عروض واعلانات
المجتمع المدني

الأطر الإدارية الوسيطة : ركيزة تنزيل الإصلاح التربوي و تحديات التثمين المهني

تيلي ناظور

يُعاني تنزيل الإصلاحات التربوية في المغرب من اختلال بنيوي يتمثل في عدم تثمين الدور المحوري للأطر الإدارية الوسيطة، خاصة رؤساء المصالح و الأقسام بالمديريات الإقليمية و الأكاديميات الجهوية، رغم كونهم حلقة الوصل الأساسية بين التوجيهات المركزية و التطبيق الميداني.

هذا الخلل يهدد استدامة الإصلاحات، مثل تلك المنصوص عليها في القانون الإطار 51.17 و الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، ما يستدعي إعادة هندسة شاملة للإدارة القطاعية.

تبرز الأطر الإدارية الوسيطة كعنصر أساسي في تدبير المنظومة التربوية اليومية، حيث تحول السياسات المركزية إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ في سياقات محلية متنوعة و معقدة.

و مع ذلك، يجمع موقعها الوظيفي بين مهام تنسيقية معقدة تشمل الإشراف التقني، التتبع الإداري، و ضبط الإكراهات المتعلقة بالموارد البشرية و المالية و الآجال، بالإضافة إلى تنسيق عمل متعدد المتدخلين.

و بفضل هذا الدور، تضمن هذه الفئة استمرارية المرفق العمومي وتوازن بين القرار المركزي و الواقع المحلي.

رغم الثقل المتزايد لمسؤولياتها، الناتج عن توسع المهام و تعقد البرامج الإصلاحية، إلا أن وضعية هذه الأطر لا تزال محكومة بمرجعيات تنظيمية تقليدية لا تعكس التحولات العميقة في القطاع.

فالتثمين المهني، سواء في بعده المالي أو الترقوي، يظل غير متناسب مع حجم الضغط و الانتظارات المجتمعية من المدرسة العمومية.

و بالتالي، يتجاوز الإشكال المطروح مجرد التعويضات ليصل إلى نموذج تدبيري يعاني من اختلال في توزيع الأدوار، مما يفرز إنهاكاً مهنياً و تراجعاً في الحافزية.

يُعد هذا الوضع مظهراً من مظاهر التوتر بين خطاب الإصلاح، الذي يدعو إلى النجاعة و ربط المسؤولية بالمحاسبة، و بين متطلبات تنزيله الفعلي.

فغياب آليات تحفيز منصفة واعتراف مؤسسي بالأدوار الحقيقية يؤدي إلى فقدان الثقة في الانخراط طويل الأمد، خاصة أن هذه الأطر ليست مجرد قنوات تنفيذ بل فضاء لإنتاج الحلول المحلية.

و من ثم، يهدد هذا الخلل جودة تنفيذ الإصلاحات الكبرى، مثل تعزيز اللامركزية و الجهوية المتقدمة.

لا يمكن معالجة ملف الأطر الإدارية الوسيطة من خلال تدابير ظرفية، بل يجب إدراجه ضمن ورش شامل يعيد هندسة الإدارة في وزارة التربية الوطنية.

و هذا يتطلب تحيين أنماط التدبير، توزيع المسؤوليات بشكل عادل، ووضع آليات تثمين وتحفيز مستدامة داخل المديريات الإقليمية و الأكاديميات الجهوية.

فالإصلاح التربوي الحقيقي رهين ببيئة مهنية متوازنة قائمة على العدالة الوظيفية و الوضوح في الأدوار، لضمان نجاح الرؤى الاستراتيجية طويلة الأمد.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button