عروض واعلانات
حوارات مكتوبة

الكاتبة “زلفى أشهبون”: التنمية، وحدتنا منطلقها ومتنهاها.

حاورتها: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي

“تيلي ناظور” تُرحب بالكاتبة و الشاعرة “زلفى أشهبون” من مدينة الناظور، في حوار مكتوب، نستفيد فيه من خبرتها في شتى المجالات، حيث راكمت مسارًا متعدّد الوجوه يجمع بين الكتابة الأدبية، والعمل المدني، والحضور الثقافي والإعلامي…، انطلقت في الكتابة من الصحافة المحلية والمنابر الرقمية، قبل أن ترسّخ اسمها في جنس القصة القصيرة جدًا والشعر، حيث اتسمت نصوصها بنَفَسٍ إنسانيّ، ولغة مكثّفة، وانشغال بأسئلة المرأة والهوية والهامش والذاكرة.
تُوّج حضورها الأدبي بإصدارين فرديين شكّلا محطتين بارزتين في تجربتها:

المجموعة القصصية “جداريات” (2016): عمل سردي مكثّف ينتمي إلى القصة القصيرة جدًا، اشتغلت فيه الكاتبة على تفاصيل اليوميّ والهشاشة الإنسانية، بلغة مقتصدة وإيحاءات مفتوحة على التأويل.

الديوان الشعري “همس الفصول الأخيرة” (2022): ديوان يتكئ على حساسية شعرية وجدانية، تستحضر فيه الكاتبة ثيمات الفقد، والخذلان، والمقاومة الهادئة للألم، بلغة شفيفة وصور شعرية حميمية.

إلى جانب إصداراتها الفردية، شاركت زلفى أشهبون في أضمومات قصصية وشعرية جماعية، وحضرت في عدد من الكتب النقدية والتوثيقية التي أرّخت لتجارب مبدعات من شمال المغرب، كما شاركت في مهرجانات وملتقيات أدبية داخل المغرب، وقدّمت قراءات نقدية وأوراقًا فكرية حول الإبداع النسائي، والعلاقة بين الثقافة والسياسة، والكتابة في العصر الرقمي.
تحضر الكاتبة أيضًا في المشهد الثقافي كمنشّطة ومؤطِّرة لورشات أدبية، ومبادِرة إلى مشاريع قراءة ودعم للمكتبات، إضافة إلى حضورها الإعلامي عبر حوارات وبرامج تلفزيونية وإذاعية تناولت تجربتها الإبداعية ومسارها الثقافي.
وتُمثّل تجربتها نموذجًا للكاتبة المنخرطة في قضايا مدينتها ومحيطها، حيث يتقاطع الإبداع لديها مع الفعل الثقافي والمدني، ليشكّلا معًا “جداريات” شخصية من الورق والواقع…، و كان الحوار معها كالتالي:

▪︎أستاذة زلفى…، أنتِ ابنة الدريوش والناظور، جذران في الريف، وعشتِ بين مدينتين مختلفتين… كيف شكل هذا التنقل هويتك وقيمك؟

“أنا ابنة بلدتين من إقليم الدريوش، بن طيب و تفرسيت من والداي، وُلدت في ريف بني وليشك التابع لجماعة مهاجر ببن طيب، عشت فيها الثلاثة أو الأربعة أشهر الأولى في عمري ثم انتقل والداي الى الناظور بحثا عن حياة دراسية مستقرة لأبنائهما.
اقتصر الرّيف في ذاكرتي على صور تفرسيت المتحضر، لم يكن يشبه الأرياف إلاّ بوجود بيت الجدّين الذي كان يجمعنا فناؤه الواسع.. بيت كبير وسط البلدة، قرب مدرسة مكتملة الفصول، مسجد عريق، محلات تجارية، سوق، محطة وقود ومقهى.. و نساء شامخات الحضور والبهاء في الحياة العامة لريف متمدّن.. فيما ارتبط ريف بني وليشك عندي بحكايات وزيارات لأرض وبيت الأجداد الخالي.
الانسان ابن بيئته، وبيئتي ثابتة لم يغيرها انتقال الوالدين ولا تنقلي بين دول سياحية، لأنني تلقيت تربية سليمة، تحكمها الأصول والأخلاق والمبادئ. الأصل أنني ابنة الوطن مغربية ملكية حرّة، الأخلاق أنهلها من مرجعيتنا الاسلامية، المبادئ فأشد عليها وفقا لما يمليه الواجب والضمير والمنطق.”

