الكاتب و الدكتور “يونس المغاري”: من الضروري أن يدخل كل طرف إلى العلاقة الزوجية بنية صادقة و صدق تام.

حاورته: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي
“تيلي ناظور” تستضيف اليوم شخصية بارزة في عالم الفكر الإسلامي، و ترحب بابن مدينة شفشاون، الدكتور و الكاتب و الباحث “يونس المغاري”، في حوار حصري يكشف لنا فيه أسرار اهتمامه بالقانون الأسري، و يشاركنا من خلاله أبرز الإشكالات الأسرية المعاصرة، مثل اقتسام الممتلكات المكتسبة و الجرائم الجنسية الزوجية، و ذلك بمناسبة إصدار مؤلفه الجديد “اجتهادات قضائية في نوازل أسرية”.
هذا الحوار يفتح نافذة فريدة على تجربة علمية غنية، تجمع بين البحث الأكاديمي، التحليل القانوني، و الفهم العميق للواقع الاجتماعي لأسرة المغرب.
دكتور يونس، قبل أن نغوص في الكتاب، هل يمكن أن تخبرنا قليلاً عن بداياتك الأكاديمية وما الذي دفعك للاهتمام بالقانون الأسري؟
“بدأ اهتمامي بقضايا الأسرة بوجه عام سنة 2018، عقب التحاقي بماستر الأسرة بالرباط. ولأن تكويني الأولي لم يكن بالقدر الذي يتيح الإحاطة الدقيقة بهذا المجال، فقد عزمت منذ ذلك الوقت على الانكباب عليه بجدية. كنت أقضي ليالي طويلة في الحي الجامعي مولاي إسماعيل بالرباط، مشتغلاً بالبحث والتنقيب في مختلف القضايا الأسرية، أقرأ باستمرار، وأقتني ما يتصل بالموضوع من الكتب، ولا يفوتني حضور أي ندوة أو لقاء علمي يتعلق بهذا الشأن؛ فكلما رأيت إعلانًا عن فعالية في هذا المجال شددتُ الرحال إليها دون تردد.”
كيف تصف نفسك كباحث؟ هل تميل أكثر للتحليل القانوني الصارم أم للفهم الإنساني والاجتماعي للقضايا الأسرية؟
“أرى أن التطبيق الحرفي للقانون هو الأساس الأسمى لضمان العدالة وحماية الحقوق، غير أن الواقع العملي قد يفرض في بعض الأحيان استحضار روح القانون ومقاصده، تحقيقًا للإنصاف ومنعًا للجمود في تنزيل النصوص.”
ما القيم أو المبادئ التي تحاول دائمًا أن تنقلها من خلال أبحاثك وكتابك؟
“القيم والمبادئ التي أسعى إلى ترسيخها من خلال أبحاثي عامة وكتابي “اجتهادات قضائية في نوازل أسرية” خاصة:
- ترسيخ العدالة الأسريّة وفق مقاصد الشريعة
يقوم هذا الكتاب على إبراز كيف يمكن لفقه الأسرة ومقاصده العليا—كالعدل، والإنصاف، وحفظ الحقوق—أن يُسهم في معالجة النوازل القضائية بطريقة تراعي الواقع وتحقق المصلحة. - الجمع بين الفقه والقضاء في قراءة واحدة
أسعى من خلال هذا العمل إلى بناء جسر بين التأصيل الشرعي والاجتهاد القضائي، لإظهار كيف تُفهم النصوص في ضوء التطبيقات القضائية المعاصرة، بعيدًا عن الانغلاق أو التقعيد النظري المجرد. - إبراز النموذج المغربي في الاجتهاد الأسري
يعكس الكتاب تميّز الاجتهاد القضائي المغربي، خاصة في قضايا مثل الأموال المكتسبة أثناء العلاقة الزوجية، والنزاعات ذات البعد الجنائي، وكيفية تنزيل القواعد الشرعية والقانونية على الوقائع. - تعزيز الوعي الحقوقي داخل الأسرة
يهدف الكتاب إلى بيان المسارات القانونية السليمة، وشرح كيف تُدار النزاعات الأسرية بحكمة ورفق، بما يضمن حماية المرأة والطفل والأسرة ككيان متماسك. - اعتماد منهج علمي يقوم على التحليل والتوثيق
اعتمدت في هذا العمل على تحليل أحكام قضائية واقعية (خاصة من محاكم طنجة)، بتوثيق منهجي، واستقراء دقيق، ومقارنة فقهية تُظهر قوة الاجتهاد ونقاط تطويره. - إحياء فقه النوازل بروح معاصرة
يندرج الكتاب ضمن مشروع علمي يهدف إلى قراءة النوازل بمنهج يجمع بين التراث الفقهي الواسع ومتطلبات القضاء الحديث، لتقديم رؤية عملية قابلة للتطبيق.”
