الشاعر و الناشر و الإعلامي “ياسين عرفة اللغميش”: سيبقى المُؤلِّف هو من يكتب بدافع المعنى لا الأداة.

حاورته: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي
أهلا بكم مجددا في حوار ليس كالبقية، لأول مرة سأشكر “تيلي ناظور” في المقدمة بدل الخاتمة، و لأول مرة سأوجه الأسئلة ككاتبة أكثر من كوني إعلامية، ككاتبة “ذات قلم صادق، تقليدي نوعا ما، يشبهني في الثبات على المبادئ”، حوار خلقته لنفسي قبل القارئ، و بين الإستسلام و الإحباط و العودة بثقة كاملة و خُطوات ثابتة، وُلد كل سؤال يستنطق المسكوت عنه داخل هذه الأسطر.
أستضيف اليوم، صديقي الصدوق، الناشر و الإعلامي و الشاعر، المتألق دائما أينما وضع أنامله، مدير “مجموعة كلتورا الدولية للنشر والتوزيع و الإعلام” ،… فاعل جمعوي يهمه النهوض بالشباب، المُدرِّب “ياسين عرفة اللغميش”.
و بين التدريب و القراءة و الإشراف على صناعة الكتب و تعلم مخارج الحروف العربية و صفاتها الأساسية و تلاوة القرآن، حصلنا اليوم على ناشر يجمع بين الوعي و المسؤولية، و على دار نشر تجمع بين “الورقي والرقمي” و تُحارب “الثقافة المعلبة” من خلال مصداقيتها التي تعتبر وليدة تعب سنوات، من أجل بناء خبرة كاملة و هيكل مهني لا ينهزم.
أستاذ “عرفة”…، ما اللحظة التي شعرت فيها أنّ الانتقال من العمل داخل دور النشر إلى إطلاق مشروعك الخاص لم يعد مجرد طموح، بل ضرورة وجودية لمسارك؟
“لم تكن لحظة خاطفة، بل تراكم وعي طويل…،كل تجربة داخل مؤسسة، كل كتاب راجعته، كل كاتب رافقته، كان يرسّخ في داخلي سؤال المعنى: هل أؤدي دورًا أم أؤسس رؤية؟….،في نقطة معينة، صار الاستمرار داخل أطر جاهزة نوعًا من الإنكار للذات. عندها فهمت أن التأسيس ليس مغامرة، بل استجابة أخلاقية لمسار تشكّل عبر القراءة، والإعلام، والعمل الثقافي، ومواكبة الشباب.”
ما أبرز فجوة لمستها في سوق النشر المغربي والعربي وجعلتك تفكر بجدية في تأسيس رؤية جديدة للنشر؟
“الفجوة الأعمق كانت غياب الرؤية المندمجة…،النشر غالبًا يُختزل في الطباعة والتوزيع، بينما يُهمل السؤال الأهم: ماذا بعد الكتاب؟…،كنت أبحث عن نشر يُرافق، يُعلّم، يُناقش، ويشتغل مع الإعلام والتنمية الذاتية لصناعة أثر ثقافي ممتد لا منتج معزول عن الثقافة والوعي …”
كيف أثّر احتكاكك المبكر بالكتّاب والمبدعين على وعيك بصناعة الكتاب؟
“جعلني أرى الكتاب ككائن حيّ، لا كملف تقني…،الكاتب لا يحتاج فقط إلى ناشر، بل إلى من يفهم هشاشته وقوة صوته في آن…، ومن هنا وُلد إيماني بأن النشر الحقيقي مسؤولية إنسانية قبل أن يكون صناعة.”
هل منحتك تجربة التأسيس مساحة أكبر للابتكار مقارنة بتجاربك السابقة داخل دور النشر؟
“بالتأكيد…،التأسيس منحني حرية التفكير خارج القوالب، وربط النشر بالإعلام، وببرامج التنمية الذاتية، وبمواكبة الشباب ثقافيًا وفكريًا…،صار الابتكار عندي ليس في الشكل، بل في تصميم منظومة ثقافية متكاملة.”
