الشاعرة و الروائية أفنان جولاني: القدس سيدتي و سيدة الأرض.

حاورتها: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي
تيلي ناظور تعبُر الجسور بالكلمة و تفتح هذا الحوار مع الكاتبة و الشاعرة الفلسطينية أفنان جولاني (أبو عصب)، ابنة القدس، و واحدة من الأصوات الأدبية التي استطاعت أن تفرض حضورها في المشهد الثقافي العربي من خلال تجربة إبداعية تجمع بين الشعر و الرواية. هي عضو في اتحاد الكتاب و الأدباء الفلسطينيين و اتحاد الكتاب والأدباء العرب، و قد أصدرت سبعة مؤلفات تنوعت بين الدواوين الشعرية و الروايات، من بينها روايتها الأولى “كان لي” التي شكلت محطة بارزة في مسارها الأدبي.
عرفت أفنان جولاني بمشاركاتها في مهرجانات و محافل أدبية دولية، حيث مثّلت صوت فلسطين، حاملة الكلمة الصادقة إلى فضاءات أوسع، كما تُرجمت أعمالها إلى عدة لغات، ما ساهم في إيصال تجربتها الإنسانية إلى جمهور عالمي. و إلى جانب الكتابة الإبداعية، لها حضور في مجال الأبحاث الإنسانية، مما يضفي على نصوصها عمقًا فكريًا وإنسانيًا.
في هذا الحوار، نقترب من عالمها الأدبي و الإنساني، و نحاول استكشاف ملامح تجربتها، و رؤيتها للكتابة، و دورها في التعبير عن الإنسان و القضية.
▪︎بدايةً، كيف انطلقت رحلتكِ مع الكتابة، و متى شعرتِ أن الأدب أصبح جزءًا أساسيًا من هويتكِ؟
“بدأت رحلتي مع الكتابة منذ الطفولة، حين كنت في الحادية عشر من عمري حيث كنت أنشر في صحيفة القدس كل يوم جمعة خاطرة و كنت أكتب في مجلة المدرسة و أحفظ القصائد و المعلقات و أهوى الشعر و الكتابة كنت قارئة نهمة، و عند سن الحادية عشر كنت قد قرأت الكثير من الكتب من الأدب الانجليزي و الروسي و العربي تأثرت كثيراً بوليم شكسبير و دوستويفسكي و ألكسندر بوشكين و حنا مينه و نجيب محفوظ و ميخائيل نعيمة و مى زيادة و أحمد شوقي و أحمد رامي و نزار قباني و و أحلام مستغانمي ، و محمود درويش و الكثير الكثير من كبار الشعراء و الأدباء في العالم و الوطن العربي و حينها أدركت تماماً أن الأدب هو أكثر ما أميل لأن يكون جزءاً مني و من هويتي فكان والدي يشجعني دائما و يقول لي لك مستقبلا أدبياً باهرا و كذلك أستاذ اللغة العربية في المدرسة للمرحلتين الإعدادية و الثانوية فكان يقول لي لك مستقبل مشرق على الساحة الأدبية، و عندما وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم قال لي لم تخيبي ظني فيك أبدا كنت أرى نفسي دائما أنني سأكون صوتاً أدبياً مؤثراً على المجتمع و الإنسانية مستقبلا، إلى أن التقيت ذات يوم مع الشاعر الكبير محمود درويش و سفيرة فلسطين بفرنسا ليلى شهيد الذي كان من المفترض لقاءهما في فرنسا مع وفد من القنصلية الفرنسية و بعض من الطلاب المجتهدين و الذين سيتجهون باستكمال مسيرتهم التعليمية في فرنسا و كنت أنا من ضمنهم لكن بسبب الانتفاضة الثانية التي كانت وقتها منعنا من السفر و بقينا في البلاد فجرى اللقاء على الشاشات و أخبرت درويش حينها كان مقيما بفرنسا أنني أحلم بأن أكون مثله و أريد مساعدته بعملي الأول فابتسم مرحبا و قال لي أعدك عندما تنهي مرحلتك الدراسية في المدرسة ( حينها كان عمري خمسة عشر عاما) سأدعمك أنا و سأنشر لك عملك الأول تحت إشرافي، و ظل الحلم و تغيرت الحياة و الظروف و لم أذهب إلى فرنسا و رحل درويش و رحلت كل الأحلام معه و بعدها تزوجت و كونت عائلة جميلة أصبحت تدعمني اليوم و اكتشفت أن الأحلام تحقق و لا شيء مستحيل فكل منا له رسالة على هذه الأرض بالتأكيد لم أتوقف عن الكتابة في كل تلك الفترة السابقة و لكن حين أدركت أن حروفي قد نضجت ، قررت أن أبدأ النشر، ومع مرور الوقت، لم تعد الكتابة مجرد وسيلة تعبير، بل أصبحت جزءًا من تكويني الداخلي، هويةً أعيش بها ومسؤوليتي تجاه الإنسان.”
