الدكتور قريشي: المغرب في مجلس السلام: صوت الحكمة في عالم مضطرب

د.المصطفى قريشي
في خضم نظام دولي يعيد تشكيل توازناته، وتتآكل فيه الأطر التقليدية لإدارة الأزمات، تأتي دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، للانضمام كعضو مؤسس في “مجلس السلام”، لتشكل حدثا ذا دلالات استراتيجية عميقة.
هذه الدعوة ليست مجرد إجراء بروتوكولي، بل هي إقرار دولي صريح بالدور المحوري الذي يلعبه المغرب كقوة سلام إقليمية ذات امتداد عالمي، وتتويج لمسار طويل من الدبلوماسية الهادئة والرؤية الاستراتيجية التي قادها جلالة الملك في عالم يزداد اضطرابا.
إن قبول المغرب لهذه الدعوة يفتح الباب لتحليل معمق للسياق الدولي الذي احتضن هذه المبادرة، والقيمة المضافة التي يقدمها المغرب إلى جانب القوى الكبرى، وكيف تعكس هذه الخطوة نجاعة دبلوماسية فريدة تعيد تعريف مفهوم الشراكة والتحالف في القرن الحادي والعشرين.
سياق دولي جديد يبحث عن شركاء من نوع جديد
تندرج هذه المبادرة في سياق دولي دقيق لم تعد فيه القوة الصلبة هي المحدد الوحيد للتأثير. لقد دخل العالم مرحلة ما بعد القطبية الأحادية، وبرز نظام متعدد المراكز يبحث عن فاعلين موثوقين خارج الدائرة التقليدية للقوى العظمى.
وفي ظل تصاعد النزاعات المركبة – من الإرهاب والهجرة إلى الأمن الغذائي والمائي – أثبتت المقاربات العسكرية عجزها، وبرزت الحاجة الماسة إلى وسطاء يتمتعون بالشرعية السياسية والأخلاقية.

لقد تغير مفهوم “صناعة السلام” نفسه، لينتقل من منطق التدخل العسكري إلى منطق الوقاية والوساطة والتنمية كشروط أساسية للاستقرار.
في هذا الإطار، لم تعد تُقرأ دعوة المغرب كإجراء شكلي، بل كاعتراف بدوره كقوة سلام قادرة على الربط بين الشمال والجنوب، وبين العالم الغربي والفضاءين الإفريقي والعربي-الإسلامي.
تقدير دولي لمكانة المغرب: رسائل الثقة والنجاعة
تعكس هذه المبادرة جملة من الرسائل الاستراتيجية التي تؤكد الثقة الدولية في المملكة:
أولا: الثقة في القيادة الملكية: يُنظر إلى جلالة الملك محمد السادس كقائد متزن، بعيد عن منطق المغامرة، وتستند قيادته إلى شرعية تاريخية ودستورية راسخة. هذا الاستقرار المؤسسي يمنح المغرب مصداقية نادرة في عالم متغير.
ثانيا: الاعتراف بنجاعة الدبلوماسية المغربية: تقوم الدبلوماسية المغربية على مبادئ واضحة: الوضوح في المواقف، والهدوء في الفعل، والوفاء في الشراكات.
هذا النهج أكسب المغرب احترام حلفائه وخصومه على حد سواء.
ثالثا: تقدير الدور المغربي في ملفات معقدة: لقد أثبت المغرب قدرته على أن يكون فاعلا مُنتجا للأمن وليس مجرد مستهلك له.
ويتجلى ذلك في دوره المحوري في الوساطة في النزاعات الإفريقية مثل ليبيا، ومكافحة الإرهاب والتطرف عبر مقاربات أمنية وروحية، وتدبير الهجرة بشكل إنساني ومسؤول، ودعم الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء.
الدبلوماسية المغربية: إعادة تعريف الشراكة في عالم متحول
في عالم يتجه نحو التحالفات المرنة، تقدم الدبلوماسية المغربية، بقيادة جلالة الملك، نموذجا فريدا لا يقوم على الاصطفاف الأعمى أو التحالفات الظرفية، بل على تنويع الشراكات، والاستقلالية الاستراتيجية، والبراغماتية المبدئية.
وبهذا المعنى، يُسهم المغرب في إعادة تعريف مفهوم التحالف، لينقله من علاقة تبعية إلى علاقة توازن وتكامل للمصالح.
إن مشاركة المغرب في مجلس السلام، بصفته رئيسا للجنة القدس، تكتسب بعدا إضافيا. ففي وقت ترتفع فيه أصوات الاستقطاب، يظل المغرب متمسكا بموقفه الثابت الداعم لحل الدولتين على أساس حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة. هذا التوازن الدقيق، الذي يجمع بين الدفاع عن الحقوق المشروعة والعمل من أجل السلام، هو ما يمنح الدور المغربي شرعيته وتأثيره.
“إننا نعتبر أن وكالة بيت مال القدس الشريف، الذراع الميدانية للجنة القدس، تقوم بعمل مفيد، من خلال إنجاز المشاريع الاجتماعية والاقتصادية، التي لها وقع مباشر على حياة المقدسيين، ودعم صمودهم.” – من رسالة جلالة الملك محمد السادس إلى رئيس اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف نوفمبر 2024.
المغرب صوت العقل في عالم مضطرب .
إن دعوة جلالة الملك محمد السادس، للمشاركة في مجلس السلام في هذا السياق الدولي المتوتر، ليست مجرد اعتراف بدور المغرب، بل هي إقرار بأن السلم الدولي لم يعد يُبنى فقط بالقوة، بل بالحكمة، والوساطة، والمصداقية.
والمغرب، بقيادته الملكية، يجسد اليوم نموذج الدولة المتوسطة ذات التأثير الكبير، القادرة على أن تكون داخل هذا المجلس صوت العقل، وميزان التوازن، وجسر الثقة في عالم يزداد تعطشًا إلى الاستقرار والسلام.