▪︎اطلعت على سيرتك في مجموعة من الاصدارات، وبين التحصيل العلمي في مجال تدبير المقاولات ومسيرة مهنية غنية في قطاع النقل وانخراطك في  العمل السياسي، من تكون زلفى أشهبون اليوم؟ وكيف تختلف عن الشابة التي تركت ثانوية الفيض؟

“زلفى التي كُنتُها تختلف كثيرا عن زلفى المخاطبة الآن، اليوم صرتُ أنضج بسنوات. في طفولتي وبين المقربين مني عُرفتُ بالدّلال الكثير، فتعلمت عبر مراحل كيف أُغيّبه خارج المنزل، حيث أكون الجادة حسب ما تفرضه المحطة…، في الدراسة والعمل والسياسية آمنت دائما أن لا مجال للتهاون والتخلف والكسل، مجالات يجب أن تكوني فيها أو لا تكوني، لا محيد اليوم عن الاجتهاد والمثابرة والعطاء، هي مسؤولية.”

▪︎ ما المحطات الأكثر تأثيرًا في حياتك، والتي شعرتِ أنها غيرت مسارك للأبد؟

“شكّل انخراطي في العمل السياسي محطة حاسمة في حياتي، لم يغير مساري لكنه أثقل خطواتي إذ لم أعد أمشي لنفسي فقط بل لتاريخ أسعى لأن يُروى مجدا وجدا ونجاحا، لم أعد فاعلة مدنية تنشط في مجال واحد او اثنين، إنما العمل السياسي أكبر وأهم لمن يؤمن بصنع التغيير داخل المجتمع. صحيح أنني لم أوتى الفرصة الكاملة بعد، لكنني لا أتأخر ولا أدّخر جهدا لخدمة حيّي ومدينتي ووطني. هذا ما كلّفتُ به نفسي وما عاهدت به الله أن أكون صالحة مخلصة للوطن.”

▪︎كونك امرأة نشأت في الريف، كيف واجهتِ صعوبات المجتمع؟…، و هل كانت فرصة لتثبتي حضورك أم تحديات تثقل كاهلك؟

“هل تصدقين أنني لم أواجه صعوبات بمعناها التام، بل كنت دائما محط احترام وتقدير من جلّ مكونات المجتمع الناظوري خاصة، ظهوري الميداني الأول قُوبل بالترحيب، استضافتني منصات ومؤسسات ومنابر إعلامية محلية، لا أكلّ من شكرها وذكرها كلما سؤلتُ عن بداياتي: ناظور24، ناظورسيتي، أريفينو.. هذه كانت نوافذي الأولى نحو القراء والمهتمين بالشأن المحلي والثقافي خاصّة، ثم المؤسسات…، يكفي أن تنطلقي بدعم أسري قوي لتصلي إلى المجتمع بقوة السّهم نفسه. دعم الأسرة مهم جدا، ولا شيء يضعف المرأة إلا غيابه…، صحيح أنني اختلفت مع البعض، وخضت معارك مع آخرين، لكنها تبقى محطات لم تأخذ مني جهدا كبيرا لعبورها.. كانت أشبه بعلامة “قف” تكشف ما بعد ملتقى الطرق، “ثقة الكثيرين” لا تثقل الكاهل لكنها تشعرني بأن الطريق طويل.. طويل.”

▪︎ما أصعب لحظة واجهتكِ كإمرأة تريد أن تؤثر في مجتمعها؟ وكيف تغلبتِ عليها؟

“العمل، الأخلاق، المبادئ.. بعد عون وتوفيق الله ودعم الأسرة، لا سلاح للمرأة ولا درع لها أمام الصعاب غيرهم.”