ما النماذج التي استلهمت منها روح مشروعك: عربية، عالمية، أم محلية تشبهك في طموحها ومسارها؟
“استلهمت من كل تجربة صادقة تحترم الإنسان والمعرفة، دون استنساخ…،لكن النموذج الأعمق كان الوعي بأن لكل مشروع روحه الخاصة…،كلتورا ليست تقليدًا، بل تركيبًا واعيًا لتجارب متعددة صهرتها الهوية المغربية والانفتاح العالمي.”
كيف تفهم التكامل بين النشر الورقي والرقمي في رؤيتك الجديدة؟
“الورقي يمنح العمق والذاكرة، والرقمي يمنح الانتشار والحضور العالمي…،التكامل هو أن نخدم المعنى لا الوسيط، وأن نجعل التكنولوجيا جسرًا للكتاب لا بديلًا عنه.”
ما الدور الذي تتمنى أن تلعبه دارك في المشهد الثقافي المغربي خلال السنوات المقبلة؟
“أن تكون منصة وطنية برؤية عالمية…، تُعرّف بالأدب المغربي، وتبني شراكات مع مؤسسات دولة وجامعات داخل المغرب وخارجه، و تجعل من الثقافة المغربية فاعلًا في حوار الحضارات لا متلقيًا فقط.”
أيّ المجالات الثقافية ترى أنها الأكثر حاجة اليوم لدفعة قوية: الأدب، الفكر، الإعلام، أم التنمية الذاتية؟
الحاجة اليوم إلى الدمج لا إلى المفاضلة…، الأدب دون فكر… هش، و الفكر دون إعلام… معزول، و التنمية الذاتية دون ثقافة… سطحية…، المستقبل لمن يشتغل على المساحات البينية.”
كيف توازن بين روح الثقافة ورسالة الوعي من جهة، ومتطلبات السوق والبيع من جهة أخرى؟
بوضوح القيم…؛ لا مشروع ثقافي يستمر دون تخطيط اقتصادي، و لا معنى للربح إن لم يكن في خدمة رسالة…، في كلتورا، السوق وسيلة، والوعي غاية.
برأيك، كيف يمكن الانتقال بالقراءة من عادة فردية إلى مشروع مجتمعي يُغيّر الوعي؟
“حين نربط القراءة بأسئلة الشباب…، ونُخرج الكتاب من النخبوية إلى الفضاء العام،
ونُشرك الإعلام والمدرسة والمجتمع المدني في صناعة قارئ واعٍ.”
ما التحدي الأكبر الذي أدى إلى تراجع علاقة الشباب بالكتاب؟ وكيف يمكن استعادة الجسور المقطوعة؟
“التحدي هو الإحساس بالانفصال عن الواقع…؛ والحل هو خطاب ثقافي جديد، يُخاطبهم بلغتهم دون التفريط في العمق.”
كيف تتعامل مع المواهب الشابة التي تحمل صوتًا جديدًا لكنها لم تجد من يؤمن بها بعد؟
“أتعامل معها باعتبارها طاقة لا مشروعًا ناقصًا…؛ الإيمان، التوجيه، والمسؤولية المشتركة هي الأساس.”
ما المعايير التي تعتمدها في اختيار الكتب أو الأصوات التي تستحق الدعم والنشر؟
“الصدق…،العمق…، والقدرة على إضافة قيمة حقيقية للنقاش الثقافي.”
في رأيك، ما الدور الحقيقي الذي ينبغي أن تلعبه المدرسة والجامعة في تشكيل جيل قارئ بوعي؟
“أن تعلّم التفكير لا التلقين، وأن تجعل من القراءة ممارسة حياة لا التزامًا دراسيًا.”
كيف تُقيم حضور الإعلام المغربي اليوم في دعم الثقافة والكتاب
“الإمكانات موجودة…، لكن الثقافة تحتاج إلى موقع مركزي داخل الخطاب الإعلامي…، وهنا يبرز دوري كمشتغل بالإعلام في ردم الهوة بين الثقافة والجمهور .”
