النظام الجزائري نحو الطريق المسدود… حين يبلغ الانسداد مداه

تيلي الناظور : عباسي أشرف
في مشهد يثير الاستغراب أكثر مما يبعث على الدهشة، خرجت فئات من الشارع الجزائري للاحتفال الصاخب، لا بنجاح وطني ولا بإنجاز داخلي، بل بسقوط المنتخب المغربي. لم يكن الاحتفال تعبيرًا عن فوز ذاتي، بل عن تعثر الغير، وكأن هزيمة الآخر تحولت إلى مصدر وحيد للفرح الجماعي. إنها لحظة نشوة بلا إنجاز، وبهجة مستعارة من الخارج، تعكس فراغًا داخليًا أكثر مما تعكس قوة أو تفوقًا.
هذا السلوك، في ظاهره رياضي عابر، يخفي في عمقه دلالات أعمق تتجاوز كرة القدم إلى بنية نفسية وسياسية مأزومة. فما الذي يدفع مجتمعًا إلى تحويل إخفاق غيره إلى لحظة احتفال؟ ولماذا يغيب الفرح المرتبط بالإنجاز الذاتي؟ أسئلة لا يمكن مقاربتها بمنطق الانفعال أو الشحن الأخلاقي، بل تتطلب قراءة تحليلية تنفذ إلى عمق البنية التي تنتج هذا السلوك.
هنا تبرز المقاربة السيكو-سياسية بوصفها أداة تفسيرية ضرورية، إذ لم يعد ممكنًا فهم السلوك السياسي المعاصر بالاعتماد فقط على المؤشرات الاقتصادية أو النصوص الدستورية أو ميزان القوة الصلب. فالدولة، في هذا المنظور، ليست مجرد مؤسسات وأجهزة، بل كيان رمزي يعكس نفسية جماعية، تتغذى من الذاكرة، والهوية، وتجارب النجاح أو الإخفاق المتراكمة. وقد أسهم مفكرون كبار، من فرويد في سيكولوجيا الجماهير، إلى فستنغر في نظرية التنافر المعرفي، وتاجفيل في تحليل الهوية الجماعية، في بلورة هذا الفهم المركّب.
ويُعد مفهوم التنافر المعرفي مفتاحًا مركزيًا لفهم الحالة الجزائرية. فعندما تتبنى جماعة ما صورة متضخمة عن ذاتها—قوة إقليمية، دولة محورية، وريثة ثورية كبرى—ثم تصطدم بواقع يتسم بالركود والفشل، ينشأ توتر نفسي حاد. وغالبًا لا يُعالج هذا التوتر عبر مراجعة الذات أو تصحيح السياسات، بل من خلال إنكار الواقع، أو إعادة تأويله، أو البحث عن شماعة خارجية تُعلّق عليها أسباب الإخفاق.
ضمن هذا الإطار، تبدو الدولة الجزائرية حالة نموذجية لدولة تعاني انسدادًا بنيويًا متعدد المستويات. فمنذ نشأتها، لم تعرف مسارًا طبيعيًا لتشكّل “دولة-أمة”، بل وُلدت في سياق هندسة استعمارية سبقت فيها الحدود المجتمع، والجهاز السياسي الهوية الوطنية. هذا التأسيس المختل ترك أثره العميق على علاقة السلطة بالمجتمع، وأنتج دولة عاجزة عن بناء سردية وطنية جامعة ومستقرة.
سياسيًا، ظل القرار الحقيقي محتكرًا من طرف المؤسسة العسكرية، بينما أُسندت الواجهة إلى فاعلين مدنيين بلا سلطة فعلية. هذا النمط من الحكم حوّل السياسة إلى ملف أمني، وأنتج استقرارًا شكليًا يخفي تحته انسدادًا مؤسساتيًا خانقًا، وفجوة متنامية بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش، ما زاد من حدة التنافر المعرفي داخل المجتمع.
اقتصاديًا، كرّست الجزائر نموذج الدولة الريعية كخيار دائم لا كمرحلة انتقالية. ورغم عائدات الطاقة الضخمة، فشل النظام في بناء اقتصاد منتج ومستدام، وبقي رهين الاستيراد والاستهلاك. هنا تتجلى بوضوح “لعنة الموارد”، حيث تتحول الثروة في ظل مؤسسات هشة إلى عائق للتنمية بدل أن تكون محركًا لها، مما يعمّق التناقض بين خطاب السيادة والواقع التابع.
أما إقليميًا، فقد اختارت الجزائر نهج الصدام بدل التعاون، والتوتر بدل الاندماج. وهو خيار لا يُفسَّر فقط بحسابات استراتيجية ضيقة، بل أيضًا بحاجة نفسية دائمة إلى تصدير الفشل نحو الخارج، وتحويل الصراع إلى آلية لتبرير العجز الداخلي وإعادة إنتاج الشرعية المهزوزة.
اجتماعيًا ورمزيًا، أفرز هذا الوضع فراغًا هوياتيًا عميقًا. فالدولة لم تعد قادرة على توفير أفق معنوي مقنع، ما فتح الباب أمام تضخيم الرموز، وإعادة كتابة التاريخ، وتكريس خطاب المؤامرة والكذب الإعلامي كآليات دفاع جماعية تُسكّن القلق دون أن تعالجه.
في هذا السياق، لا يبدو الاحتفال بهزيمة الآخر حدثًا معزولًا، بل عرضًا كاشفًا لحالة أعمق: عجز عن إنتاج الفرح الذاتي، وبحث يائس عن معنى يُستعار من الخارج. لحظة احتفال قصيرة، لكنها في العمق إعلان غير واعٍ عن فشل طويل الأمد.
في الخلاصة، تواجه الجزائر أزمة مركبة: نظام لم يُنجز انتقالًا مؤسساتيًا حقيقيًا، اقتصاد لم يتحول إلى إنتاجي، شرعية لم تُبنَ على الإنجاز، وسياسة خارجية لم تصنع بيئة تعاون مستدام. الخطر الأكبر لا يكمن في انهيار فجائي، بل في بلوغ هذا النموذج حدوده القصوى، حيث يفقد قدرته على تجديد نفسه، أو إنتاج معنى مقنع، أو إدارة أزماته بالأدوات القديمة.
وعندما تصل الأنظمة إلى هذه المرحلة، فإن الطريق يكون واحدًا: باب مسدود



