عروض واعلانات
سياسة

تحدي الكفاءات أمام لوبيات احتكار الانتخابات : قراءة نقدية في آليات تهميش النخب وتكرار محترفي الانتخابية

تيلي ناظور : بقلم الدكتور المصطفى قريشي

تُمثل الانتخابات، في جوهرها، آلية ديمقراطية لتجديد النخب السياسية وإفراز ممثلين قادرين على التعبير عن إرادة الشعب وتحقيق المصلحة العامة إلا أن هذه العملية، في سياقات سياسية معينة، قد تنحرف عن مسارها لتتحول إلى حلبة صراع تُحسم ليس بالكفاءة والبرامج، بل بقوة المال وسطوة الولاءات وشبكات المصالح يشهد المغرب، كغيره من الديمقراطيات الناشئة، جدلا متصاعدا حول هذه الإشكالية، حيث تتعالى الأصوات المنتقدة لما تعتبره “احتكارا للعملية الانتخابية من قبل لوبيات المال والأعيان، مما يؤدي إلى إفراغ المؤسسات المنتخبة من محتواها الحقيقي وإقصاء ممنهج للكفاءات الوطنية.


يطرح هذا المقال إشكالية مركزية تتمثل في تحليل وتفكيك الآليات متعددة المستويات التشريعية، الحزبية، والواقعية التي تكرس هيمنة أصحاب النفوذ المالي والاجتماعي على المشهد الانتخابي في المغرب، وتحد من قدرة الكفاءات على الوصول إلى مواقع صنع القرار سنعتمد في تحليلنا على مقاربة نقدية، مستندين إلى دراسات أكاديمية، وتقارير إعلامية، وتحليل للنصوص القانونية، مع التركيز على أمثلة واقعية من أقاليم محددة كالناظور، الدريوش، والحسيمة، التي تجسد بوضوح مظاهر هذه الأزمة.


الإطار التشريعي بين الغايات المعلنة والثغرات المستغلة
على الرغم من أن المنظومة القانونية المؤطرة للانتخابات في المغرب تهدف إلى ضمان نزاهة وشفافية العملية الانتخابية، إلا أنها في الممارسة العملية تكشف عن ثغرات ومواطن ضعف تسمح بتغلغل نفوذ المال والأعيان فغياب شروط واضحة ومُلزمة تتعلق بالمستوى التعليمي أو الكفاءة المهنية للمرشحين يفتح الباب على مصراعيه أمام كل من يملك القدرة المالية والتعبوية لخوض غمار الانتخابات، بغض النظر عن مؤهلاته لتمثيل المواطنين والدفاع عن قضاياهم.


لقد أظهرت التجربة أن لوبيات المصالح تمارس ضغوطا للحفاظ على هذا الوضع، متجنبة ومعرقلة لأي تعديل تشريعي قد يفرض معايير أكثر صرامة للكفاءة، حيث تبقى النصوص التشريعية في اختبار حقيقي أمام قدرة شبكات المصالح على التحايل عليهاـ إن غياب اشتراط حد أدنى من الكفاءة العلمية أو الخبرة العملية في مجالات التنمية والتشريع يحول دون وصول أساتذة الجامعات والخبراء والمختصين إلى قبة البرلمان، ويفسح المجال أمام “محترفي الانتخابات” الذين يتقنون لعبة حشد الأصوات أكثر من إتقانهم لآليات العمل البرلماني.


أوجه القصور التشريعي-التأثير المباشر على العملية الانتخابية
غياب شرط الكفاءة العلمية والمهنية يفتح المجال أمام مرشحين غير مؤهلين للتشريع والرقابة.
ضعف آليات مراقبة تمويل الحملات يسهل استخدام “المال السياسي” وشراء الأصوات.
التساهل مع ظاهرة “الترحال السياسي” يؤدي لإضعاف الانتماء الحزبي وتشجيع الانتهازية السياسية.
عدم ربط الترشح بتقديم حصيلة الأداء يكرس ثقافة غياب المساءلة وإعادة إنتاج نفس الوجوه.


الأحزاب السياسية: أزمة الديمقراطية الداخلية واحتكار التزكيات
تعتبر الأحزاب السياسية، نظريا، هي المدرسة الأولى لتكوين النخب وتأطير المواطنين لكن على أرض الواقع، تعاني العديد من الأحزاب المغربية من أزمة عميقة في ديمقراطيتها الداخلية، مما يحولها إلى أداة لتكريس الاحتكار بدلا من كسره فطريقة اشتغال الأحزاب لها تأثير مباشر على الفعل البرلماني، وأن الخلل في اختيار المرشحين يستتبعه حتما اختلال في الأداء.


