كيف تُمكّن تقنية Ghost Murmur من رصد الإشارات الحيوية عن بُعد ؟

تيلي ناظور : نوفل سنوسي
مِجهر
نجحت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ( CIA ) في تحديد موقع طيار أمريكي سقطت طائرته F-15E في جنوب إيران، و كان مختبئاً داخل شق جبلي ضيق لأكثر من 48 ساعة، باستخدام تقنية سرية متقدمة تُدعى Ghost Murmur أو نبض الشبح .
حيث تمكنت هذه التقنية من رصد نبضات قلبه بدقة عالية رغم الصخور و التضاريس الجبلية الصعبة، ثم قادت مروحيات الإنقاذ إلى موقعه الدقيق في عملية أُطلق عليها Dude 44 Bravo.
و يُعد هذا الاستخدام العملي الأول الموثق لهذه التقنية في المجال العسكري، التي طُورت في أقسام Skunk Works السرية بشركة لوكهيد مارتن بالتعاون مع الـCIA.

و بما أن التقنية تعتمد على قياس المجالات المغناطيسية الضعيفة جداً التي يولدها قلب الإنسان عند كل نبضة، فإنها تحول هذه الإشارة الحيوية إلى بيانات يمكن تتبعها من مسافات بعيدة دون الحاجة إلى أي إشارة رادار أو GPS يمكن كشفها.
كما أنها تجمع بين حساسات كمومية فائقة الحساسية و خوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على فصل الإشارة المطلوبة عن الضوضاء البيئية المحيطة.
و نتيجة لذلك، نجحت التقنية في تحديد موقع الطيار داخل شق جبلي رغم صعوبة الظروف، مما يُعد قفزة نوعية في مجال الاستشعار عن بعد و العمليات الاستخباراتية.
غير أن جوهر هذه التقنية يكمن في ما يُسمى مراكز النيتروجين-الفراغ أو NV Centers داخل بلورات الألماس الصناعي.

و هي عيب صغير جداً على المستوى الذري يحدث داخل شبكة الألماس المثالية المكونة من ذرات الكربون.
فعندما تُستبدل ذرة كربون واحدة بذرة نيتروجين ( N ) و تكون الذرة المجاورة مفقودة تماماً ( Vacancy = V )، يتشكل هذا العيب النانوي الذي يمتلك خصائص كمومية استثنائية.
و عند إضاءة هذا العيب بضوء ليزر أخضر، يمتص الطاقة و يُصدر ضوءاً أحمر، في حين أن الدوران الإلكتروني ( Spin ) داخل NV Center يتأثر بأي تغيّر في المجال المغناطيسي المحيط به، مما يغير سطوع الضوء المنبعث.
وبذلك يتحول عيب صغير في أقسى مادة في الطبيعة إلى مستشعر فائق الحساسية يستطيع رصد مجالات مغناطيسية أضعف من مجال الأرض بمليون مرة.
و تعود أساسيات هذه التقنية إلى أكثر من 15 سنة من البحث الأكاديمي، لكن الاختراق العملي حدث في السنوات الخمس الأخيرة بفضل تطوير ألماس صناعي عالي النقاء يحتوي على هذه المراكز بدقة عالية.
اذ قام قسم Skunk Works في لوكهيد مارتن بتطوير النسخة العسكرية المتكاملة مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، و تم اختبارها أولاً على مروحيات Black Hawk قبل أن تُستخدم في عملية الإنقاذ الفعلية في إيران أواخر مارس و بداية أبريل 2026.

و على الرغم من أن التفاصيل الدقيقة لم تُؤكد رسمياً من قبل الـCIA أو لوكهيد مارتن، فإن نجاح العملية نفسه مؤكد و تم التلميح إليه من قبل مسؤولين أمريكيين كبار.
كما أن هذه التقنية تتميز بقدرتها على العمل في درجة حرارة الغرفة العادية دون الحاجة إلى تبريد شديد، و هو ما يميزها عن معظم الأجهزة الكمومية الأخرى.
و نتيجة لذلك، أصبحت قادرة على رصد نبض قلب شخص واحد في منطقة واسعة رغم الضوضاء المغناطيسية الناتجة عن الأرض أو الأجهزة الإلكترونية.
و مع ذلك، فإن قدرتها على اختراق الصخور السميكة جداً بدقة عالية لا تزال محدودة و تعتمد على ظروف بيئية معينة، مما يجعل بعض الخبراء يصفونها بأنها ممكنة نظرياً لكنها تحتاج إلى مزيد من التطوير العملي.
على الرغم من ذلك، يرى المتخصصون أن تقنية Ghost Murmur و مراكز NV Centers ستغيّر قواعد عمليات البحث و الإنقاذ و الاستخبارات إلى الأبد.

