الكاتب سعيد الحافظ : حتى لو لم يؤمن بك أحد، يكفي أن تؤمن أنت بنفسك.

حاورته: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي
دائما على جريدة تيلي ناظور و في سياق بروز جيل جديد من الكُتّاب و صنّاع المحتوى الذين اختاروا أن يجعلوا من الكلمة أداةً للتغيير و الوعي، يبرز اسم سعيد الحافظ، كاتب شاب، عمره 25 سنة، من مدينة الجديدة، استطاع خلال سنوات قليلة أن يلفت الانتباه بأسلوبه الصادق و رؤيته العميقة للذات الإنسانية.
انطلقت تجربة سعيد الحافظ مع الكتابة قبل خمس سنوات، حين تحوّلت لديه من مجرد وسيلة للتعبير عن المشاعر إلى مشروع يسعى من خلاله إلى التأثير الإيجابي في الآخرين، و مرافقتهم في رحلة البحث عن التوازن الداخلي. و قد تُوّجت هذه المسيرة بإصدار كتابه الأول “يوثيميا”، فيما يستعد لإطلاق عمله الثاني “تأملات في ضوء القمر” ضمن فعاليات معرض الكتاب.
في هذا الحوار نقترب من سعيد الحافظ كإنسان قبل أن يكون كاتبًا، و نستكشف ملامح رحلته من البدايات البسيطة إلى بناء محتوى رقمي هادف، قائم على الوعي الداخلي و تطوير الذات…، و كان الحوار معه كالتالي:
▪︎ قبل أن نبدأ الحديث عن الكتابة و المحتوى … من هو سعيد الحافظ كإنسان بعيدًا عن الألقاب؟


“سعيد الحافظ هو إنسان بسيط، هادئ، يميل إلى العزلة أكثر مما يميل إلى الضجيج. شخص يبحث عن المعنى في التفاصيل الصغيرة، ويحاول أن يفهم نفسه قبل أن يفهم العالم. بعيدًا عن الألقاب، أنا مجرد شاب يحاول أن يكون صادقًا مع نفسه وأن يترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.”
▪︎ كيف تتذكر طفولتك اليوم؟ و هل كانت بيئة ساعدتك على التعبير عن نفسك أم كتمت الكثير داخلك؟
“طفولتي لم تكن بيئة محفّزة على التعبير أو القراءة كما يعتقد البعض. نشأت في وسط بسيط، بعيد تمامًا عن الكتب. كتمت الكثير داخلي، وربما هذا الكتمان هو ما صنع لاحقًا رغبتي القوية في التعبير.”
▪︎ هل تعتقد أن هناك “ندوب طفولة” لا تزال تؤثر فيك إلى اليوم؟ و كيف انعكست على شخصيتك و كتاباتك؟
“أكيد، كل إنسان يحمل شيئًا من طفولته. تلك الندوب لم تكسِرني، لكنها جعلتني أكثر حساسية ووعيًا بمشاعر الآخرين. انعكست في كتاباتي بشكل واضح، حيث أحاول أن ألمس ما يشعر به الناس في صمتهم.”
▪︎ متى بدأت تكتشف فكرة “الطفل الداخلي” داخلك؟ وهل كان التصالح معه رحلة سهلة أم مؤلمة؟
“بدأت أكتشف هذا الجانب عندما بدأت أواجه نفسي بصدق. التصالح لم يكن سهلاً، بل كان مؤلمًا في كثير من اللحظات، لكنه كان ضروريًا لكي أفهم نفسي وأتجاوز أشياء كثيرة.”
▪︎ كيف عشت مرحلة المراهقة؟ و هل واجهت صراعات داخلية أو نفسية شكلت وعيك الحالي؟
“عشت مرحلة مراهقة عادية في ظاهرها، لكنها كانت مليئة بأسئلة داخلية لم أجد لها أجوبة في محيطي. كان الوسط الذي عشت فيه متصالحًا مع بعض الأنماط السلبية والجهل، وهذا ما جعلني أشعر بعدم الانتماء تدريجيًا.”
▪︎ هل مررت بلحظات شك في نفسك أو فقدان للهوية؟ و كيف تجاوزتها؟
“بالعكس، رغم كل الصعوبات التي مررت بها، كنت دائمًا أحاول أن أحتضن نفسي بدل أن أشكك فيها…، كان لدي إيمان داخلي قوي أنني في يوم من الأيام سأتمكن من التأثير في عدد كبير من الناس، وأن أساعدهم ليصبحوا نسخة أفضل من أنفسهم.”


