو ما ينسجم مع فلسفة المادة 3 من القانون 110.14 التي تعرف الكارثة بآثارها المدمرة لا بموقعها الجغرافي.
وبالعودة المقاربة الحكومية في اعتماد التقسيم الإداري المتمثل في الإقليم بدلا من المجال الجغرافي للمتضررين. فالإقليم في المغرب، وخاصة في الشمال والغرب، يتميز بظاهرة ترامي الأطراف، مما يجعل من الصعب تقنيا تعميم صفة “المنكوبية” على إقليم بأكمله أو نفيه عنه، فحصر الدعم في أقاليم بعينها يوحي ضمنا بتضرر كل جماعاتها، وهو أمر غير دقيق ميدانيا. وفي المقابل، فإن استبعاد أقاليم كالحسيمة وشفشاون بناء على حالة الإقليم ككل يعد مجانبا للواقع، إذ تضم هذه الأقاليم جماعات ودواوير شهدت دمارا في المحاصيل وانهيارات سكنية تتجاوز في حدتها المناطق المصنفة رسميا.
وبموجب القانون رقم 110.14 المتعلق بإحداث نظام لعواقب الوقائع الكارثية، تلزم المادة 3 الحكومة بالدقة في تحديد “الواقعة الكارثية” باعتبارها كل حادث ناجم عن قوة غير عادية لعامل طبيعي تشكل آثاره “خطورة شديدة بالنسبة للعموم”. إن ربط الكارثة بـ “الأثر المدمر” و”الخطورة” يعني أنه إذا ثبتت هذه الآثار في جماعة تابعة لشفشاون أو الحسيمة، فإنها تكتسي قانونيا صبغة “الواقعة الكارثية” بغض النظر عن وضعية باقي الإقليم.
وبالتالي فالمعيار التقني السليم كان يقتضي تفعيل مفهوم “المناطق المنكوبة” بناء على “بؤر الضرر” التي تحددها التقارير الميدانية، وليس الحدود الإدارية للأقليم. فالقانون 110.14 يدعم مقاربة “جغرافيا الضرر” بدلا من “جغرافيا الإقليم”، حيث تؤكد المواد 3 و6 و28 مجتمعة أن الغرض هو حماية الإنسان وتأمين سكنه. وتظل المادة 6 تمنح رئيس الحكومة صلاحية تحديد المناطق لا الأقاليم المنكوبة، مما يجعل توسيع اللائحة بقرار إداري تعديلي إجراء ضروريا ينسجم وروح التوجيهات الملكية السامية