▪︎ما الدور الذي لعبته القدس في تشكيل رؤيتكِ الإبداعية والإنسانية؟
“القدس ليست مكانًا فحسب، القدس سيدتي و سيدة الأرض هي مسقط رأسي فأنا ولدت و ترعرعت و نشأت فيها، القدس الجميلة هي المدينة التي تغنى بها الشعراء هي أرض الأنبياء و مهد الرسالات السماوية، القدس علمتني أن أكتب عن جمال أسوارها و شوارعها و أزقتها و بيوتها و شجر الزيتون الذي ينبت على قمم الجبال فيها، وهي التي منحتني توازنا بين الألم والجمال، و بين الحنين و الصمود. من شوارعها تعلمت أن أكتب بوعي، و أن أرى الإنسان في أعمق تجلياته.القدس تاريخنا و تراثنا و أرضنا و أرض أجدادنا و أولادنا، كتبت لها العديد من القصائد أهمها امرأة مقدسية و كتبت لها رواية عبق الأرض التي كل أحداثها تدور حول القدس.”
▪︎تكتبين الشعر و الرواية معًا، كيف توفقين بين هذين العالمين المختلفين؟


“الشعر هو لحظة الانفعال المكثف، و الشعر هو رسالة و لكن بحالة مختلفة عن الرواية و هذه رسالة خالدة لأنها تحاكي الإنسان برقي الكلمات و أسمى المعاني و التصورات الجمالية ببوح شاعري موسيقي ، أما الرواية فهي مساحة الامتداد والتفصيل و التي نوثق فيها مشاهد حياتنا في فلسطين و جميع مدنها و خاصة القدس و تظل الحكاية التي تجسد حالة الأنسان تتوارثها الأجيال و هي بعيدة بعداً تاماً عن الخيال، في الرواية نكتب المشهد الحقيقي الصادق، أتنقل بينهما بانسانيتي بقضيتي فالقضية الفلسطينية تكتب نفسها بنفسها.”
▪︎من بين مؤلفاتكِ، ماذا تمثل لكِ رواية “كان لي” و دواوينكِ الشعرية في مسارك الأدبي؟
” “كان لي” تمثل جزءًا عميقًا من ذاكرتي الإنسانية، فهي روايتي الأولى ابنتي البكر كما نقول و نتاجي الأول و أولى خطواتي على درب الأدب و ترجمت للغتين التركية و الانجليزية و شاركت بجميع معارض الدول العربية و رشحت لجائزة الشيخ زايد لعام 2023 و هي انعكاس لتجارب ومشاعر إنسانية بحته و هو ما يهمني بمسيرتي و رسالتي الأدبية. أما دواويني الشعرية فهي صوتي الداخلي كفلسطينية و كامرأة عربية و هي صوت قضيتي و الإنسان معاً فقضيتي الفلسطينية جزء لا يتجزأ من القضية الإنسانية و هي حالة الحب حب الوطن و حب الإنسان و حب الذات تعكس القوة و الإصرار اللذان في داخلي و هذه الصفات التي يجب أن تكون في داخل كل امرأة عربية فلسطينية.”
▪︎كيف تولد القصيدة أو الفكرة الروائية لديكِ؟ و هل تنطلق غالبًا من تجربة شخصية؟
“تولد القصيدة من لحظة صدق، من خلال تجربة أو مشهد حقيقي أثر في داخلي الولادة الحقيقة هي نابعة من الموهبة فلا يوجد أديب غير موهوب، أما الفكرة فهي من إحساس راسخ أو عابر يتحول إلى لغة و يندمج مع الموهبة، أما الرواية فتبدأ بفكرة صغيرة واقعية حقيقية من مجتمعنا من حياتنا اليومية من أحداث نواجهها يومياً تؤثر فينا فتجعلنا نتمرد على الواقع و نخلق منه تحدٍ نعبر عنه بأقلامنا ليعلو صوت الحق و لنوثق حياتنا ماضيها و حاضرها لتصل للعالم و تؤثر في قلب كل إنسان.”