هل يمكن للثقافة، برصانتها وعمقها، أن تنافس الترفيه السريع في زمن المنصات الرقمية؟
“نعم…، إذا قدّمت نفسها بذكاء،
واحترمت عقل المتلقي دون تعالٍ.”
ما الفرق الجوهري بين “صناعة المحتوى” و”صناعة الوعي” كما تراها أنت؟
“المحتوى يُستهلك…، الوعي يُعيد تشكيل الإنسان.”
كيف تنظر إلى دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى عالم النشر و صناعة الكتاب؟
“أراه أداة قوية…، قيمتها فيما نضعه فيها من رؤية إنسانية.”
هل يمثل الذكاء الاصطناعي تحديًا أم فرصة للناشرين الشباب برؤى جديدة مثلك؟
“فرصة استراتيجية، إذا استُخدم للتخطيط والتحليل لا لإلغاء الروح الإبداعية.”
كيف يمكن للناشر أن يستفيد من الذكاء الاصطناعي من غير أن يفقد الإبداع الإنساني أصالته؟
“بأن يترك للآلة ما هو تقني،ويحفظ للإنسان القرار الجمالي والفكري.”
هل تعتقد أنّ مفهوم “المؤلف” سيتغير مستقبلًا مع تطور أدوات الكتابة الذكية؟
“سيتغير الشكل…، لكن سيبقى المؤلف هو من يكتب بدافع المعنى لا الأداة.”
كيف يمكن للتكنولوجيا أن تُقرب الكتاب من الأجيال الجديدة بدل أن تُبعدهم عنه؟
“حين تُستخدم كمدخل للقراءة لا كبديل عنها.”
ما التجربة الإنسانية أو الفكرية التي تركت أعمق أثر في وعيك ومسارك الثقافي؟
“القرآن…، لأنه علّمني أن اللغة أمانة، وأن الكلمة مسؤولية أخلاقية.”
كيف انعكست تلك التجربة على رؤيتك لدعم المواهب وبناء المشاريع الثقافية؟
“جعلتني أؤمن بالصبر، وبأن البناء الحقيقي يبدأ من النية الصادقة.”
لو طُلب منك تلخيص رسالتك في الحياة في جملة واحدة… ماذا ستقول؟
“أن أبني وعيًا يحرّر الإنسان لا يُعلى عليه.”
كيف تتمنى أن يُذكَر اسم ياسين عرفة اللغميش في ذاكرة الثقافة المغربية مستقبلاً؟
“كمن جعل من الثقافة مشروع حياة، ومن الكتاب جسرًا بين المغرب والعالم.”
كيف ساهمت تلاوتك للقرآن و تجويده في تشكيل ذوقك اللغوي و رؤيتك الجمالية للنصوص؟
“علّمني الإيقاع، والاتزان، والصدق ، والإحترافية، واحترام الكلمة.”
ما اللحظة التي اكتشفت فيها أنك شاعر، وأن اللغة ليست مجرد أداة بل موطن داخلي؟
“حين صرت أعود إلى اللغة لأفهم نفسي قبل أن أُخاطب غيري.”
كيف تختار الكتب التي تُغذي روحك قبل عقلك؟
“أختار ما يفتح الأسئلة، وما يربكني بما يكفي لأتغير.”
هل للقرآن والشعر دور في بناء هدوئك الداخلي وطريقتك الراقية في التعامل مع الناس؟
“نعم…،لأن من عاش مع المعنى، والقيم والعبر … ،يصعب عليه أن يكون قاسيًا مع البشر.”
نستأذنكم لإنهاء حوار شئنا لو أتى و لم يُغادرنا، كان بسيطا في مظهره، عميقا في معناه، و بين كل قراءة و قراءة له، نكتشف لكل كلمة ألف معنى و معنى، و تظهر من خلاله كفاءة ضيفنا، الأستاذ “ياسين عرفة اللغميش”، و ختاما نقول للعظيمة “تيلي ناظور” دُمت مميزة عن البقية و دام الرقي عنوانا لفريقنا.







