الروائي سفيان مشكور: أعتقد أن ‘الاعتراف الأخير’ هي رحلة علاج نفسي.

حاورته: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي
في هذا الحوار الخاص، تفتح جريدة تيلي ناظور نافذة على تجربة إنسانية وإبداعية مميزة، من خلال استضافة الشاب المغربي سفيان مشكور، ابن مدينة فاس، البالغ من العمر 29 سنة. سفيان خريج المعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة (ISPITS)، تخصص علاجات استعجالية وعناية مركزة، ويشتغل حالياً بالمركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس، حيث يعيش يومياً تفاصيل إنسانية عميقة في قلب العمل الصحي، ما ساهم في تشكيل رؤيته للحياة والإنسان.
إلى جانب مساره المهني، برز سفيان كمؤثر وصانع محتوى يقدم مادة توعوية تهدف إلى تبسيط المفاهيم الصحية وتصحيح المغالطات، بأسلوب قريب من الواقع. غير أن روايته “الاعتراف الأخير” تكشف جانباً آخر أكثر عمقاً وصدقاً، إذ لم تكن مجرد عمل أدبي، بل مساحة للبوح ومواجهة الذات، كُتبت تحت وطأة تجارب قاسية، لتتحول الكتابة لديه إلى وسيلة لفهم الألم وترتيبه، وربما إلى شكل من أشكال النجاة… و كان الحوار معه كالتالي:
▪︎من أين بدأت فكرة رواية “الاعتراف الأخير”؟ وهل كانت لحظة معينة هي الشرارة التي دفعتك للكتابة؟
“بصراحة، لم تكن رواية “الاعتراف الأخير” في الحسبان،بل جاءت صدى لانكسار حقيقي عشته في ديسمبر 2025، في لحظة ضاعت فيها فرحة كانت وشيكة. لحظة وجدت فيها نفسي في دوامة من التشتت والضياع. في البداية، كنت أفرّغ وجعي عبر منشورات عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها لم تكن كافية. كان لا بد أن أُخرج ما بداخلي، فقد شعرت أنني سأنفجر إن لم أفعل…،لذلك اخترت المواجهة بالكتابة بدل الاستسلام للألم…،باختصار، لم تكن هذه الرواية مشروعًا أدبيًا بقدر ما كانت محاولة أخيرة للنجاة.”
▪︎تقول إن الكتابة لم تكن خياراً بل ضرورة… كيف يتحول الألم فعلاً إلى حبر؟ وكيف استطعت تحويل تجربة قاسية إلى نص أدبي؟

“الحقيقة أنني لم أختر الكتابة، بل هي التي فرضت نفسها عليّ كطوق نجاة وسط كل هذا التشتت والألم الذي عشته. في البداية، كانت المنشورات هي طريقتي في التنفيس، محاولةً مني جمع شتات نفسي. لكن، بدأت تصلني نصائح المقربين بضرورة التوقف، خوفاً على ‘صورتي’ أو ‘قيمتي’ أمام الناس. لم يدركوا وقتها أن تلك الكلمات كانت رئتي التي أتنفس بها…،مع الوقت، أيقنت أن الكتابة هي علاجي الوحيد، والبديل عنها هو الاستسلام لفراغ قاتل يعبث بي. لذا، قررت ان أحول وجعي إلى نص أدبي صادق. اعترافات لا تجمل الحقيقة، بل تنقلها كما هي. فكل سطر في هذه الرواية مرتبط بذكرى…،اليوم أدرك تماماً أنني كنت أكتب لأتعافى، مستمداً القوة من تلك اللحظات التي ظننتها ستكسرني، ففي النهاية.. هناك عظمة خفية تسكن ضعفنا وتدفعنا للنهوض من جديد،وكما قلت في الرواية ، نحن ضحايا الحب نتفنن في الولادة من رماد انكساراتنا تماما كرحلة عنقاء ترفض الفناء.”
