عروض واعلانات
سياسة

يوسف عنتار يشرح تصاعد التوتر بين إيران و أمريكا : قراءة إستراتيجية للصراع النووي و السياسة الإقليمية

تيلي ناظور : أيوب بن كرعوف

في حوار خاص لـ جريدة تيلي ناظور مع يوسف عنتار، أستاذ العلوم السياسية بالكلية متعددة التخصصات بالناظور، كشف الخبير عن جذور وأبعاد التوتر المستمر بين إيران والولايات المتحدة، موضحًا مختلف العوامل المؤثرة على الصراع الإقليمي والدولي.

جذور التوتر بين إيران والولايات المتحدة ليست ظرفية، بل بنيوية ومؤسسة لسياسات الطرفين منذ عام 1979. فسقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي وصعود نظام الثورة بقيادة آية الله روح الله الخميني لم يكن مجرد تغيير نظام، بل انقلاب على معادلة النفوذ الأمريكية في الخليج. كما أعادت إيران تعريف نفسها كقوة مقاومة للهيمنة الغربية، معتبرة واشنطن رأس النظام الدولي الذي يعيد إنتاج التبعية في المنطقة. وقد شكلت أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية في 4 نوفمبر 1979 لحظة كسر رمزية واستراتيجية معا، حيث دشنت مسارًا من العقوبات والاحتواء والحروب غير المباشرة. ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد العلاقة قابلة للتطبيع التقليدي، بل أصبحت محكومة بمنطق “صراع الإرادات”، وهو ما يفسر أن كل تصعيد حالي لا يُقرأ كحادث معزول، بل كحلقة في سلسلة مواجهة ممتدة منذ أكثر من أربعة عقود.

ويضيف الأستاذ عنتار أن البرنامج النووي الإيراني هو العقدة المركزية في هندسة الصراع الحالي، لأنه يتجاوز البعد التقني إلى معادلة القوة والردع. فبالنسبة لطهران، امتلاك القدرة النووية يمنحها حصانة استراتيجية ضد أي مشروع لتغيير النظام أو ضربات كبرى، بينما بالنسبة لواشنطن وتل أبيب، تعني إيران نووية نهاية الاحتكار الإسرائيلي للردع النوعي في المنطقة. وقد أعاد انهيار الاتفاق النووي بعد انسحاب إدارة ترامب الأزمة إلى مربع الضغط الأقصى، لكنه دفع طهران إلى تسريع التخصيب بدل التراجع. لذلك، يتحول النووي اليوم من ورقة تفاوض إلى عنصر تسريع للمواجهة.

ويؤكد عنتار أن إسرائيل ليست مجرد حليف، بل عنصر مُكوِّن في تصور الولايات المتحدة للتهديد الإيراني. فمنذ حكومات بنيامين نتنياهو، جرى تأطير إيران كتهديد وجودي يتطلب منعًا استباقيًا. وقد أثر هذا الخطاب على الكونغرس ودوائر الأمن القومي، ما جعل أي مرونة تجاه طهران مكلفة سياسيًا داخليًا. وعليه، فإن مركزية إسرائيل في المعادلة تعكس تداخلا عميقا في تقدير المخاطر الاستراتيجية.

ويشرح الأستاذ أن العقوبات لم تُسقط النظام الإيراني، لكنها أعادت تشكيل سلوكه الاستراتيجي. اقتصاديًا، أضعفت العملة وقلّصت عائدات النفط، وأدت إلى توترات اجتماعية داخلية، لكنها عززت خطاب “الاقتصاد المقاوم”. سياسيًا، رفعت أسهم التيار المتشدد الذي يرى في التنازل ضعفًا استراتيجيًا. وعسكريًا، دفعت إيران للاستثمار في أدوات غير متماثلة مثل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، أي أنها حولت العقوبات إلى فرصة لتعزيز قدراتها الردعية.

ويضيف عنتار أن التصعيد الحالي يتجاوز مفهوم “الضربة المحدودة” ويدخل في إعادة تعريف قواعد الاشتباك. فالمنطقة تبدو أمام حرب مفتوحة الأهداف، حيث تتداخل حسابات الردع مع رهانات تحجيم نفوذ إيران. واستهداف البنى التحتية يرفع سقف المخاطر، لأن الردود تصبح أقل قابلية للضبط، ويُخشى أن يمتد النزاع جغرافيًا من الخليج إلى البحر الأحمر، ما يحوّل أي خطأ تكتيكي إلى انفجار إقليمي.