فهي تحول نبض القلب نفسه إلى إشارة تتبع سرية لا يمكن كشفها بسهولة، و قد تُدمج مستقبلاً في طائرات F-35 و المركبات بدون طيار.
كما أن تطبيقاتها لا تقتصر على المجال العسكري، بل تمتد إلى الطب ( تصوير الدماغ بدقة عالية ) و الملاحة تحت الأرض و المراقبة عن بعد.
و بهذا يُثبت أصغر عيب ذري داخل أقسى مادة في الطبيعة أنه قادر على أن يصبح أقوى سلاح في عالم الاستخبارات الحديثة.
و بينما كانت تقنية Ghost Murmur تُستخدم لأول مرة في عملية إنقاذ عسكرية داخل إيران، فإن مراكز NV Centers نفسها تفتح اليوم آفاقاً واسعة خارج المجال الاستخباراتي، خاصة في الطب الحديث.
إذ إن هذه المراكز النانوية، التي تحولت من أداة لكشف نبضات القلب عبر الصخور إلى مستشعرات حية داخل الجسم البشري، أصبحت تُعدّ أحد أكثر الابتكارات الواعدة في الطب الكمي.
ففي المجال الطبي، تستطيع جسيمات الألماس النانوية المحتوية على NV Centers أن تعمل كـ«عيون وآذان» دقيقة جداً داخل الخلايا الحية.
فعند إدخالها إلى الجسم، يمكنها قياس درجة الحرارة داخل خلية واحدة بدقة تصل إلى عُشر الدرجة المئوية، مما يساعد في الكشف المبكر عن الالتهابات أو الخلايا السرطانية التي ترتفع حرارتها قليلاً عن الخلايا الطبيعية.
كما أنها قادرة على رصد المجالات المغناطيسية الضعيفة جداً الناتجة عن نشاط الخلايا العصبية، و هو ما يفتح الباب أمام تصوير الدماغ بدقة نانوية غير مسبوقة، قد يُمكّن الأطباء من تشخيص أمراض مثل الزهايمر و الباركنسون و الصرع في مراحلها الأولى جداً.
غير أن أبرز تطبيقات NV Centers الطبية يكمن في مجال الاستشعار الحيوي الكمي.
فمن خلال ربط هذه المراكز كيميائياً بجزيئات معينة أو أجسام مضادة، يمكنها الكشف عن علامات الأمراض داخل الدم أو اللعاب أو الأنسجة بدقة فائقة.
و نتيجة لذلك، أصبح من الممكن تصور جهاز صغير يعطي تشخيصاً دقيقاً للسرطان أو أمراض القلب أو الالتهابات المزمنة من عينة دم بسيطة، دون الحاجة إلى أجهزة ضخمة أو فحوصات معقدة.
كذلك، تُستخدم جسيمات الألماس النانوية المحتوية على NV Centers في العلاج التشخيصي الموحد ( Theranostics ) ، حيث تعمل كمركبة ذكية تنقل الدواء مباشرة إلى الخلية المريضة، ثم تُصدر ضوءاً أحمر يسمح للأطباء بتتبع حركتها داخل الجسم في الزمن الحقيقي.

و بمجرد الوصول إلى الهدف، يمكن استخدام الليزر لتفعيلها لتوليد حرارة أو أكسجين نشط يقتل الخلايا السرطانية بدقة عالية، مع تقليل الأضرار على الخلايا السليمة.
على الرغم من أن معظم هذه التطبيقات لا تزال في مراحل التجارب السريرية الأولى، فإن العلماء يتوقعون أن تدخل NV Centers المستشفيات خلال السنوات العشر القادمة، لتصبح أداة أساسية في التشخيص المبكر و العلاج الدقيق للأمراض .
و بهذا، يتحول العيب الذري الصغير الذي ساعد في إنقاذ طيار أمريكي داخل كهف جبلي في إيران، إلى أمل جديد لملايين المرضى حول العالم، حيث يثبت أن أصغر عيب في أقسى مادة في الطبيعة قادر على أن يصبح أقوى حليف للطب الحديث.