▪︎ متى بدأت رحلة حب الذات لديك؟ و هل كانت نتيجة وعي تدريجي أم صدمة معينة؟
“كانت رحلة تدريجية، لم تأتِ من صدمة واحدة بل من تراكم فهم وتجارب. بدأت أتعلم أن أتقبل نفسي كما أنا، ثم أعمل على تطويرها.”
▪︎ ماذا يعني لك اليوم “التصالح مع النسخة القديمة من نفسك”؟
“يعني أنني لا أكره الماضي، بل أقدّره لأنه هو من صنعني. التصالح هو أن تقول: “كنت كما كنت، وهذا كان جزءًا من رحلتي، وليس عيبًا”.”
▪︎ كيف تفرّق بين حب الذات الحقيقي و الأنانية في زمن يختلط فيه المفهومان؟
“حب الذات الحقيقي يجعلك أفضل مع نفسك ومع الآخرين، بينما الأنانية تجعلك تضع نفسك فوق الجميع.”
▪︎ متى أدركت أن الكتابة ليست فقط شغفاً بل وسيلة شفاء؟
“عندما بدأت أكتب لأفهم نفسي، وليس فقط لأُعجب الآخرين. الكتابة كانت المساحة الوحيدة التي أستطيع فيها أن أكون صادقًا تمامًا.”
▪︎ إلى أي حد تحمل كتاباتك جزءاً من سيرتك الذاتية أو جراحك الخاصة؟
“بشكل كبير. كتاباتي ليست خيالًا، بل هي انعكاس لتجارب ومشاعر عشتها أو فهمتها. أكتب من الداخل، وليس من الخارج.”
▪︎ كتابك “يوثيميا” يحمل دلالة نفسية عميقة، ماذا يمثل لك هذا العمل؟ وما الرسالة التي أردت إيصالها من خلاله؟
” “يوثيميا” يمثل مرحلة بحث عن التوازن الداخلي. أردت أن أقول من خلاله أن السلام النفسي ليس غياب الألم، بل القدرة على التعايش معه وفهمه.”
▪︎ ماذا سيختلف في كتابك القادم “تأملات في ضوء القمر”؟ و هل يعكس مرحلة أكثر نضجاً أو سلاماً داخلياً؟
“الكتاب القادم يعكس نضجًا أكبر وهدوءًا أعمق. هو أقرب للتأمل والمصالحة، وأقل صراعًا من السابق…، أظنه يمثل نسخة أكثر سلامًا مني.”
▪︎ كيف انتقلت من الكتابة الخاصة إلى مشاركة أفكارك مع الجمهور عبر المحتوى الرقمي؟
“لأنني لم أكن أملك وسيلة للتأثير في الواقع، اخترت أن أبدأ من العالم الرقمي. كان ذلك خطوة صعبة، لكنها ضرورية لأصل إلى الناس.”
▪︎ ما أصعب تحدٍ واجهك في بداية صناعة المحتوى؟
“غياب الدعم، والشك في النفس،في بعض الأحيان بالإضافة إلى الانتقادات المبكرة من أشخاص لم يقرأوا حتى ما أقدمه.”
▪︎ هل تشعر أحياناً بضغط تقديم صورة “مثالية” أمام الجمهور؟ و كيف تتعامل مع ذلك؟
“نعم، لكنني أحاول دائمًا أن أكون حقيقيًا أكثر من كوني مثاليًا. الصدق هو ما يبقى.”
▪︎ هل واجهت انتقادات أو محاربة في مسارك؟ و كيف أثرت عليك؟
“واجهت الكثير، خاصة في البداية. كنت حساسًا تجاهها، لكنها مع الوقت أصبحت دافعًا لأثبت لنفسي قبل أي شخص آخر أنني أستطيع.”
▪︎ في المقابل، من كان أكبر داعم لك في رحلتك؟ و هل تتذكر موقفًا غيّر فيك الكثير؟
“في الحقيقة، الدعم الذي تلقيته في البداية لم يكن من الدائرة القريبة كما قد يتوقع البعض، بل جاء غالبًا من أشخاص لا أعرفهم شخصيًا، من متابعين أو قرّاء وجدوا أنفسهم في كلماتي. هذا النوع من الدعم كان صادقًا جدًا، لأنه لم يكن مبنيًا على معرفة سابقة، بل على أثر حقيقي.”
▪︎ ما دور القراءة في تشكيل وعيك؟ وكيف تختار المواضيع التي تكتب عنها؟
“القراءة كانت نقطة التحول في حياتي. بدأت بدافع الفضول، ثم أصبحت وسيلتي لفهم العالم. أختار مواضيعي من الواقع، ومن الأسئلة التي لا أجد لها أجوبة سهلة.”
▪︎ في النهاية، ما الرسالة التي تود إيصالها لكل شاب يعيش صراعاً داخلياً و يبحث عن نفسه؟
“لا تخف من نفسك، ولا من رحلتك…، البداية تكون دائمًا صعبة، لكن الاستمرار هو الفرق. حتى لو لم يؤمن بك أحد، يكفي أن تؤمن أنت بنفسك وتبدأ… والباقي سيأتي مع الوقت.”
▪︎في ختام هذا الحوار، يبدو أن تجربة سعيد الحافظ لا تختزل في كونه كاتبًا أو صانع محتوى فحسب، بل في كونه صوتًا شابًا اختار أن يحوّل تجاربه الشخصية إلى رسائل إنسانية تمسّ الآخرين. بين الكتابة و الوعي، و بين الألم و التصالح، يواصل رسم مساره بثبات، مؤمنًا بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل. و ربما ما يميّز هذه الرحلة هو صدقها؛ صدقٌ يجعل من الكلمة جسرًا نحو الفهم، و من التجربة نورًا يُهتدى به لكل من يبحث عن نفسه في زحمة الحياة.