كيف ترى دورك كمفكر وكباحث في التأثير على المجتمع المغربي من خلال أعمالك؟
“أسعى من خلال أعمالي العلمية إلى رصد الإشكالات الاجتماعية الأسرية وتسوية معالجتها عبر مقاربة علمية موضوعية، تنطلق من تحليل الواقع الأسري واستحضار أبعاده الاجتماعية والقانونية، بما يسهم في تقديم تصورات رصينة قابلة للنقاش والتفعيل.”
دكتور يونس، ما الذي ألهمك لكتابة هذا الكتاب حول الإشكالات الأسرية المعاصرة؟
“إن اهتمامي بقضايا الأسرة عامة، وما يرافقه من فضول معرفي لفهم مدونة الأسرة على وجه الخصوص، إلى جانب تتبّعي لبعض الأحكام القضائية الصادرة في هذا الشأن، قد دفعني إلى التعمّق في دراسة القضايا الأسرية، ومحاولة مقاربتها مقاربة علمية تقوم على التحليل والنقد والاستقراء.”
لماذا اخترت التركيز على مسائل اقتسام الممتلكات المكتسبة والجرائم الجنسية بين الزوجين بالذات؟
“اخترتُ التركيز على مسألتي اقتسام الممتلكات المكتسبة والجرائم الجنسية بين الزوجين لِما تطرحانه من إشكالات عملية دقيقة تمسّ صميم العلاقة الزوجية، ولِما يكشفه الواقع القضائي من تباين في المعالجة القانونية والقضائية لهما، سواء من حيث التأصيل القانوني أو من حيث التقدير القضائي للوقائع. كما أن هاتين المسألتين تمثّلان نقطة تقاطع حسّاسة بين القانون والأسرة والمجتمع، وتستدعيان مقاربة علمية هادئة تتجاوز الأحكام الجاهزة إلى التحليل الموضوعي القائم على النص والاجتهاد القضائي.”
كيف تمكنت من المزج بين التأصيل الشرعي والتحليل القانوني والرصد الميداني في هذا العمل؟
“قمتُ بالمزج بين التأصيل الشرعي والتحليل القانوني والرصد الميداني عبر اعتماد منهج تكاملي، ينطلق من تأصيل المسائل محلّ الدراسة في ضوء مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية، ثم ينتقل إلى تحليل النصوص القانونية المؤطرة لها، وعلى رأسها مدونة الأسرة والتشريع الجنائي، قبل أن يتوّج ذلك برصد تطبيقي ميداني من خلال تتبّع نماذج من الاجتهادات القضائية والوقائع العملية، بما يسمح بربط النص بالواقع وتفادي الطرح التجريدي.”
هل كان هناك تحديات أثناء رصد الاجتهادات القضائية في المغرب، خصوصاً فيما يتعلق بمواقف القضاة والمحامين؟
“بطبيعة الحال، يواجه البحث الميداني صعوبات تتعلّق بإمكانية التواصل المباشر مع القضاة والمحامين والحصول على موافقتهم لإجراء مقابلات علمية. غير أنّ هذا التحدي قابله تعاونٌ ملحوظ من طرف عدد من القضاة والمحامين الذين أبدوا انفتاحًا على البحث العلمي، وساهموا في تسهيل عملية الرصد والدراسة، وشجّعوا مثل هذه الأبحاث الميدانية لما لها من دور في تطوير الممارسة القضائية وتعميق النقاش العلمي.”