▪︎بصفتكِ كاتبة فلسطينية، كيف تحضر القضية الفلسطينية في نصوصكِ؟
“القضية الفلسطينية حاضرة في نصوصي كلها فهي جزء لا يتجزأ من هويتي وكتابتي عن القضية هي نوع من أنواع المقاومة فأنا أكتب بداية عن جمال طبيعة وطني فلسطين و تراب فلسطين أكتب عن شجر الزيتون و زهر اللوز أكتب عن البحر و النهر و البحيرة أتغنى بجمال مدنها و مقدساتها أكتب عن الطفل و الشاب و المسن أكتب عن الأسير و الشهيد و أكتب عن الأم الفلسطينية القوية الصابرة المثابرة التي لا تنكسر مهما تمر عليها ظروف قاسية ، و أكتب عن كرامة الإنسان التي يستحقها بالنهاية الفلسطيني هو إنسان اضطهد، و انتهكت حقوقه على أرضه و سلبت حريته و هذا ليس شعاراً بل هو واقع مرير أعبر عنه بقلمي فمن الضروري توثيق كل هذه الأحداث بالقصائد و الروايات لتصل للعالم أجمع، كحياة يومية وتفاصيل إنسانية أحاول أن أنقلها بصدق، لتصل كإحساس حي إلى القارئ.”
▪︎هل تؤمنين بأن الأدب يمكن أن يكون شكلًا من أشكال المقاومة؟ و كيف تجسدين ذلك في أعمالكِ؟
“نعم، أؤمن أن الأدب مقاومة راقية، مقاومة بالكلمة والوعي. أكتب لأحفظ الذاكرة، و المشهد الحقيقي و أقول إننا هنا، نحن شعب يحب الحياة و فلسطين تستحق الحياة و نستحق الفرح و نستحق أن يكون لنا أبسط حقوق الإنسان، نحن نحلم و نصبر و نثابر و نقاوم ونحيا رغم كل شيء.”
▪︎شاركتِ في مهرجانات دولية عديدة، ما أبرز تجربة أثرت فيكِ و تركت بصمة خاصة؟
“كل تجربة كانت تحمل أثرًا خاصًا، لكن اللقاء مع جمهور متنوع الثقافات و أدباء لهم تاريخ كبير حافل بالإنجازات الأدبية من كافة الدول العربية و الأجنبية تركت في داخلي لحظات استثنائية، و مهمة، و استجابة الحضور و استمتاعهم فيما أقدم ترك الأثر الأكبر في مسيرتي الأدبية و نفسي الإنسانية، و هذا زاد من الاهتمام من قبلهم للمشاركات المتتالية، أيضاً التكريمات التي أحصل عليها من المؤتمرات الدولية التي أشارك بها بأبحاث تحكم دوليا و تنشر في مجلات عالمية لها أثر كبير و مضاعف لمسؤوليتي تجاه الكلمة، و التكريمات من مهرجانات كبيرة التي تقدم لي في كل مهرجان تعود علي بالفخر و الاعتزاز كوني أمثل بلدي فلسطين فكلها باسم فلسطين كل هذه المشاركات أدركت فيها أن الكلمة الصادقة قادرة على تجاوز الحدود.”
▪︎كيف تقيمين حضور الأدب الفلسطيني في الساحة الثقافية العربية و الدولية؟
“الأدب الفلسطيني حاضر بقوة، لأنه ينبع من تجربة إنسانية عميقة واقعية حقيقية خالية من الخيال و التكرار و النمطية في كتابة الأدب ورغم التحديات، استطاع أن يفرض صوته ويصل إلى العالم. و لاقى ترحيباً واسعاً و اهتماماً و تقديراً كبيرين من قبل أدباء الوطن العربي و أوطاننا العربية التي تستضيفنا بكل حب و احترام و لا شك أنه حضوره في كل أنحاء العالم أصبح متواجد بقوة لأن أعمالنا الأدبية أصبحت تترجم إلى لغات أجنبية.”
▪︎تُرجمت أعمالكِ إلى عدة لغات، كيف ترين أثر الترجمة في إيصال صوتكِ إلى العالم؟
“الترجمة جسر مهم، تفتح للنص أبوابًا جديدة من خلالها يصل صوتي إلى ثقافات مختلفة، و هذا ما يمنح الكتابة بعدًا إنسانيًا أوسع، فأنا أشارك بمؤتمرات دول أجنبية ، و ترجمت نصوصي إلى لغات أجنبية منها الانجليزية و الفرنسية و الكانادية و شاركت بمؤلفات عالمية مع كبار الأدباء العالميين و أصبحت هذه المؤلفات متاحة في المكتبات الاوروبية و لدي العديد من الحوارات في مجلات أجنبية و نصوص نشرت ووثقت في صحف و مجلات دولية و لا ننسى أن دور المرأة الفلسطينية أصبح متواجد في شتى المجالات و له حضور قوي في كل المحافل المشرفة.”



