عروض واعلانات
كتاب وآراء

عبد العليم مبارك: من طين القرية المصرية إلى ذهب الكلمة

تيلي ناظور:سلمى القندوسي

ينهض اسم الكاتب و الروائي و الصحفي المصري “عبد العليم مبارك” بوصفه صوتًا أدبيًا واعيًا، لا يكتب من أجل الحضور العابر، بل من أجل ترسيخ الوعي، و بناء الإنسان، و استعادة مكانة الكلمة في وجدان الثقافة العربية.

إنها رحلة إبداعية بدأت مبكرًا، و تشكّلت ملامحها الأولى في قلب القرية المصرية، قبل أن تمتد إلى آفاق الإبداع العربي الرحبة.

من الإذاعة المدرسية إلى عرش الكلمة

في فضاء القرية، حيث تتجاور البساطة مع العمق، تشكّلت شخصية عبد العليم مبارك على قيم الريف و أصالته.

هناك، بين مقاعد الدراسة الابتدائية، كان صوته يصدح عبر الإذاعة المدرسية، وكانت موهبته تجد متنفسها بين الرياضة و اللعب، قبل أن تستقر في حضن الكلمة.

اللحظة الفارقة جاءت مبكرًا، في الصف الثالث الابتدائي، حين كتب أولى قصائده الشعرية بعنوان «حياتي»، مهديًا إياها إلى والدته.

لم تكن القصيدة مجرد تمرين طفولي، بل إعلانًا مبكرًا عن ميلاد حسّ إنساني ناضج، و بداية طريق لم يغادره منذ ذلك الحين.

الشعر… الجذر الأول لشجرة الإبداع

يرى مبارك أن الشعر هو الأصل، و الأصعب، و الأكثر قدرة على صقل موهبة الكاتب.

و من هذا الجذر الشعري، تفرعت تجربته إلى القصة القصيرة، ثم الرواية، فالمقال، فالخواطر، وصولًا إلى أدب الأطفال.

هذا التنقل لم يكن ترفًا فنيًا، بل خيارًا واعيًا، يؤمن من خلاله بأن الكاتب الحقيقي هو من يمتلك الشجاعة لتجريب الأجناس الأدبية، و القدرة على إتقانها، لكلٍ بروحه و أدواته.

بين الصحافة والأدب… وعي بالحدود

دراسته للصحافة منحت تجربته بعدًا إضافيًا، و جعلت المقال اليومي جزءًا من ممارسته الطبيعية.

و مع ذلك، يميز مبارك بوضوح بين الكتابة الصحفية والكتابة الأدبية، معتبرًا أن الصحافة، رغم أهميتها ، أقل تعقيدًا من الرواية و الشعر، و أنها «مهنة تُمارَس أكثر مما تُدرَّس».

لهذا، ظل قريبًا من الصحافة دون أن يذوب فيها، محافظًا على مساحته الأدبية الحرة.

الرواية و القصة… فضاء الحلم الواسع

في خريطة الأجناس الأدبية، يجد مبارك نفسه أكثر في القصة و الرواية، حيث تتسع المساحات لبناء العوالم و الشخصيات.

و هو يرى أن الرواية، رغم امتدادها، ليست الأصعب، موجّهًا نصيحته للكتّاب الشباب بضرورة الإكثار من القراءة، و الانفتاح على الرواية العربية والعالمية المترجمة، باعتبارها المدرسة الأولى لتعلّم هذا الفن.

أما أدب الأطفال، فيصفه بأنه التحدي الأكبر، لأنه يتطلب لغة دقيقة، و وعيًا نفسيًا و تربويًا، و قدرة على مخاطبة الطفل دون تسطيح أو افتعال.

التكنولوجيا و قلق القراءة

لا يخفي عبد العليم مبارك قلقه من التراجع الحاد في ثقافة القراءة العربية.

و يحمّل وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا كبيرًا من المسؤولية، معتبرًا أنها تحولت من أداة معرفة إلى استهلاك سريع، أقصى الكتاب الورقي، بل و حتى الإلكتروني، إلى هامش الاهتمام.

و مع إقراره بوجهها الإيجابي، إلا أنه يرى أن هذه المنصات اختزلت الوعي، و قلّصت مساحة التأمل، و هو ما يشكّل تهديدًا حقيقيًا للثقافة.

رسالة الكاتب… الكلمة بوصفها التزامًا

في مجمل إنتاجه، يكتب مبارك بروح الملتزم، موجّهًا رسالته إلى الإنسان العربي بكل فئاته: رسالة تدعو إلى السعي، و التحدي، و صناعة الحلول، و عدم الاستسلام للعوائق.

و يؤمن بأن العالم العربي، بما يملكه من ثروات بشرية وثقافية، قادر على النهوض، شرط أن يُعاد الاعتبار للعقل، و للمثقف، وللكلمة المسؤولة.

و رغم أسفه لتهميش الأديب العربي مقابل تضخيم نجومية الرياضيين والفنانين، إلا أنه يراهن على نخبة واعية قادرة على إعادة البوصلة، متى توفّر لها الدعم الحقيقي.

حصاد إبداعي متنوع

تتجسد هذه الرؤية في أعماله المنشورة، التي تعكس تنوعًا لافتًا، من المقال إلى الرواية، و من الخاطرة إلى أدب الطفل، ومن أبرزها:
«بهدوء»، «خد أقولك»، «كن حيث تريد أنت» (مقالات)، «هماليل» و «سجايا» (روايتان)، «كلام و السلام» (نصوص وخواطر)، و عدد من كتب الأطفال مثل «تعال أحكيلك»، «النظارة الجديدة»، و«السنجاب الصغير».

عبد العليم مبارك ليس مجرد كاتب متعدد المواهب، بل مشروع مثقف يرى في الإبداع مسؤولية، و في الكلمة أداة تغيير. من القرية المصرية إلى الفضاء العربي، يواصل رحلته بإصرار و وعي، حاملًا رسالة الأمل و التنوير.

و في زمنٍ يبتعد فيه الضوء عن الكتاب، يظل حضوره تذكيرًا صريحًا بأن النهضة تبدأ دائمًا… من الكلمة.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button