ما أبرز النتائج أو التوصيات التي توصلت إليها بعد الدراسة الميدانية؟
“أفضت الدراسة الميدانية إلى جملة من النتائج، من أبرزها التأكيد على وجود تباين ملحوظ في التعاطي القضائي مع قضايا اقتسام الممتلكات المكتسبة والجرائم الجنسية بين الزوجين، سواء على مستوى التعليل أو تقدير الوقائع، فضلاً عن تأثير اجتهاد القاضي والخلفية الاجتماعية للنزاع في توجيه الأحكام. كما كشفت الدراسة عن محدودية التنسيق بين النص القانوني والواقع العملي في بعض الحالات، وهو ما ينعكس على استقرار الأسرة ويؤدي إلى تفاوت الأحكام الصادرة في نوازل متشابهة.
وانطلاقًا من هذه النتائج، أوصت الدراسة بضرورة تعزيز توحيد التوجه القضائي، وتكثيف التكوين المتخصّص للقضاة والمحامين في القضايا الأسرية الحسّاسة، مع تشجيع البحث الميداني ونشر الأحكام القضائية لما لذلك من دور في تطوير العدالة الأسرية وترشيد الممارسة القضائية.”
كيف ترى تأثير المادة 49 من مدونة الأسرة على نزاعات اقتسام الممتلكات بين الزوجين؟
“تُعد المادة 49 من مدونة الأسرة حجر الزاوية في تنظيم اقتسام الممتلكات المكتسبة بين الزوجين، إذ تحدد الإطار القانوني لتقسيم ما اكتسبه الزوجان أثناء الزواج وفق مبادئ المساواة والعدالة. ولها تأثير مباشر على النزاعات الأسرية، إذ توفّر معيارًا واضحًا للتقدير المالي للأصول المشتركة وتخفف من النزاعات الطويلة والمعقدة، لكنها في الوقت نفسه تطرح إشكالات تطبيقية تتعلق بتقدير الحصة العادلة لكل طرف، خصوصًا عند وجود مساهمات غير مادية كالخدمات المنزلية أو التضحيات الشخصية، مما يستدعي اجتهاد القضاة لتكييف النص مع الواقع العملي.”
ما مدى توافق الاجتهادات القضائية المغربية مع الفقه الشرعي في موضوع الجرائم الجنسية الزوجية؟
“تظهر دراسة الاجتهادات القضائية المغربية في موضوع الجرائم الجنسية الزوجية تباينًا نسبيًا في مدى توافقها مع الشريعة الإسلامية، فبينما تراعي بعض الأحكام المقاصد الشرعية المتعلقة بحماية الأسرة وكرامة الزوجين، وتستند إلى النصوص الشرعية في تحديد العقوبة وحقوق الطرف المتضرر، نجد أن بعض الاجتهادات الأخرى تتأثر بالاعتبارات العملية والتقديرات الواقعية للوقائع، ما قد يؤدي أحيانًا إلى فروق بين التطبيق القضائي وبين المقرر الشرعي. وعموماً، يمكن القول إن الاجتهاد القضائي يسعى إلى تحقيق التوازن بين الالتزام بالنصوص الشرعية ومتطلبات العدالة الواقعية، لكنه لا يخلو من حالات تحتاج إلى مزيد من التوجيه والتوحيد.”
هل ترى أن القانون الحالي يغطي جميع الحالات الأسرية المعقدة، أم هناك حاجة لتعديلات؟
“رغم أن القانون الحالي، وخاصة مدونة الأسرة، قد وفر إطارًا متقدمًا لتنظيم العلاقات الأسرية وحل النزاعات، إلا أنه لا يغطي جميع الحالات الأسرية المعقدة. بعض النوازل الواقعية تظهر فراغات أو غموضًا في النصوص، خاصة في مسائل مثل الجرائم الجنسية الزوجية، اقتسام الممتلكات غير المادية، أو الحالات التي تتداخل فيها اعتبارات اجتماعية واقتصادية متعددة. لذا، هناك حاجة ملحة لمراجعات وتعديلات تشريعية دقيقة، تهدف إلى سد الثغرات وضمان مواءمة القانون مع التطورات الاجتماعية والمعايير المقاصدية للعدالة الأسرية.”
