الفنانة فاطمة الزهراء بوقرنة: التواصل مع الجمهور مسؤولية.

حاورتها: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي
تقدّم جريدة تيلي ناظور لقرّائها حوارًا خاصًا مع الفنانة الصاعدة فاطمة الزهراء بوقرنة، ابنة إقليم شفشاون (قرية الشرافات)، التي تبني مسارًا فنيًا متعدّد الملامح يجمع بين المسرح و السينما و التصوير و صناعة المحتوى، منذ انتقالها إلى مدينة تطوان سنة 2016.
و قد بصمت على حضور لافت من خلال مشاركتها في أعمال مسرحية مثل “غنّي معانا” و “لوزيعة”، إلى جانب اشتغالها على مشاريع سينمائية و كبسولات توعوية من بينها “التنمر يقتل الإبداع” و “اللوحة الخفية”.
كما تُوّجت بجائزة أحسن سيناريو في مهرجان إبداعات سينما التلميذ سنتي 2023 و 2025، في تأكيد على تميّز تجربتها و بروزها ضمن جيل فني شاب يحمل رؤية خاصة.

في هذا الحوار، نقترب من مسار فني يتشكّل بهدوء و ثقة، و من تجربة تسعى إلى الجمع بين تعدد المواهب و وحدة التعبير.
▪︎أستاذة فاطمة الزهراء…بين قرية الشرافات و مدينة تطوان، كيف تشكّلت ملامحكِ الأولى كإنسانة قبل أن تتشكّلي كفنانة؟
“بين قرية الشرافات و مدينة تطوان، بدأت تتشكل ملامحي الأولى… بين هدوء القرية وحيوية المدينة، تعلمت كيف أعيش بين عالمين مختلفين، وكل واحد منهما ترك أثره في داخلي…، كان لوالديّ دور كبير في هذا التشكّل، من خلال القيم التي ربّياني عليها، والبساطة التي علماني إياها في النظر إلى الحياة. كما كانت أختي جزءًا من هذه الرحلة، تقاسمنا لحظات صغيرة لكنها عميقة، ساهمت في بناء إحساسي ونظرتي للأشياء…،قبل أن أكون فنانة، كنت إنسانة تراقب، تشعر، وتحتفظ بالتفاصيل… تلك التفاصيل البسيطة التي صنعت عالمي الداخلي…، ثم جاء الفن لاحقًا، ليكون مجرد وسيلة للتعبير عن كل ما كان يسكنني…،هكذا تشكلت فاطمة الزهراء بوقرنة، إنسانة أولًا، ثم فنانة تحمل داخلها قصة بدأت بين البساطة والعمق.”
▪︎انطلقتِ من دار الشباب و النوادي الثقافية… كيف ساهم هذا الفضاء في اكتشافكِ لمواهبكِ المتعددة (التمثيل، الكتابة، التصوير، و صناعة المحتوى)؟
“انطلقتُ من دار الشباب والنوادي الثقافية، وهناك بدأت أكتشف نفسي… لم تكن مجرد فضاءات، بل كانت أول منصة عبّرتُ فيها عن ذاتي…، جرّبت التمثيل، وكتبت، وصوّرت، وصنعت محتوى… ومع كل تجربة، كنت أقترب أكثر من حقيقتي…، منحتني تلك الفضاءات الجرأة لأحاول، لأخطئ، ولأؤمن بأن لدي صوتًا يستحق أن يُسمع.”
▪︎في أي لحظة شعرتِ أن ما تقومين به ليس مجرد تجارب متفرقة، بل مشروع فني متكامل له رؤية و رسالة؟
“لم تكن هناك لحظة واحدة محددة… بل كانت لحظة وعي تراكمت مع الوقت…؛ في البداية، كانت مجرد تجارب متفرقة، أحاول فيها أن أعبّر وأكتشف نفسي… لكن مع كل عمل، بدأت ألاحظ أن هناك خيطًا يجمع بينها، فكرة تتكرر، و إحساس لا يتغير…، في تلك اللحظة، أدركت أن ما أقوم به ليس صدفة، بل امتداد لرؤية داخليّة ورسالة أحاول قولها بطريقتي…، و من هنا تحوّلت التجارب إلى مشروع… مشروع يشبهني، ويعبّر عني.”

