مليارديرات التكنولوجيا من المال إلى قوة سياسية و تهديد الديمقراطية

تيلي ناظور : نوفل سنوسي
مِجهر
نشرت مجلة نيتشر العلمية المرموقة في 17 مارس 2026 مقالة مراجعة بعنوان « كيف يسعى رواد الأعمال الأثرياء في التكنولوجيا لتشكيل السياسة و الثقافة و المستقبل و لماذا يجب أن نقاوم ذلك »، تناولت فيها بتفصيل علمي و تحليلي عميق كتاب « Gilded Rage: Elon Musk and the Radicalization of Silicon Valley » للصحفي جاكوب سيلفرمان ( صدر في أكتوبر 2025 ) .
اذ يُعدّ هذا الكتاب و المراجعة صوتاً نادراً من داخل المؤسسة العلمية يحذر من أن نخبة التكنولوجيا لم تعد مجرد رجال أعمال، بل تحولت إلى مثيري غضب أيديولوجيين يمتلكون أدوات غير مسبوقة لإعادة صياغة الديمقراطية لصالحهم.
يروي سيلفرمان قصة «الصحوة السياسية والتطرف» لمجموعة من أثرياء وادي السيليكون، و على رأسهم إيلون ماسك و بيتر ثيل ومارك أندريسن و ديفيد ساكس.
حيث بدأت القصة كما يصفها الكاتب بـ«استيقاظ سياسي» تدريجي، ثم تحولت إلى انحدار نحو التطرف الأيديولوجي مدعوم بثروات هائلة و منصات رقمية عابرة للحدود.

راميش سرينيفاسان، مؤلف المراجعة و أستاذ جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس و مؤسس مختبر الثقافات الرقمية، يرى أن هؤلاء الأثرياء لم يكتفوا بالضغط التقليدي في واشنطن، بل انتقل إلى تدخل مباشر و مدمر : يمتلكون المنصات ( مثل X )، يجمعون بيانات شخصية على نطاق كوكبي، و يروجون لرؤية تقلل من قدرة الشعب العادي و تفرغ الديمقراطية من مضمونها لصالح حكم نخبة تنفيذية.
كما يربط سرينيفاسان هذا التطرف بمفكري التنوير المظلم ( Dark Enlightenment ) مثل نيك لاند و كيرتس يارفين، الذين يستهزئون بالديمقراطية و يمدحون حكم الرؤساء التنفيذيين أو الديكتاتور الفعال .
يُبرز الكتاب والمراجعة تحولاً نوعياً في علاقة التكنولوجيا بالسلطة.
لم تعد الشركات تكتفي بالإعلانات السياسية بل أصبحت تصنع الغضب نفسه و توجهه.
يستشهد سرينيفاسان بكيفية استخدام ماسك لمنصة X في تضخيم الخطاب اليميني المتطرف، و دعم ثيل لأفكار التسارعية ( accelerationism ) التي تروج لانهيار النظام الديمقراطي ليحل محله حكم تكنوقراطي.
النتيجة الملموسة، كما يؤكد الكتاب، كانت في الانتخابات الأمريكية 2024-2025 : ساهم نفوذ هؤلاء الأثرياء مباشرة في عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ليس فقط بالتبرعات، بل بتشكيل الرأي العام عبر الخوارزميات و المحتوى المستهدف.
ايضا ييشير سرينيفاسان إلى أن هذه النخبة تستخرج بيانات شخصية على نطاق كوكبي بلا شفافية كافية، مما يجعل مقاومة نفوذها أصعب من أي وقت مضى.
يسأل سرينيفاسان السؤال الأكثر إثارة : « لماذا يبدي أقوى أفراد الكوكب تشاؤماً تجاه الديمقراطية و المستقبل البشري؟ » يجيب بأن هؤلاء الأثرياء يرون في الديمقراطية عائقاً أمام رؤيتهم المتسارعة للمستقبل ( الذكاء الاصطناعي، الاستعمار الفضائي، الجينوميكس ) .
بدلاً من توجيه ثرواتهم لحل الأزمات الحقيقية التغير المناخي، اللامساواة، الاستقطاب يستثمرونها في تعزيز الغضب و التطرف، مما يُفرغ المجال العام من مضمونه.
يُعدّ الكتاب والمراجعة تحذيراً علمياً نادراً من داخل أعرق مجلة علمية.
فالتأثير لم يعد أمريكياً فقط إذ أصبحت منصات هؤلاء الأثرياء تؤثر في الانتخابات الأوروبية و الآسيوية و العربية، و تستخدم الذكاء الاصطناعي لصناعة غضب مذهبي يتجاوز الحدود.

يخلص سرينيفاسان إلى أن المقاومة أصبحت ضرورة وجودية : يجب على المجتمعات والمؤسسات الديمقراطية و العلمية أن ترفض الاندماج بين السلطة الشركاتية و الدولة الذي يروج له هؤلاء.
في النهاية، يؤكد المقال أن المستقبل لا يجب أن يُصنع في قصور المليارديرات، بل في المجال العام الديمقراطي.
إذا استمر هذا الغضب المذهبي دون مقاومة، فإن الديمقراطية كما نعرفها قد تتحول إلى مجرد واجهة لـحكم النخبة التنفيذية.
هذا البحث يعكس تحولاً تاريخياً اي من عصر الديمقراطية التمثيلية إلى عصر الديمقراطية الرقمية المسيطر عليها.
اما السؤال المطروح الآن هو هل سنقاوم هذا التحول قبل فوات الأوان ؟



