عروض واعلانات
حوارات مكتوبة

الكاتبة “آية الرمضاني”: الذكاء الاصطناعي قد يقترح، لكن الكاتب الحقيقي هو من يختار.

حاورتها: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي

“تيلي ناظور” تستضيف اليوم كاتبة شابة من مواليد 21 غشت 2006، كاتبة تتشبث بالهوية و تنفتح على العالم بقلمها…، تنحذر من تزطوطين، إقليم الناظور، و تكتب أولى أعمالها عن “غزة”، فتتعرض للمدح و الذم في آنٍ واحد.

يذكر أنها تتقن التحدث بعدة لُغات، و هي قارئة قبل أن تكون كاتبة، ثم إنها من بين المُدافعين عن “القضية الفلسطينية”قبل تأليف كتابها الأول “غزة الأبية”، إنها المُبدعة الشابة “آية الرمضاني”.

و واصلت مسيرتها بكتابة كتابها الثاني “إن كنت لا تقرأني”، لتلامس به قضايا الهوية و الإنسان، ثم حاولت أن تصنع التغيير، قأسست “مجلة تزطوطين الثقافية”، و هي جزء من فريق عمل “مجلة ريشة الأدب الثقافية” ،و قد حصلت على عدة شهادات اعترافاً بإسهاماتها في الحقل الأدبي و الثقافي.

آية، كل مبدع لديه نقطة انطلاق. متى شعرتِ لأول مرة أن الكتابة ليست مجرد هواية، بل وسيلة للتعبير عن ذاتك وأفكارك؟

“لم أستيقظ يومًا وأقول: سأكون كاتبة. الكتابة تسلّلت إليّ حين ضاق العالم، وحين لم يعد الكلام العادي قادرًا على حملي…، هناك فهمت أن الحروف ليست لعبة، بل بيتٌ أسكنه كلما تهدّدني الصمت…،لم تأتِ الكتابة إليّ بوصفها قرارًا، بل بوصفها نجاة. في لحظة مبكرة أدركت أن الصمت يضيق عليّ، وأن الكلمات وحدها قادرة على ترتيب الفوضى داخلي. منذ ذلك الحين لم تعد الكتابة ترفًا، بل صارت وسيلتي لفهم نفسي، ولمخاطبة العالم دون أن أرفع صوتي.”

خلفيتك العلمية مميزة، ومع ذلك اخترت مسار الأدب الفرنسي. كيف يجمع هذا المزيج بين المنطق والتحليل والخيال والإبداع في كتاباتك؟

“العلوم منحتني الانضباط، و الأدب منحني الحرية. المنطق يعلّمني كيف أبني الفكرة، و الخيال يعلّمني كيف أُحييها. في كتابتي، لا يتصارع العقل و الخيال، بل يتحالفان: أحدهما يزن المعنى، والآخر يمنحه روحًا فبكل واقعية العلم علّمني الصرامة، والأدب علّمني الرحمة…، أحدهما يضع الفكرة على الطاولة، والآخر ينصت إلى نبضها. في نصوصي لا ينتصر المنطق على الخيال، ولا يذوب الخيال في الفوضى؛ كلاهما يتعلّم الإصغاء للآخر.”

في كتابك «غزة الأبية»، تتناولين موضوعًا حساسًا للغاية…، ما الرسالة الإنسانية التي رغبتِ أن يصلها القارئ من خلال هذا الكتاب؟

“أردت أن أقول إن الإنسان ليس رقمًا في نشرة أخبار، و لا صورة عابرة على شاشة. «غزة الأبية» محاولة لاستعادة إنسانية مسلوبة، وللتذكير بأن الألم حين يُكتب بصدق، يتحول من وجع محلي إلى ضمير إنساني مشترك…، يعني أن الإنسان، حتى وهو تحت الركام، يظل أكبر من مأساته. كتبت لأقول إن الألم إذا رُوي بصدق، يتحول من جرحٍ معزول إلى ذاكرة أخلاقية تُحاسب العالم.”

هناك من ينتقد الكتاب بوصفه “استغلالًا” للمعاناة…، كيف تستقبلين هذه الانتقادات، وهل ترين أنها فرصة لتوضيح وجهة نظرك؟

“أؤمن أن كل كتابة صادقة تُساء قراءتها أولًا. لم أكتب لأستثمر الوجع، بل لأمنع نسيانه….، و الاختلاف حول النص دليل على أنه لم يُكتب ليكون محايدًا، كتب ليكون الرأي واقعيا مع او ضد فلا حياد في الظلم كلتا الحالتين يا ظالم يا مظلوم…، أستقبل النقد بهدوء، لأنني أؤمن أن الكتابة الحقيقية تثير الأسئلة قبل أن تنال الإجماع. لم أكتب لأتاجر بالألم، بل لأشهد عليه….، و من يرى في الشهادة استغلالًا، فذلك يفتح بابًا للحوار، لا للخصومة.”

كتابك الثاني «إن كنت لا تقرأني» يمس الهوية و الكرامة…، كيف تختارين المواضيع التي تستحق الكتابة عنها؟

“بكل صراحة اختيار المواضيع تأتي من موقف أو إلهام من شيء ما…، أتعلمين إن أغلب أفكاري استلهمها من موقف عشته أو رأيته…، أكتب عمّا يخصّ الكرامة قبل أي شيء. عن الأسئلة التي نخجل من طرحها، و عن الهويات التي تتعرض للتآكل بصمت. لا ألاحق المواضيع الرائجة، بل تلك التي تلاحقني.أختار ما يؤرق الكرامة، و ما يُقال همسًا في العتمة…، أكتب حين أشعر أن الصمت خيانة، وأن الحبر أقل قسوة من السكوت.”