ما النصيحة التي تقدمها للشباب المقبل على الزواج حول التعامل مع الإشكالات الأسرية من منظور قانوني وشرعي؟
“من الضروري أن يدخل كل طرف إلى العلاقة الزوجية بنية صادقة وصدق تام، دون مخاوف مسبقة أو نوايا سلبية. فكلما بدأ الطرفان زواجهما بتوجس وخوف من الآخر، زادت احتمالات ظهور الخلافات، وهو ما ينعكس على ارتفاع معدلات الطلاق، إذ تشير الإحصاءات إلى أن عدم الثقة والبداية المتوترة تشكّل عوامل محفّزة للنزاعات الأسرية.”
هل كان هناك موقف شخصي أو تجربة معينة دفعتك إلى الاهتمام بهذه القضايا؟
“ليس الدافع وراء الاهتمام بهذه القضايا موقفًا شخصيًا بعينه، بقدر ما هو تراكمٌ معرفي واحتكاكٌ علمي بالواقع الأسري من خلال تتبّع الملفات القضائية والاجتهادات العملية. فقد كشف الاشتغال البحثي على هذه القضايا عن حجم الإشكالات التي تعيشها الأسرة المغربية، وما يرافقها من معاناة قانونية واجتماعية، الأمر الذي حفّزني على دراستها دراسة علمية موضوعية، بعيدًا عن أي خلفية شخصية، وبغاية الإسهام في الفهم والتقويم والاقتراح.”
ما أصعب موضوع واجهته أثناء إعداد البحث؟
“من أصعب الموضوعات التي واجهتني أثناء إعداد البحث كان التعامل مع القضايا المتعلقة بالجرائم الجنسية الزوجية، لما تنطوي عليه من حساسية أخلاقية واجتماعية، وصعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة، بالإضافة إلى تباين الاجتهادات القضائية بين القضاة، واختلاف التقديرات بين الفقهاء في المقاربة الشرعية. وقد تطلّب ذلك جهداً مضاعفاً في الموازنة بين النصوص الشرعية، والإطار القانوني، والوقائع العملية لضمان تحليل موضوعي ومتوازن.”
دكتور يونس، كيف تصف علاقتك بالقضايا الأسرية منذ بداياتك الأكاديمية، وهل ترى نفسك محركاً للتغيير القانوني والاجتماعي في هذا المجال؟
“بدأت علاقتي بالقضايا الأسرية منذ بداياتي الأكاديمية بوصفها مجالًا علميًا يجمع بين البعد الشرعي والبعد القانوني والبعد الاجتماعي، ثم تعمّق هذا الاهتمام مع الاشتغال على النصوص المنظمة والاجتهادات القضائية، وما تكشفه من إشكالات واقعية تمسّ استقرار الأسرة المغربية. ومع مرور الوقت تحوّل هذا الاهتمام إلى مشروع بحثي يسعى إلى الفهم والتحليل والتقويم.
ولا أنظر إلى نفسي بوصفـي محركًا مباشرًا للتغيير، بقدر ما أرى دوري متمثلًا في الإسهام العلمي الرصين الذي يوفّر أرضية معرفية تساعد المشرّع والقاضي والفاعل الأسري على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا واتزانًا، على أمل أن يكون للبحث العلمي أثره التراكمي في التغيير القانوني والاجتماعي.”
ما الرسالة الأخلاقية أو المجتمعية التي تأمل أن تصل إلى القراء من خلال هذا الكتاب؟
“أطمح من خلال هذا الكتاب إلى إيصال رسالة مفادها أن الأسرة ليست مجرد إطار قانوني أو اجتماعي، بل هي نواة المجتمع وأساس استقراره. ولذلك، يجب التعامل مع القضايا الأسرية بحسّ عالٍ من المسؤولية والوعي، والحرص على التوازن بين الحقوق والواجبات، مع مراعاة المقاصد الشرعية والقيم الأخلاقية. كما أريد أن يدرك القراء أن الفهم العلمي للقوانين والاجتهادات القضائية يمكن أن يكون أداة عملية لتعزيز الاستقرار الأسري، والوقاية من النزاعات، وبناء علاقات زوجية صحية قائمة على الاحترام المتبادل والتفاهم.”