▪︎ما الدّور الذي يجب أن تلعبه المرأة المغربية اليوم ليكون حضورها حقيقيًا وليس شكليًا؟

“المرأة حاضرة بقوة في الحياة العامة، هي حاضرة كأم وأخت وزوجة وابنة، كمدرسة ومربية أجيال، كطبيبة وممرضة، كفلاحة وصانعة تقليدية…، حضورها لم يكن يوما شكليا، لأنها لم تتأخر أبدا عن أداء دورها…، صحيح أننا نفتخر بنماذج النساء المغربيات اللواتي تقلّدن أدوارا مؤسساتية هامة، وأثبتن نجاحهن في كل القطاعات، إلاّ أن مغرب اليوم لا يزال يراهن على كل نسائه ورجاله للانخراط في مشروع التنمية الشاملة، ومشروع المغرب الكبير يكتمل بتمكين نسائه اجتماعيا، قانونيا، اقتصاديا وسياسيا، تمكينا جادا.”

▪︎كيف تقيمين واقع المرأة في السياسة والمجتمع مقارنةً بما كنتِ تتخيلينه في بداياتك؟

“واقع يؤسف له، حقيقة.. إذ لايزال حضور المرأة سياسيا مجرد كوتا مُهينة لما أثبتته المرأة المغربية من تفوق ونجاح علميا وعمليا في مختلف المجالات المهنية ومنها تلك التي ارتبطت دائما بالرجل. وكفاءة النساء سياسيا تُحجب بالحضور المسيطر للرجل.. لم أتخيّله واقعا ورديا أبدا، لكنه أكثر من الرّمادي، هو كالمعركة أطرافها غير متكافئة أبدا.”

▪︎ الناظور والريف لهما تحديات كبيرة… من وجهة نظرك، ما أهم جرح تنموي يجب إصلاحه أولًا؟

“وحدة الصف أهم شرخ وجب الوقوف جديا عنده، نواقصنا واحدة، موقع الألم والوجع نفسه،   ماعدا صرختنا لم ننجح حتى اليوم في توحيد حروفها. لا كفعاليات مدنية، أو سياسية، أو أساتذة وأطر وكفاءات.. لم يحدث أن اجتمعنا على ملف واحد وترافعنا عنه بصيغة “نحن”، حتى في بعض المحاولات، وهي قليلة، انبثقت من الوسط أصوات “فردية” شوشت عن “الجماعة”.. فخفت صوت الصرخة الأولى وكبر الشرخ أكثر فأكثر.
التنمية، وحدتنا منطلقها ومتنهاها.”
 
▪︎شاركتِ في المطالبة بإنشاء مركز لعلاج السرطان… كيف يشعر الإنسان الريفي أمام نقص الخدمات الصحية؟

“صحيح، شاركت في وقفات احتجاجية في الساحة العمومية بالناظور، وقّعتُ في عريضة ضمّت المئات من المطالبين بانشاء مركز اقليمي لعلاج السرطان، للأسف مر عقد من الزمن لم يكشف عن مصير العريضة بعد.. نظمت الى جانب مكتب جمعية رابطة الكتاب الشباب بالريف ندوة حول صدمة كشف السرطان وأمل علاجه، هي مسيرة قاسية جدا شاركنا فيها الجرَّاح الأول على مستوى جهة الشرق الدكتور تيجاني الحرودي، المدير الاقليمي لقطاع الصحة أنذاك وممثل مركز الشفاء بوجدة حيث يتم استقبال المرضى. ثم نظمتُ قبل سنة زيارة تآزر لمرضى السرطان في المركز الانكلوجي باسم منظمة النساء الاتحاديات بجهة الشرق، استقبلنا مدير المركز وتقاسم معنا نواقص المركز، دونّاها ورفعناها صرخة وتوصية نحو الاعلام والبرلمان…، الشعور بالنقص يجب أن لا يُقابل بالسّكون داخل أي وطني غيور على هذه الارض المباركة التي نسميها عشقا “المغرب”، وكلنا معنيون بتوحيد سرعة تنمية القطاعات الأساسية والصحة أولها.. كلنا مسؤولون أمام بعضنا البعض أمام الصناديق، أمام الوطن وأمام الله.”

