حراس الأمن وعمال النظافة بالمستشفيات على مفترق الطرق: إصلاح مرتقب أم إعادة إنتاج للهشاشة؟

بقلم : أحمد لوكيلي،رئيس لجنة الإعلام والتواصل
للشبكة المغربية لحقوق الإنسان والدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب
– جهة الشرق –
يُعدّ قطاع الأمن الخاص وخدمات النظافة من الركائز الأساسية التي تقوم عليها السيرورة اليومية لعدد كبير من المؤسسات العمومية والخاصة، وفي مقدمتها المستشفيات.
فالعاملون في هذا القطاع يضطلعون بأدوار حيوية في تأمين المرافق، وحماية الأرواح والممتلكات، وضمان شروط النظافة والسلامة، بما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدّمة للمواطنين.
غير أن هذه الأهمية البالغة لا تقابلها، للأسف، أوضاع مهنية واجتماعية منصفة، إذ تجد فئات واسعة من حراس الأمن الخاص وعمال النظافة أنفسهم في مواجهة دائمة مع الهشاشة والاستغلال، نتيجة عدم التزام عدد كبير من الشركات المتعاقدة بدفاتر التحملات والقوانين المؤطرة لهذا المجال.
وتتمثل أبرز مظاهر هذه الهشاشة في تأخر صرف الأجور لأشهر طويلة، والحرمان من التعويضات المستحقة عن الساعات الإضافية، إلى جانب غياب التصريح بالعمال لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما يحرمهم من أبسط الحقوق المرتبطة بالتغطية الصحية والتقاعد. كما تلجأ بعض الشركات إلى إنهاء العقود بطرق تعسفية، دون احترام المساطر القانونية أو الحد الأدنى من الضمانات الاجتماعية، وهو ما يكرّس انعدام الاستقرار ويهدد مصدر عيش مئات الأسر.
في خضم هذا الوضع المقلق،جاء قرار وزير الصحة والحماية الاجتماعية، السيد أمين التهراوي، القاضي بإلغاء صفقات المناولة الخاصة بالحراسة والنظافة داخل المستشفيات العمومية، وإطلاق صفقات جديدة بشروط ومعايير أكثر صرامة، ليفتح نقاشاً واسعاً وجدلاً محتدماً في أوساط النقابات والفاعلين الاجتماعيين.
ولا شك أن هذا القرار قد يحمل في طياته مؤشرات على رغبة في الإصلاح، غير أنه يثير في المقابل تساؤلات جوهرية حول مدى قدرته الفعلية على تحسين أوضاع العاملين، وحول ما إذا كان سيمثل انتصاراً حقيقياً لحراس الأمن الخاص وعمال النظافة، أم مجرد إجراء تنظيمي قد يؤدي إلى إقصاء عدد منهم بدل إنصافهم.
وفي هذا السياق، برزت مواقف نقابية حذّرت من الاكتفاء بفرض شروط شكلية، كاشتراط مستوى دراسي معين، دون معالجة جوهر الإشكال. إذ كان الأجدر،بدل ذلك، الاستثمار في برامج تكوين وتدريب شاملة لفائدة الحراس الحاليين، قصد رفع كفاءتهم المهنية وتحسين قدراتهم، مع ضمان التطبيق الصارم والفعّال لمقتضيات مدونة الشغل، حمايةً لحقوقهم من كل أشكال الاستغلال أو التعسف.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تغيير شروط التعاقد، بل في مدى قدرة الدولة على تنزيل هذه الإصلاحات بشكل شفاف وعادل، يضمن احترام حقوق العمال، ويفرض على الشركات الجديدة الالتزام الصارم بالمعايير الاجتماعية والقانونية، بعيداً عن أي تحايل أو التفاف على القوانين.
كما أن تحسين أوضاع قطاع الأمن الخاص والنظافة يظل ضرورة ملحّة، غير أن نجاح أي إصلاح في هذا المجال يظل رهيناً برؤية شمولية تتجاوز الحلول الترقيعية، وتعتمد إصلاحات هيكلية حقيقية،وبرامج تكوين مستمرة، وآليات مراقبة وزجر صارمة، من أجل إرساء بيئة عمل إنسانية، عادلة ومستقرة.
إن ما يعانيه حراس الأمن بالمستشفيات العمومية في المغرب يستدعي تدخلاً آنياً وعاجلاً من طرف الوزارة الوصية، والمؤسسة التشريعية،وكافة المتدخلين، كما يفرض على النقابات المهنية الأكثر تمثيلية تحمّل مسؤوليتها التاريخية والتنظيمية، والدفاع الجاد عن هذه الشريحة التي تكافح يومياً من أجل لقمة عيشها، بعيداً عن سياسة الصمت، أو استغلال معاناتها لأغراض ظرفية.
وفي ظل كل ذلك، يبقى السؤال مشروعاً : هل سيكون هذا القرار خطوة أولى نحو إصلاح حقيقي ومنصف لقطاع الأمن الخاص والنظافة، أم مجرد إعادة تدوير لشروط جديدة قد لا تخدم، في نهاية المطاف، مصلحة العاملين أنفسهم؟