كيف ترى دور الفقه والقانون في حماية الأسرة المغربية المعاصرة من الانزلاقات الاجتماعية والقانونية؟
“يلعب الفقه والقانون دورًا تكامليًا في حماية الأسرة المغربية المعاصرة من الانزلاقات الاجتماعية والقانونية. فالفقه الشرعي يوفر الإطار القيمي والأخلاقي الذي يرسّخ المبادئ الأساسية للعلاقة الزوجية وحفظ الحقوق والواجبات بين الزوجين، بينما يوفر القانون، وبخاصة مدونة الأسرة، آليات عملية لتنظيم هذه العلاقات ومعالجة النزاعات عند وقوعها. وعبر هذا التوازن بين الإطار الشرعي والتطبيق القانوني، يتمكن المجتمع من ضبط السلوكيات، حماية الكرامة الأسرية، وتعزيز استقرار الأسرة، ما يحدّ من الانزلاقات الاجتماعية ويخفف من النزاعات القانونية.”
لماذا اخترت مجموعة كلتورا الدولية للنشر لتكون شريكاً في هذا المشروع العلمي، وما الذي يميزها في تقديم أعمال أكاديمية مثل هذا الكتاب؟
“اخترت مجموعة كلتورا الدولية للنشر لشراكتها المتميزة في دعم المشاريع العلمية والأكاديمية، ولخبرتها الطويلة في تقديم الكتب البحثية بطريقة احترافية تضمن دقة الطباعة وجودة الإنتاج، مع احترام المعايير الأكاديمية في العرض والتنظيم. كما تميزها القدرة على الوصول إلى جمهور واسع من الباحثين والمهتمين، وهو ما يعزز أثر العمل العلمي ويتيح له التأثير على مستوى أوسع، سواء على الصعيد الأكاديمي أو المجتمعي. اختيارها يعكس حرصي على أن يكون هذا الكتاب مدعومًا بمنصة نشر موثوقة تواكب قيم البحث العلمي وتضمن وصول المعرفة بأفضل صورة ممكنة.”
ما الذي يميز كتابك عن الكتب الأخرى في القانون الأسري؟ هل يمكن أن يكون مرجعًا عمليًا للقضاة والمحامين والباحثين على حد سواء؟
“هذا الكتاب لا يزعم أنه الأفضل أو المرجع النهائي في القانون الأسري، بل هو محاولة علمية تهدف إلى رصد الإشكالات الأسرية المعاصرة، وتحليلها وتقديم إجابات منهجية عليها. الغاية منه تقديم رؤية موضوعية تستند إلى التأصيل الشرعي، والتحليل القانوني، والرصد الميداني للاجتهادات القضائية، لإثراء النقاش العلمي وتوفير مادة بحثية قابلة للنقاش والتطوير، دون ادعاء الشمولية أو الكمال.”
كيف تعكس هذه الدراسة عمق البحث والدقة العلمية التي تهتم بها دار النشر؟
“تعكس هذه الدراسة عمق البحث والدقة العلمية التي توليها دار النشر من خلال اعتمادها على منهجية دقيقة تجمع بين التأصيل الشرعي، والتحليل القانوني، والرصد الميداني للاجتهادات القضائية المغربية. فقد حرص البحث على تقديم المعطيات بشكل موثّق ومبني على الأدلة، مع تقديم تحليل نقدي متوازن للإشكالات الأسرية، بما يتوافق مع معايير الجودة الأكاديمية التي تعتمدها دار النشر في تقييم وإصدار الأعمال العلمية. بذلك، يكون الكتاب مثالاً على التزام البحث العلمي بالدقة والموضوعية والجدية في الطرح.”