▪︎لو أتيحت لك السلطة الكاملة لتغيير شيء واحد في الناظور أو الريف، ماذا سيكون؟

“لن يكون تغييرا، وإن تمنيت أن يكون فرضا، هي أمنية تتعلق بانخراط الكفاءات والأطر وأساتذة العلوم السياسية والقانونية والاقتصادية خاصة في العمل السياسي والتسييري، الناظور بحاجة ماسة لهذه النخبة، الوطن بحاجتهم أكثر، عودتهم والتحقاق الشباب منهم صار ضروريا من أجل مغرب اليوم الذي نراهن على تنميته الشاملة ليصطف دائما مع الدول المتقدمة والعظمى.”

▪︎ برأيك، ما الذي يحتاجه الريف أكثر: الاستثمار، القرار السياسي، أم الإرادة المجتمعية؟

“ترتيبا لما أسلفتُ ذكره هنا. الريف جزء من الوطن، والحاجة  تتوقف على الإرادة المجتمعية والجماعية المتحدة من أجل التغيير والاصلاح هي القادرة بالاساس على تقديم نخبة سياسية ذات رؤية إصلاحية جادة متمكنة من ميكانيزمات التغيير الاقتصادي المتوقفة في الناظور والريف عامة على جودة الاستثمار.”

▪︎دخلتِ السياسة للدفاع عن المصلحة العامة، وانتقلتِ بين أحزاب… ما أهم درس تعلمته من العمل السياسي؟

“سؤال مهم جدا، تشكرين عليه، لأنه سؤال لا يُطرح علينا عادة، بل نُدان به..
هما حزبان فقط، وانتقال واحد لا أكثر.. فبعد تجربتي الجمعوية في المجال الثقافي الأدبي، صُدّت أبواب كثيرة في وجه هذا القطاع، فهمت أن لخدمة الصالح العام طريق آخر، طريق القرار الذي هو الانخراط في العمل السياسي. حينها التحقت بحزب التجمع الوطني للاحرار بالناظور، اخترته لوجود أصدقائي به ولإيماني بالعمل الجماعي، تسلمتُ مهمة منسقة منظمة المرأة بجماعة الناظور، أطّرت لقاءات رسمية وأخرى نسائية، شاركت في محطات حزبية مهمة شجعتني بعد سنوات لخوض غمار تجربة الانتخابات الحاسمة من أجل مدينتي، وإعلاءً لشعاري النّزاهة والمصداقية، انسحبت، مع حفظ الود والاحترام، رفضا لتزكية منتخب معمّر بدون نتائج إيجابية…، دون تفكير طويل، ومن أجل مشروع التغيير، دعمتُ المرشح  باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الناظور، عُرف بالوعي والنزاهة والاخلاق التي عبر عنها في دورات مجلس سابق، كنت سأدعمه حتى لو لم يدعوني للترشح الى جانبه. عرض علي الترتيب الثالث في لائحة النساء لم أرفض ولم أساوم لقناعتي بأولوية مصلحة المدينة. نال مسؤولية تسيير شؤون المدينة ونلتُ مسؤولية الكتابة الجهوية لمنظمة النساء الاتحاديات بجهة الشرق بالتصويت في مؤتمر وطني سنة 2022، وقبله نائبة الكاتب الجهوي للحزب بجهة الشرق. وبقيتُ وفية للمصلحة العامة من داخل حزب عريق، نظمتُ لقاءات هي الأولى في الناظور باسم المنظمة الاتحادية…، القرار الأهم بالنسبة لي، في السياسة بالذات وضع مصلحة مدينتي ووطني قبل كل شيء، هي بالنسبة لي عهد سأظل وفية له، ومن أجله لا أعتبر انتقالي من حزب إلى حزب عيب وشتيمة كما يُسوّق له خاصة في مرحلة الانتخابات التي تشهد حركات “انتقالية”…، فللناظور خصوصيته، لأننا كشباب انشغلنا بالتعليم في مدن أخرى، وعدنا باحثين بين أحضان مدينتنا عن فرص عمل قد نجدها وقد يلجأ بعضنا لمهن وحرف بعيدة عن شواهده، منهم من لجأ للتهريب المعيشي أو للبحر كحل يحسبه أسرع لتعويض ما فات من عمره.. شباب لم يجد لأغلبية الأحزاب اسم، لم يجد شبيبتها ولا هيئاتها الموازية، لم يجد لبعضها مقرّات إقليمية ولقاءات وأنشطة منفتحة على العامة،.. وأمام تراجع التأطير والتكوين السياسي داخل الاقليم، ظهر شباب اجتهد من تلقاء نفسه وبإمكانياته المادية والمعنوية البسيطة، تطوع وانخرط في العمل السياسي خدمة لمدينته محافظا على مبادئه لا بائعا ولا مساوما، هؤلاء (وأنا منهم) وجب تشجيعهم ودعمهم وتوجيههم واحتوائهم.. هذا هو الأصح في نظري، لأن العمل السياسي الشريف مسؤولية لا يَحمل ثقلها إلا من عرف قدر نفسه وقدّر قيمة الوطن بداخله.”