ويتابع: “إسرائيل تعتمد على التفوق النوعي والضربات الاستباقية، بينما إيران على الردع الشبكي عبر حلفاء إقليميين وأدوات بحرية وصاروخية. فالردع الإسرائيلي يمنع الخصم من بلوغ عتبة الخطر، بينما الإيراني يرفع كلفة الهجوم إلى مستوى غير محتمل. في ظل التوتر الحالي، تتحول المعادلة إلى لعبة حافة الهاوية، وأي قراءة خاطئة قد تكسر التوازن.”

ويؤكد أن الخطر حقيقي، وإذا وسّعت إيران الاستهداف لتشمل دول الخليج أو العراق، فإنها قد تحوّل الصراع من مواجهة ثنائية إلى تحالف إقليمي مضاد. ومع ذلك، تدرك طهران أن التوسع الاستراتيجي قد يعزلها إقليميًا. نحن أمام لحظة قرار: إما تثبيت سقف التصعيد، أو الدخول في حرب مفتوحة يصعب التحكم فيها.

ويشير عنتار إلى أن السعودية والإمارات تتبني مقاربة حذرة، وترفض استخدام أراضيهما كمنصات لضرب إيران، بينما تحاول قطر وتركيا لعب دور الوسيط لخلق تهدئة. هذه الدول تحرص على الحفاظ على قنوات تواصل مع واشنطن وتل أبيب، فلا يبحث الإقليم عن انتصار طرف، بل عن منع الانهيار الشامل.

ويضيف أن المفاوضات ممكنة نظريًا، لكنها تتطلب وقف التصعيد العسكري. أي استمرار للضربات يعزز التيار المتشدد في طهران، ويجعل التنازل يبدو استسلامًا. أي اتفاق مستقبلي لن يكون نسخة عن 2015، بل إطارًا أوسع يشمل الأمن البحري والبرنامج الصاروخي، مع ضرورة إعادة بناء الثقة المتبادلة.

ويتابع: “الوساطة تحتاج طرفًا مقبولًا وقادرًا على تقديم ضمانات أمنية. التحركات القطرية والتركية تهدف لإبقاء نافذة تهدئة قبل الانزلاق الكامل، ويجب فصل المسار العسكري عن التفاوضي، مع إشراك قوى دولية في حماية الممرات البحرية لضمان الاقتصاد العالمي.”

ويؤكد أن الانخراط الأمريكي يرفع مستوى التصعيد ويجعل إيران ترى المواجهة كصراع وجودي. الدعم المطلق لإسرائيل يعزز شعور طهران بأن الهدف يتجاوز الردع إلى الإضعاف البنيوي. بالتالي، الاستقرار رهينة حسابات محلية ودولية معقدة.

ويشرح أن الاستقطاب السياسي يجعل الملف الإيراني جزءًا من الصراع الحزبي، وتضطر الإدارة الأمريكية لموازنة دعم إسرائيل مع تفادي حرب تؤثر على أسعار الطاقة والناخب الأمريكي. السياسة الداخلية الأمريكية عنصر محدد في مسار الأزمة.

ويقول عنتار إن أكبر خطر هو استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، فأي تعطيل لحركة السفن النفطية يرفع الأسعار ويهدد الاقتصاد العالمي، خصوصًا مع احتمال تعطيل باب المندب. الأمر لم يعد إقليميًا فقط، بل يمس الأمن الاقتصادي العالمي.

ويضيف أن العراق وسوريا ولبنان مسارح تماس مباشرة، وأي تصعيد يحرك الفاعلين المحليين ويهدد الاستقرار الهش. إذا نجحت إيران في فرض معادلة ردع بحري، تعزز موقعها التفاوضي، أما التحالفات المضادة المدعومة أمريكيًا فقد تُدخلها في عزلة استراتيجية. الإعلام والدعاية يلعبان دورًا أيضًا، إذ يوظف كل طرف الخطاب التعبوي لتعزيز تماسكه الداخلي، ما يجعل الصراع معركة على الرواية بقدر ما هو على الأرض.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button