انتشرت شائعات حول استخدامك للذكاء الاصطناعي في كتاباتك…، كيف تصفين علاقتك بالتقنيات الحديثة، و هل هي بالنسبة لك مجرد أداة مساعدة أم أكثر من ذلك؟

“كتاباتي مشبعة بالمشاعر إلى حدّ أنني أحيانًا لا أعرف كيف أحتملها و أنا أكتب. ما أضعه على الورق ليس صياغة لغوية بقدر ما هو تفريغ لِما دُفن طويلًا في الداخل. لهذا لا أستعمل الذكاء الاصطناعي في كتاباتي أبدًا؛ لأن الآلة قد تُحسن التركيب، لكنها لا تعرف الارتجاف، ولا الذاكرة، ولا ثِقل الشعور حين يُكتب. لكل كاتب بصمته، وبصمتي لا يمكن محاكاتها، لأنها وُلدت من تجربة إنسانية لا تُبرمج…، أما عن الذكاء الاصطناعي فهو أداة بلا ذاكرة، بينما الكتابة ذاكرة تمشي على الورق. قد أستعين به في الترتيب، لكن الجملة التي لا تمرّ عبر القلب، لا أوقّعها باسمي.”

برأيك، كيف يمكن للكتاب الشباب أن يوازنوا بين الإبداع الشخصي واستخدام أدوات مثل الذكاء الاصطناعي دون أن يُساء فهمهم؟

“بأن يظل وفيًّا لصوته الداخلي…، الذكاء الاصطناعي قد يقترح، لكن الكاتب الحقيقي هو من يختار، و يشعر، و يتحمل مسؤولية كلمته…، بأن يعرف أن الآلة تُحسن الاقتراح، لكنها لا تعرف الوجع ولا الإيمان ولا التردّد البشري. الكاتب الحقيقي هو من يحفظ مسافة أخلاقية بينه و بين الأدوات.”

جدك يبدو أنه شخصية محورية في حياتك. ما أثره على مسيرتك الثقافية والأدبية؟

“جدي حفظه الله بكل صراحة كان يقينًا لا يُجادلني، و جذرًا لا يخذلني. منه تعلّمت أن القوة هدوء، و أن الكلمة لا تحتاج إلى ضجيج كي تكون صادقة. جدي هو أول من منحني الإيمان غير المشروط بنفسي. علّمني أن القيمة لا تُستمد من التصفيق، بل من الصدق. حضوره في حياتي منحني جذورًا، و الكتابة لا تزدهر دون جذور.”

أمك، كيف تصفين دورها في دعمك، وفي الوقت نفسه الحفاظ على توازنك بين الحياة الشخصية والمشاريع الأدبية؟

“أمي حفظها الله هي المعنى حين يتعب المعنى. تعرف كيف تتركني أطير، وكيف تعيدني حين أقترب من الاحتراق.”

أبوك، ما هي الحدود أو القيم التي يغرسها فيك والتي تؤثر على اختياراتك الأدبية والفكرية؟

“أبي علّمني أن للكلمة حسابًا، وأن الحرية لا تُفصل عن المسؤولية. هذه القيم تسكن نصوصي حتى حين لا أذكرها.”

تعدد اللغات لديك (الأمازيغية، العربية، الفرنسية، الإنجليزية) يمنحك قدرة على رؤية العالم من زوايا مختلفة. كيف تساعدك هذه المهارات اللغوية على التعبير عن نفسك والتواصل مع جمهور متنوع؟

“كل لغة؛ نافذة. الأمازيغية هي الأصل و الجذور ، العربية روحي، الفرنسية عقلي، و الإنجليزية جسر. هذا التعدد يجعلني أكتب بوعي أوسع، و أخاطب الإنسان قبل الانتماء.”

أنتِ فاعلة جمعوية في جمعية صوت الطفولة و الشباب بالناظور. كيف يتقاطع عملك الاجتماعي مع كتاباتك الأدبية؟ وهل تشعرين أن الكتابة قادرة على أن تُحدث تغييرًا ملموسًا؟

“العمل الجمعوي تجربة فريدة من نوعها لأن العمل مع الناس يذكّرني بأن النص ليس غاية، بل وعد. الكتابة تفتح الجرح، و الفعل يحاول تضميده.”

ما الرسالة الأساسية التي تتمنين أن تصل للقراء من خلال مشاريعك الأدبية والثقافية القادمة؟

“أن نعود إلى ذواتنا دون خوف، وأن نكتب ونقرأ ونفكّر بجرأة ومسؤولية. لا أطمح لإرضاء الجميع، بل لأن أكون صادقة مع قلمي…، أن نتصالح مع أسئلتنا، وأن نكتب لننجو لا لنتزيّن. أريد لأدبي أن يكون أثرًا، لا صدى.”

إذا استطعتِ أن تغيّري نظرة المجتمع للأدب الشبابي، ما أهم شيء ستعملين على تغييره؟

“سأسعى أولًا إلى تحريره من الوصاية. الأدب الشبابي لا يحتاج إلى التشكيك في نضجه، بل إلى قراءة عادلة. كثير من الأصوات الشابة لا تكتب بدافع التجربة، بل بدافع النجاة والفهم والمساءلة. حين نكفّ عن ربط العمق بالعمر، سنكتشف أن بعض الأسئلة الكبيرة لا يطرحها إلا من عاشها مبكرًا…، أن يُنصت له بجدّية. فالشباب لا يكتبون لأنهم صغار، بل لأن العالم أثقل مما ينبغي.”

نشكر الكاتبة الريفية “آية الرمضاني” على جرأتها في الإجابة على كل سؤال في هذا الحوار الذي يحمل الكثير من الشجاعة، و نشكر جريدة “تيلي ناظور” على كل فرصة تعطيها للجمهور ليفتح قلبه لنا.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button