▪︎ هل السياسة تُنصف النساء؟ وهل شعرتِ بأن صوتك مسموع فعلاً أم محدود؟

“للأمانة، لا يزال حضور المرأة سياسيا ناقصا، ولا تزال الدعوة لانصافها على المستوى الوطني مستمرة.. صوتها حتى الأن محدود وللأسف.” 

▪︎ ما أكبر تحدٍ واجهته عند محاولة تحقيق تغيير ملموس في مدينتك؟

“هي تجربة ثقافية، حاولت على مستويات عالية الترافع عنها وشدّ اهتمام وزير الثقافة إليها، لكن ترافعي قوبل من بعض بني جلدتي بالتشويش الذي انشغلنا به فذهبت جهودي سدى.”

▪︎ كيف ترافق المرأة المبدعة بين ممارسة السياسة والحفاظ على استقلالية صوتها؟

“للمرأة لمسة إبداع في الحياة عامة؛ في المنزل، الدراسة، العمل، السياسة، وجود امرأة مبدعة يعني الاخلاص في العمل، ضبط وترتيب أولويات الأمور، دقّة الاختيار.. يكفي أن تكون قوية في شخصيتها، ثابتة على مبادئها، تحترم حدودها، وتنتصر لأهدافها.”

▪︎ كيف تتعايش داخلك الكاتبة والشاعرة والسياسية والمناضلة؟

“لنقل أنها مجالات تتقاسمني كما تشاء حسب الظرف والموضوع وجديته.”

▪︎ذكُرت أعمالك في إصدارات مهمة مثل “مبدعات من شمال المغرب” و“نساء في ذاكرة الإبداع”… كيف شعرتِ حين قرأ النقاد أعمالك وأشادوا بها؟

“تناول تجاربنا الابداعية من طرف النقاد ونشر دراساتهم حولها يشبه نفخ الرّوح في صدر الكاتب، خاصة إذا صادفت الدراسة محطة الركود التي يعبر منها الكاتب تاركا أقلامه وشغفه  لما بعد الانطفاء.. هي أكثر من تشجيع حتى وإن جاءت بما لا تشتهيه نفس الانسان، تظل البادرة قيّمة جدا.”

▪︎ حصلتِ على عدة جوائز رقمية، من قصة “قطعة مني” إلى قصيدة “أشتهيك”، كيف أثر ذلك على مسارك الأدبي؟