خلال بحثك ومقابلاتك مع القضاة والمحامين والفاعلين الحقوقيين، هل كانت هناك قصص أو مواقف أثرت فيك بشكل شخصي؟
“بطبيعة الحال، لا يخلو الاشتغال الميداني من مواقف إنسانية تترك أثرًا في الباحث، خاصة عند الاستماع إلى قضاة ومحامين وفاعلين حقوقيين وهم يسردون وقائع أسرية معقدة وما ترتب عنها من معاناة حقيقية للأطراف، ولا سيما الأطفال. غير أنّ هذه المواقف لم تؤثر فيّ من زاوية شخصية بقدر ما عمّقت لدي الإحساس بالمسؤولية العلمية، وعززت القناعة بضرورة تناول هذه القضايا بقدر عالٍ من الدقة والإنصاف، بعيدًا عن التهويل أو التبسيط، مع الحفاظ على مسافة منهجية تضمن موضوعية التحليل.”
هل واجهت مقاومة أو تحديات فكرية أثناء تناول قضايا حساسة مثل الجرائم الزوجية، وكيف تغلبت عليها؟
“نعم، واجهت تحديات فكرية كبيرة أثناء تناول قضايا حساسة مثل الجرائم الزوجية، إذ تتشابك فيها الاعتبارات الشرعية والقانونية والاجتماعية، مع حساسية عالية للطرفين وخصوصية المعلومات. وقد ظهرت هذه التحديات أيضًا في ضرورة التعامل مع مفاهيم قد تختلف حولها الآراء الفقهية والقضائية، ما استدعى مزيدًا من التدقيق والتمحيص.
وللتغلب على هذه الصعوبات، اعتمدت على منهجية متكاملة تجمع بين التأصيل الشرعي، والتحليل القانوني، والرصد الميداني للاجتهادات القضائية، مع الحرص على موضوعية الطرح ودقته، والابتعاد عن الأحكام المسبقة أو الانطباعات الشخصية، مما أتاح تقديم دراسة متوازنة وموثوقة في قضايا حساسة للغاية.”
كيف توازن بين رؤيتك القانونية والفكرية وبين إحساسك الإنساني بالمعاناة الأسرية التي تدرسها؟
“أحاول دائمًا الفصل المنهجي بين الإحساس الإنساني بالمعاناة الأسرية، وهو إحساس مشروع ولا يمكن تجاهله، وبين الرؤية القانونية والفكرية التي تقتضي التحليل الهادئ والموضوعي. فالجانب الإنساني يدفعني إلى الاهتمام بالقضية والإنصات لمعاناة الأطراف، بينما يفرض عليّ الواجب العلمي ضبط هذا الإحساس بمنهجية دقيقة، تحول التعاطف إلى فهم، والفهم إلى تحليل، والتحليل إلى مقترحات قابلة للنقاش والتطبيق. وبهذا التوازن، لا يتحول البحث إلى سرد عاطفي، ولا يفقد في الوقت نفسه روحه الإنسانية.”
هل تخطط لتقديم أعمال أخرى في المستقبل تتعلق بالقانون الأسري أو النوع الاجتماعي؟
“نعم، هناك خطة للاستمرار في البحث العلمي في مجالات القانون الأسري والقضايا المرتبطة بالنوع الاجتماعي، إذ أرى أن هذه المواضيع لا تزال غنية بالإشكالات والتحديات العملية والفقهية التي تستحق الدراسة. وأطمح في المستقبل إلى تقديم دراسات متعمقة تركز على النوازل المعاصرة، وتحليل الاجتهادات القضائية، وربطها بالمقاصد الشرعية والاجتماعية، بهدف إثراء النقاش العلمي والمساهمة في تطوير الممارسة القانونية والأسرية بالمغرب.”
نشكر “الدكتور يونس المغاري” على هذه المعلومات القيمة، و على حضوره القوي، و حواره المثمر، و نرفع له القبعة نظرا لجرأته في اختيار الموضوع، و نظرا لكون المجتمع المغربي يحتاج لأمثاله من أجل استنطاق الواقع المسكوت عنه، كما نفتخر مجددا و مجددا بمؤسستنا العظيمة، “تيلي ناظور”، التي تستقبل بشكل مستمر نخبة المفكرين من شتى بقاع العالم، أمثال الباحث “د.يونس المغاري”، و نقول للجمهور “المميزة بالأصفر” تجمعنا.




