تقرير مجلس الحسابات يعيد الجدل حول تدبير الأحزاب السياسية لأموال الدعم العمومي

تيلي الناظور : أشرف عباسي
أعاد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات إلى الواجهة إشكالية تأخر عدد من الأحزاب السياسية في إرجاع أموال الدعم العمومي غير المستحقة، مجددًا النقاش حول شفافية وحكامة تدبير المال العام داخل الهيئات الحزبية.
وأوضح التقرير، في ما يخص تدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص صرف الدعم العمومي، أن 24 حزبًا سياسيًا قاموا بإرجاع ما مجموعه 36,03 ملايين درهم إلى خزينة الدولة، باعتبارها أموالًا غير مستحقة أو غير مستعملة. في المقابل، لا يزال 14 حزبًا مدينًا بمبلغ إجمالي قدره 21,85 مليون درهم، لم يتم إرجاعه بعد، ويتعلق بدعم لا تدعمه وثائق قانونية أو لم يُصرف في الأغراض المخصصة له.
وفي هذا السياق، اعتبر محمد شقير، المحلل السياسي، أن التوصيات الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات “ليست جديدة، بل هي إعادة تأكيد لتوصيات سابقة”، مشيرًا إلى أنها تهم أساسًا ضرورة إرجاع فائض أموال الحملات الانتخابية وتسوية ملفات تمويل مكاتب الدراسات والتعاقد مع المستشارين.
وأوضح شقير، في تصريح صحفي، أن إثارة هذا الملف تتزامن مع الاستعدادات للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، مبرزًا أن تقارير سابقة للمجلس سجلت الملاحظات نفسها، ما يجعل الأحزاب ملزمة قانونيًا بإرجاع المبالغ التي لم تُصرف وفق الأهداف المحددة لها.
وبخصوص انعكاس هذه الوضعية على صورة الأحزاب، أكد المتحدث أن عدم الالتزام بإرجاع الدعم العمومي “يعكس اختلالات في التدبير المالي لبعض الأحزاب”، مشددًا على أن ذلك يسيء إلى مصداقيتها لدى الرأي العام، خاصة في مرحلة تتطلب أعلى درجات الشفافية.
كما أشار شقير إلى أن بعض الهيئات السياسية لا تزال تعاني من ضعف الحكامة التدبيرية، حيث يتم صرف أموال عمومية على دراسات لم تُنجز أو على تعاقدات مع مستشارين دون جدوى واضحة أو سند قانوني كافٍ.
وختم المتحدث بالتأكيد على أن المجلس الأعلى للحسابات يضطلع بدوره الدستوري في مراقبة حسن تدبير المال العام، مبرزًا أن الهدف من الرقابة ليس الزجر فقط، بل ضمان توجيه الدعم العمومي لخدمة العمل الحزبي بشكل مسؤول.
من جهته، اعتبر عبد العزيز قراقي، الأكاديمي والباحث في العلوم السياسية، أن النظام الحزبي المغربي “يعتمد بشكل كبير على التمويل العمومي، لكنه يفتقر إلى آليات ناجعة لمواكبة طرق صرفه”.
وأوضح قراقي أن قوة الأحزاب تُقاس اليوم بعدد الأصوات والمقاعد، ما يجعل الدعم العمومي، خصوصًا خلال الفترات الانتخابية، عنصرًا أساسيًا في نشاطها. غير أنه أشار إلى وجود فجوة بين طبيعة العمل الحزبي ومتطلبات مساطر صرف المال العام، التي غالبًا ما تكون معقدة، مما يخلق صعوبات في تبرير النفقات، خاصة مع رفض بعض المتعاملين الإدلاء بالفواتير.
ودعا الباحث ذاته إلى اعتماد مقاربات مبتكرة تتيح مرونة أكبر في الإنفاق، مع الإبقاء على آليات رقابة صارمة، مقترحًا خصم المبالغ غير المبررة من الدعم المستقبلي بدل الاقتصار على المطالبة بالاسترجاع المباشر.
وفي ما يتعلق بصورة الأحزاب، شدد قراقي على ضرورة عدم التعميم، مؤكدًا أن هناك أحزابًا نجحت في ضبط تدبيرها المالي واحترام قواعد الشفافية، معتبرا أن مسؤولية سوء التدبير لا يمكن إلصاقها بجميع الهيئات السياسية.
وختم المتحدث بالتأكيد على أن تأثير تقارير مجلس الحسابات على سلوك الناخبين يظل محدودًا، بسبب ضعف المتابعة الشعبية، غير أن إصلاح منظومة الدعم العمومي وتطوير آليات صرفه يبقى ضرورة أساسية لتعزيز الثقة في العمل السياسي وضمان نزاهته