“التجربة الرقمية قبل العقد الماضي، شكلت انطلاقة أغلبية الكتاب الشباب العربي، ولا أكون مبالغة إذا قلت أنها عرَّفت بكتاب كان لهم رصيد ابداعي عُرف بفضل مواقع التواصل الاجتماعي، منهم من اشتغل على  نفسه وكسب قاعدة قراء من مختلف الدول العربية، ومنهم من استغل الفرصة الرقمية ليطور شغفه الابداعي  ويتقاسم كتاباته مع قراء ونقاد ومبدعين.. وأنا من هذه الفئة التي وجدت نفسها عضوة نشيطة في مجموعات ابداعية فايسبوكية رفقة المبتدئين والرواد، تنافسنا حول المراتب الاولى ابداعيا في مسابقات أسبوعية وشهرية، تعارفنا وتبادلنا الآراء حول النصوص المنشورة، شاءت مهرجانات محلية كمهرجان جسور للقصة القصيرة جدا أن تجمعنا في قاعة واحدة، فوق منصة واحدة مع قامات أدبية عربية، ثم توالت الفرص والمناسبات والمقالات والحوارات التي استضافتني ككاتبة أصدرت مجموعتها القصصية الخاصة “جداريات” ثم ديوانها الأول “همس الفصول الاخيرة” بعد عدة أعمال أدبية المشتركة…، وكفاعلة في المجال الادبي تم تتويجي باحترام القراء قبل التكريمات التي حظيت بها نصوصي في المسابقات الرقمية.”

▪︎ أي نص شعرتِ أنه يعكس روحك ووجعك الشخصي أكثر؟

“في العادة، لا أكتب عني، نصوصي القصصية أشبه بصور التقطتها لقضايا مجتمعنا، هي نضالاتي القصصية حول التعليم وضرورة اصلاحه، الصحة في الريف خاصة وغياب مراكز علاج مرضى السرطان، العمل وعدم تكافؤ الفرص، الزواج المبكر، صلة الرحم، … وغيرها من المواضيع الحيّة…، في نصوصي الشعرية، قد أتواجد في بعضها بروحي المشاكسة، بزلفى الصغيرة المدللة، لكنها لا تشبهني بالضرورة، هي في الأغلب لوحات فنية رسمتها بالكلمات، واقع شاغبته بدلالي، لحظات عبرت على عتباتها مرّةً وعلقت في ذاكرة الحروف.”

▪︎ هل هناك مشروع أدبي جديد قيد الإعداد؟ وما الذي ستركزين عليه: القصة القصيرة جدًا، الشعر، أم السيرة الشخصية؟

“إذا فكرت يوما في السيرة فلن أفكر مرتين في جمع الحوارات التي أُجريت معي، والمقالات التي كُتبت عني، وصفحات الاصدارات التي ذُكرت فيها، لأنني حرصتُ في كل استضافة تشرفت بها أن أكشف عما غاب في مناسبات فائتة. صحيح أن بعضُها مختلفة مناسبةً، لكن تعمدتُ أن تُشَكّل في مجموعها، اقصد الحوارات والمقالات والقراءات، صورة كاملة عني…،المشروع الذي أشتغل عليه بتأن، هو عمل سردي، ستكون تجربة جديدة.”

▪︎ هل يمكن للأدب أن يغيّر وعي المجتمع أكثر مما تفعل السياسة؟

“الأدب أداة للفكر، للسرد، للتعبير وتناقل الافكار والقضايا الانسانية والمجتمعية وتحليلها ونقدها.. هو التاريخ الذي انتقل إلينا بأساليب ولغات مختلفة، هو واقع لا يموت بين دفتي كتاب، يُعاش، يُعلّم، يُربّي ويُذكي الوعي المجتمعي…، أما السياسة فغير محصورة في صورة عمل حكومة ومنتخبين، ليست محطة انتخابية فقط كما هو شائع، هي علم، هي فكر وإيديولوجية، هي تاريخ يحكي سيرا نضالية، إدارية، اجتماعية، حقوقية… هي إطار يشمل الدولة والشعب وكل ما يربطهما، هي أداة قرار وتنزيل…، وللاثنين دور هام في الحياة، في تطوير وعي المجتمع وتنمية الأوطان.”