▪︎إلى جانب الكتابة الإبداعية، لديكِ أبحاث في العلوم الإنسانية، كيف ينعكس هذا الجانب الأكاديمي على نصوصكِ؟
“الجانب الأكاديمي يمنحني عمقًا في الرؤية وتحليلًا أدق للشخصيات والأفكار، لكنه لا يقيّد خيالي، بل يدعمه ويثريه، و أركز في الأبحاث على الأدب و ما منحه لنا من فضاء واسع لنتعرف أكثر على أدوات لفهم الإنسان في سياقاته النفسية و الاجتماعية و التاريخية و عن تطوره في عصرنا هذا و كيفية المحافظة عليه في زمن التطوير و لكن بالتأكيد الجانب الأكاديمي لا يؤثر على الإحساس و الشعور في النصوص هنالك طبقة شعورية لا يمكن الحصول عليها من الدراسات الأكاديمية.”
▪︎في ظل التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، كيف ترين مستقبل الأدب، و ما الرسالة التي توجهينها للجيل الجديد من الكتّاب؟
“الذكاء الاصطناعي ظهر مؤخراً كعامل جديد في المشهد الثقافي و هو صورة تشوه الأدب أنا لا أنكر أنه قادر على كتابة نص جيد و لكنه لم يفلح في صياغة نصوص صحيحة نحوياً و لا حتى سيطر على اللغة نحوها و صرفها فلا يمكن لمن يستخدم الذكاء الاصطناعي في نصوصه الأدبية أن يكون أديباً و لا يستطيع أن يكمل مسيرته و سهل جدا علينا كأدباء و كأساتذة في اللغة العربية و غيرها و محاضرين جامعيين و مثقفين و قراء و غيرهم أن يكتشفوا هذه النصوص المشوه و الخالية من الضبط الصحيح و الأحاسيس و الصدق في الشعور لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلد قصيدة أو يسرد حكاية فهذه كلها تجارب إنسانية فما هي تجربة هذا الروبوت الآلي ؟! نحن نقضي ليالٍ و أيام و شهور و سنوات في إنتاج و إخراج أعمالنا بأبهى حلة كي تليق بحضارتنا، بالتأكيد الأدوات في تطور و تقدم و لكن هذه التكنولوجيا لا تؤثر على ارتباط الإنسان بالإنسان و هذا ما كتبته في منشور لي في صحيفة المسار عن الذكاء الاصطناعي ( آفة الذكاء الاصطناعي بين الجهل و المعرفة…، انتشرت في الآونة الأخيرة لفئة من الأشخاص أنهم يكتبون نصوصاً من الذكاء الاصطناعي و ينسبون ما يكتبونه لأنفسهم و الحقيقة أن من ولد من رحم أمه أديباً يستطيع بكل سهولة أن يكشف حقيقة تضليل و تزوير هؤلاء الجهلة…، لا أنكر أن الذكاء الاصطناعي لديه القدرة العالية على تركيب نص جيد و تنظيم المفردات و لكن ما أدركه جيداً أنه خال من الشعور و الإحساس و ليس لديه القدرة على خلق مبدع حر و مبدع حقيقي، و الحقيقة الأكبر التي لا يعرفونها هؤلاء الجهلة أن الذكاء الاصطناعي ليس لديه القدرة على تركيب جملة نحوية دون أخطاء فلا يستطيع أن يدقق رواية أو قصة أو يكتب بيتاً من الشعر الموزون، الإبداع لا يمكن استنساخه…، لا مانع أبداً من مواكبة التطوير و الاستعانة بأدوات فائقة الذكاء و لكن دون أن يتخلى الإنسان عن خصوصيته الوجدانية و دون أن يصدق نفسه بأن هذا الروبوت الآلي سيصنع منه مبدعاً…،أرجو الحد من هذه الآفة لأنها أصبحت خطراً مستفزاً على المجتمع الأدبي و الثقافي )…، و أقول في مستقبل الأدب أن الأدب سيبقى ما بقي الإنسان فالأدب يبني ثقافة و الثقافة تبني مجتمعاً ناجحاً و المجتمع الناجح يصنع حضارة و هذا ما تتمتع به أوطاننا العربية مهما تغيرت الوسائل. أما للجيل الجديد، فأقول: اكتبوا بصدق، لا تبحثوا عن الشهرة بقدر ما تبحثون عن الحقيقة، عن الإنسان ووحدته الإنسانية و معرفة قيمته و ذاته و أخلاقه و عن الوعي الحقيقي الذي يعود للإنسان بالنفع و ليس بالضرر فالكلمة الصادقة وحدها تبقى.”
▪︎في ختام هذا الحوار، لا يسعنا إلا أن نعبر عن بالغ التقدير و الاحترام لمسيرة الكاتبة و الشاعرة أفنان جولاني، التي جعلت من الكلمة رسالة سامية تربط بين الإنسان و قضاياه. تجربة أدبية ناضجة، تنبض بالصدق و الإحساس، و تؤكد أن الإبداع الحقيقي يظل حاضرًا بقوة حين يكون نابعًا من عمق التجربة و صدق الانتماء.