تتجلى هذه الأزمة بشكل صارخ في عملية منح التزكيات للترشح فبدلا من أن تكون هذه العملية تتويجا لمسار نضالي داخل الحزب ومبنية على الكفاءة والمشروع، أصبحت في كثير من الحالات تتم في “الغرف المغلقة”، وتخضع لمنطق الولاءات الشخصية، والمساومات، والابتزاز السياسي، المرشح القادر على تمويل حملته الانتخابية، أو الذي يملك شبكة علاقات قبلية وعائلية قوية، يصبح عملة نادرة تتهافت عليها الأحزاب لضمان مقعد برلماني، حتى لو كان ذلك على حساب مبادئ الحزب وقناعات مناضليه.


في كل موسم انتخابي بإقليم الناظور، تعود نفس الأسئلة المؤجلة إلى الواجهة: من يختار المرشحين؟ وعلى أي أساس تُمنح التزكيات؟ والجواب، وإن بدا قاسيا، بات واضحا لدى الرأي العام المحلي: التزكية البرلمانية لم تعد مسارا سياسيا، بل صفقة غير معلنة تتحكم فيها الشكارة والانتماءات العائلية.”


هذا المنطق يؤدي إلى ظواهر خطيرة مثل “الترحال السياسي”، حيث ينتقل المرشحون من حزب إلى آخر قبيل كل استحقاق انتخابي بحثا عن التزكية التي تضمن لهم الفوز، دون أي اعتبار للبرامج أو الإيديولوجيات وتقبل الأحزاب بهؤلاء “المرشحين الجاهزين” دون استشارة قواعدها الحزبية، بل وتفرضهم أحيانا من المركز على الهياكل التنظيمية المحلية التي تتحول إلى مجرد ديكور، مما يقتل الحياة الديمقراطية داخل الحزب ويقطع الطريق أمام الكفاءات الشابة والمناضلين الحقيقيين.


دراسة حالة أقاليم الناظور، الدريوش، والحسيمة
تعتبر أقاليم شمال المغرب، وخصوصا الناظور والدريوش والحسيمة، مختبرا حقيقيا لدراسة الظواهر التي تم تحليلها ففي هذه المناطق، يكتسب “المال السياسي” أو ما يُصطلح عليه محليا بـ “الشكارة” دورا محوريا وحاسما في تحديد نتائج الانتخابات وتؤكد التقارير الإعلامية المحلية أن القناعة السائدة لدى الرأي العام هي أن “مول الشكارة هو اللي يربح”.


في هذه الأقاليم، نلاحظ تكرار نفس الوجوه الانتخابية لدورات متعددة رابعة وخامسة أحيانا، دون أن يقدم هؤلاء المرشحون أو الأحزاب التي ينتمون إليها أي حصيلة ملموسة لأدائهم ويتمحور التنافس الانتخابي حول القدرة على شراء الأصوات واستمالة الناخبين، وليس حول البرامج التنموية أو القدرة على الترافع عن قضايا المنطقة هذا الوضع يفرغ العملية الانتخابية من أي معنى، ويحول المؤسسات المنتخبة إلى فضاء لخدمة المصالح الشخصية والزبونية، بدلا من أن تكون قاطرة للتنمية.

إن غياب المحاسبة والمساءلة، سواء من طرف الدولة أو من طرف الأحزاب السياسية، يشجع على استمرار هذا الوضع فالنائب البرلماني الذي يضمن إعادة انتخابه بفضل قوته المالية وشبكاته العائلية لا يشعر بأنه ملزم بتقديم أي حصيلة لناخبيه أو لحزبه، مما يكرس الرداءة ويغلق الباب تماما أمام أي محاولة لتجديد النخب السياسية وإشراك الكفاءات الحقيقية.


إن احتكار العملية الانتخابية من قبل لوبيات المال والأعيان يمثل تحديا بنيويا للديمقراطية في المغرب. فهو لا يؤدي فقط إلى إقصاء الكفاءات وتهميش الشباب، بل يضعف أيضا من أداء المؤسسات المنتخبة ويفقد المواطن الثقة في جدوى المشاركة السياسية. إنها حلقة مفرغة حيث تؤدي الرداءة إلى العزوف، والعزوف يسهل مهمة أصحاب المال في الهيمنة على المشهد.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button