▪︎ ما دور المثقف اليوم في زمن التواصل الرقمي والصخب الإعلامي؟

“المثقف في زمن الثورة الرقمية المرعبة يجب أن يكون كالقابض على الجمر وعيا، أدبا، فكرا، قيَماً، و دينا… التواصل الرقمي قضى على أصول التواصل البشري. الاعلام الرقمي خاصة، وهو الاخطر، لم يعد مقتصرا على الخبر بل تحول الى فضاءات للتقاذف والتشهير بالاعراض ورفع الستر على الخصوصية ونقل التفاهة والعنف.. وغيرها من التدني الاخلاقي الذي نشهده يوما بعد يوم بسبب غياب الرقابة الرقمية الجادة وتراجع دور الأسر وانتقال المدرسة العمومية من التربية والتكوين الى مدارس ريادة وأفضلية على حساب تعليم موحد ومسؤول لبناء جيل واحد لوطن موحد…، المثقف هو البوصلة داخل الاسرة، في الادارة، في المجالس المنتخبة وهو يمثلنا، في التجارة والصناعة وفي كل مجالات الحياة.”

▪︎كيف يمكن للثقافة والفن أن يكونا أدوات للتغيير الاجتماعي في الريف والمدن المغربية؟

“للريف خصوصية “المحافظة”، صحيح أن شدّتها انخفضت، لكن أسرنا لا تزال بدرجات متفاوتة محافظة على القيّم، الترابط الاسري، الموروث اللغوي والثقافي.. مثلها أو بعضها نجدها في مدن مغربية كالمدن الجنوبية مثلا…، والثقافة عامة بأدبها وفنّها إن لم تحافظ وتسمو بهذه الخصوصية نحو تغيير إيجابي فلا حاجة لنا بمدن مستنسخة عن الاجانب.”

▪︎ماذا تعني لك كلمة “المغرب” بعد كل هذه التجارب؟

“الكثير، لو سألتني عن القلب لقلت ببساطة قطعة في صدري.. “المغرب”، لو كان هواء فإني أتنفسه حبّا وفخرا.”

▪︎ ما الذي تفخرين به في بلدك، وما الذي يقلقك عليه؟

“ما لا يختلف عنه اثنان، أفتخر بمملكتنا الشريفة ملكا وشعبا وأرضا وبحرا وجوا.. ويقلقني تأخر تنزيل الاوراش الملكية في بعض المدن، منها مدينتي، يقلقني قطار التنمية المتأخر عن موعد انطلاقه عندنا أمام قطار الفائق السرعة في مدن المركز.”

▪︎ كيف يمكن للجيل الجديد أن يساهم في بناء مغرب أفضل؟

“الجيل الجديد هو ثروة الوطن غدا، والوطن لا يبنى بالشعارات، لا يبنى بجهل القوانين، لا يبنى بالكسل ولا بصيحات الآيفونات والشكليات.. إنما يُبنى بالجد والعمل، لا عيب في الشكليات إذا لم تكن على حساب مستقبل جيل كامل.. تعليمهم الجيد مهم، ومن أجلهم لذلك وجب اصلاح هذه المنظومة وربطها بفرص تشغيل جادة تضمن كرامتهم…، ومن أجل هذا الجيل لا يزال مشروع التنمية وأوراش الاصلاحات في وطننا يحتاج إلى مجهودات مكثفة من طرف جميع الشركاء، الحكومة أغلبية ومعارضة، المؤسسات، الأسر، المواطن.. كلنا معنيون بمشروع مغرب الغد.”

▪︎ رسالة لامرأة الريف اليوم؟

“كوني على طبيعتك، سيدة نفسك وأنت تختارين طريقك الخاص في الحياة، لا تتنازلي أبدا عن أخلاقك وأصولك وطموحاتك ولا تفصليهم أبدا عن الدّين الاسلامي، شريعتك هي مرجعك الأسمى، أسرتك هي الحصن المتين الذي لن يخذلك أبداً.”

▪︎رسالة لشباب الناظور؟

“الناظور بحاجة لكل ابنائها وبناتها، شبابها بالأكثر هم ثروتها. ومن أجل المدينة التي نحبها ونحلم بمستقبلها  الزاهر، أقول لشباب الناظور أننا غدُها المنتظر.”

▪︎رسالة لنفسك بعد عشر سنوات؟

“الطريق أمامك لا يزال طويلا جدا.”

▪︎نشكرك أساتذة زلفى على كل الجهود المبذولة لتوضيح الصورة للقارئ، حقا كل جواب كان بمثابة صحوة لروح، و كل كلمة هي نصيحة و عبرة و درس فوق صحنٍ من ذهب.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button