على إيقاع الأسماء ذاتها : حين تتحول الانتخابات إلى موعد متجدد مع الوجوه نفسها، في تغييب تام للكفاءات الشبابية

تيلي ناظور : أيوب بن كرعوف
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية في المغرب، يتجدد النقاش داخل الأوساط السياسية والشارع العام حول طبيعة الترشيحات التي تعتزم الأحزاب الدفع بها لخوض غمار الانتخابات.
وفي عدد من الأقاليم، يبرز سؤال متكرر: إلى أي حد يخدم استمرار الأسماء نفسها، دورة بعد أخرى، مبدأ التداول وتجديد النخب؟ وأين موقع الكفاءات الشابة في خريطة التمثيلية المقبلة؟
ظاهرة إعادة ترشيح الوجوه ذاتها ليست جديدة في المشهد السياسي الوطني.
فبعض الأحزاب تميل إلى الاعتماد على مرشحين سبق لهم خوض تجارب انتخابية سابقة، سواء على المستوى البرلماني أو الجماعي، بدعوى توفرهم على الخبرة الميدانية، ومعرفة بخريطة الناخبين، وشبكات علاقات تسهل إدارة الحملات الانتخابية.
غير أن هذا الخيار، رغم ما يوفره من “أمان تنظيمي” للأحزاب، يثير في المقابل انتقادات متزايدة من فئات واسعة، خاصة في صفوف الشباب.
منتقدو هذا التوجه يعتبرون أن تكرار الأسماء نفسها في كل محطة انتخابية يحدّ من فرص تجديد الدماء داخل المؤسسات المنتخبة، ويكرس نوعًا من “الاحتكار السياسي” غير المعلن.
كما يرون أن استمرار الوجوه ذاتها، في ظل حصيلة يعتبرها البعض دون مستوى التطلعات، يضعف ثقة المواطنين في جدوى المشاركة السياسية، ويعمّق فجوة العزوف الانتخابي.
في المقابل، تدافع بعض القيادات الحزبية عن اختياراتها بالقول إن العمل التشريعي يتطلب تراكمًا في التجربة وفهمًا عميقًا للمساطر والمؤسسات، وأن الدفع بوجوه جديدة دون إعداد وتأطير كافيين قد لا يخدم النجاعة المطلوبة داخل البرلمان.
غير أن هذا الطرح يطرح بدوره سؤالًا حول مسؤولية الأحزاب في تأهيل جيل جديد من القيادات، بدل الاكتفاء بإعادة تدوير الأسماء ذاتها.
تغييب الوجوه الشابة لا يرتبط فقط بقرار التزكية، بل يمتد إلى إشكالية أعمق تتعلق ببنية الأحزاب الداخلية. فضعف آليات الديمقراطية الداخلية، ومحدودية فضاءات التكوين السياسي، وغياب مسارات واضحة للترقي التنظيمي، كلها عوامل تجعل من ولوج الشباب إلى مراكز القرار الحزبي مسارًا معقدًا.
وغالبًا ما يجد العديد من الكفاءات الشابة نفسها في أدوار ثانوية خلال الحملات الانتخابية، دون أن تحظى بفرصة حقيقية لقيادة اللوائح أو تمثيل دوائرها.
في سياق اجتماعي يتسم بارتفاع نسبة الشباب داخل التركيبة الديمغرافية، وتزايد انتظاراتهم المرتبطة بالشغل، والتعليم، والخدمات الأساسية، يبدو الرهان على تجديد النخب أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
فالمؤسسة التشريعية لا يُنتظر منها فقط سن القوانين، بل أيضًا مواكبة التحولات المجتمعية، ونقل انشغالات فئات جديدة من المواطنين، وفي مقدمتهم الشباب.
ويؤكد عدد من الباحثين في الشأن السياسي أن تجديد النخب لا يعني بالضرورة إقصاء التجارب السابقة، بل يقتضي إرساء توازن بين الخبرة والتجديد.
فالمطلوب، بحسب هذا الطرح، هو خلق دينامية تسمح بانتقال تدريجي للقيادة، وتوفير شروط تنافس داخلي شفاف يقوم على الكفاءة والبرامج، بدل منطق الولاءات أو الحسابات الضيقة.
في نهاية المطاف، تظل الانتخابات محطة أساسية لإعادة ترتيب الأولويات، ليس فقط على مستوى البرامج، بل أيضًا على مستوى الأشخاص الذين سيُعهد إليهم بتمثيل المواطنين.
وبين من يراهن على الاستمرارية بدعوى الخبرة، ومن يدعو إلى ضخ دماء جديدة تعكس تطلعات جيل صاعد، يبقى الفيصل هو وعي الناخبين وقدرتهم على الاختيار، في أفق ترسيخ ممارسة سياسية أكثر انفتاحًا وتوازنًا، تستجيب لمتطلبات المرحلة وتحدياتها.