▪︎تجربتكِ مع “مسرح الأفق” ووقوفكِ على الخشبة… ماذا أضافت لكِ هذه التجربة على مستوى التعبير، الثقة، و الوعي بالجمهور؟
“تجربتي مع “مسرح الأفق” كانت مرحلة مهمة في مساري، لأنها أضافت لي الكثير على مستوى التجربة والوعي… خاصة وأنها فرقة تشتغل باحترافية…، الوقوف على الخشبة علّمني كيف نعبّر بصدق، وكيف نتحكم في حضوري أمام الجمهور، وأكسبني ثقة أكبر في نفسي…، كما جعلني أعي أن كل حركة وكل كلمة لها تأثير، و أن التواصل مع الجمهور مسؤولية قبل أن يكون مجرد أداء…، بفضل هذه التجربة، لم أعد أرى المسرح فقط كفن، بل كمساحة حقيقية للنضج والتطوّر.”
▪︎كيف انتقلتِ من الأداء المسرحي إلى الاشتغال على السينما و الفيديو، وما الذي تغيّر في أدواتكِ و طريقة تعبيركِ؟
“انتقالي من المسرح إلى السينما كان طبيعيًا… كنت أبحث عن مساحة أوسع للتعبير. في المسرح أعبّر بالجسد والصوت، أما في السينما فتعلمت التعبير بالصورة والصمت والتفاصيل.”
▪︎حصلت على جوائز في كتابة السيناريو… كيف تولد الفكرة لديكِ؟ و هل تكتبين من الواقع أم من إحساس داخلي يتجاوز الواقع؟
“الفكرة تولد عندي من إحساس داخلي… أحيانًا من موقف بسيط في الواقع، لكنه يكبر داخلي ويتحوّل إلى قصة…، أكتب من شعور صادق يتجاوز الواقع أحيانًا.”
▪︎تعتمدين في أعمالكِ على الصورة و الصمت و الرمزية… هل ترين أن ما لا يُقال أحيانًا أقوى مما يُقال مباشرة؟
“نعم، أؤمن أن ما لا يُقال أحيانًا أقوى… لأن الصمت يترك مساحة للمشاهد ليحس ويفهم بطريقته.”
▪︎أعمالكِ تناولت قضايا مثل التنمر و الهدر المدرسي… إلى أي حد تؤمنين بأن الفن يمكن أن يُحدث تغييرًا حقيقيًا في المجتمع؟
“أؤمن أن الفن يمكن أن يُحدث تغييرًا، حتى لو كان بسيطًا… يكفي أن يلمس شخصًا واحدًا.”
▪︎أنت صانعة محتوى بروح فنانة..، كيف توفّقين بين صناعة محتوى رقمي سريع الإيقاع (Reels) و بين أعمال فنية عميقة تحتاج وقتًا و تأملًا؟
“أحاول أن أوازن بين الاثنين… المحتوى الرقمي سريع وقريب من الناس، بينما الأعمال الفنية تمنحني عمقًا أكبر. وكل واحد يكمل الآخر.”
▪︎تجربتكِ كمصوّرة فوتوغرافية و صحافية… كيف أثّرت على نظرتكِ للصورة السينمائية و على طريقة التقاطكِ للتفاصيل؟
“التصوير والصحافة علّماني الانتباه للتفاصيل… وهذا أثّر على نظرتي للصورة السينمائية، حيث أصبحت كل لقطة تعني لي شيئًا.”
▪︎انخراطكِ في العمل الجمعوي وتكوينكِ داخل مركز أجيال… كيف ساهم هذا الجانب في توسيع وعيكِ الفني و الإنساني؟
“العمل الجمعوي وتكويني داخل مركز أجيال وسّعا وعيي، وقرّباني أكثر من الناس وقصصهم، وهذا انعكس على أعمالي.”
▪︎أمام كل هذه المسارات (مسرح، سينما، تصوير، محتوى رقمي، عمل جمعوي)… كيف ترين مشروعكِ الفني في المستقبل؟ وهل تطمحين لصناعة بصمة خاصة تجمع كل هذه العوالم؟
“أرى مشروعي الفني يتطوّر ليجمع كل هذه التجارب…، و أطمح لصناعة بصمة خاصة تعبّر عني وتصل إلى الناس بصدق…، في الختام، أود أن أتقدم بجزيل الشكر للجريدة على هذه الفرصة وعلى اهتمامها بتجربتي المتواضعة…، كما أشكر كل من دعمني ووقف بجانبي في هذه الرحلة، من عائلتي، والديّ و أختي، إلى صديقتي التي كانت دائمًا بجانبي.”
▪︎في ختام هذا الحوار، يتبيّن أن فاطمة الزهراء بوقرنة لا تكتفي بخوض تجارب فنية متعدّدة، بل تعمل على بناء مسار متكامل تنسج فيه بين المسرح و السينما و التصوير و صناعة المحتوى بخيط واحد من الشغف و الوعي. بخطى هادئة و رؤية واضحة، تواصل ترسيخ حضورها ضمن جيل جديد من المبدعين، واضعةً لنفسها مكانًا يتشكل مع الوقت و يزداد عمقًا مع كل تجربة…، تجربة تستحق الالتفات، و مسار يظل مفتوحًا على آفاق أوسع في المستقبل.