▪︎إلى أي حد يمكن اعتبار هذه الرواية شكلاً من أشكال العلاج النفسي؟ وهل شعرت بأنك تعافيت جزئياً بعد كتابتها؟
“أعتقد أن ‘الاعتراف الأخير’ هي رحلة علاج نفسي أكثر من كونها مجرد رواية. لم يكن يشغلني حينها بناء الحبكة بقدر ما كان يشغلني فتح الباب لهذا الثقل الذي يربض فوق صدري…،والآن، بصراحة.. ربما لم اتعافى تماماً، لكنني قطعت شوطاً كبيرا…،الكتابة لم تمسح الألم بسحرها، لكنها جعلته أخفّ، وجعلتني أراه بوضوح بدل أن أعيشه بشكل عشوائي. لقد علمتني كيف أستمر، وكيف أحول هذا الجرح من حملٍ يكسر ظهري إلى تجربة أستوعبها وأتعايش معها.. لامست ما سميته عظمة ضعفي.”
▪︎ذكرت أن العمل يستند إلى واقع حقيقي… هل كان من الصعب كشف هذا القدر من الصدق؟ وهل تخوّفت من ردود فعل المحيط؟
“فعلاً، هذا العمل ليس من نسج الخيال، بل هو وقائع حقيقية عشتها بكل تفاصيلها. لم يكن من الصعب عليّ أن أكون صادقًا، لأن هدفي منذ البداية كان التنفيس وإخراج ما بداخلي دون تزييف. لم أتعامل مع الرواية كقصة أو كعمل قائم على أبطال وخيال و حبكة، بل كنص ينقل تجربة معيشة بكل ما فيها من صدق واعتراف…،لكن الصعوبة و الخوف الحقيقي لم يكن في الكتابة، بل في ما بعدها. بعد أن أنهيت العمل وبرمجت نشره، بدأت لحظة الإدراك… ووجدت نفسي أطرح أسئلة كثيرة: هل أحسنت الاختيار؟ هل كان يجب أن أحتفظ بكل هذا لنفسي؟ وهل يمكن أن يؤثر ما كتبته على أشخاص آخرين؟ هل هناك تأثير على حياتي الشخصية فيما بعد ؟ كانت مرحلة مليئة بالتردد والتساؤل، لكنني في النهاية اخترت أن أترك للزمن مهمة الإجابة…،ولا اخفيك سرا ، في بعض الاوقات فكرت بحذفها بشكل كلي ، خوفا من تبعاتها.”
▪︎ما الدور الذي لعبته القراءة في حياتك؟ وهل كانت دافعاً أساسياً لدخول عالم الكتابة؟
“لعبت القراءة دورًا مهمًا في حياتي، إذ كانت بالنسبة لي متنفسًا أهرب من خلاله من روتين الحياة اليومية وهمومها. خاصة الكتب المرتبطة بالتنمية الذاتية، التي منحتني معارف واستراتيجيات ساعدتني على فهم نفسي وتطويرها. ومع مرور الوقت، انتقلت إلى عالم الروايات، حيث صرت أعيش عوالم مختلفة وأجد فيها راحة كبيرة…،ورغم أن القراءة لم تكن الدافع المباشر لدخولي عالم الكتابة، فإنها شكّلت الأساس الذي مهّد لي هذا الطريق، ومنحتني الأدوات والتصور الذي ساعدني على التعبير والكتابة.”
▪︎في بداياتك، من كان الداعم الأول لك؟ وهل كان هناك شخص آمن بموهبتك أو وجّهك في هذا المسار؟
“كان الداعم الأول في حياتي هو والدي رحمه الله، الذي توفي سنة 2013. كان رجلًا شغوفًا بالكلمة، يكتب الشعر والزجل، وكان كاتب لأغاني تذاع بالإذاعة المغربية. كنت أراه كيف يكتب ويلقي نصوصه، ومن خلاله تعلّقت بالقراءة منذ الصغر. ما زلت أذكر أنه أهداني كتبًا مثل “عنترة بن شداد” و“كليلة ودمنة”، هكذا، بدأت رحلتي مع القراءة بشكل تدريجي…،أما موهبتي في الكتابة، فبقيت حبيسة نفسي، أكتب دون أن أُظهر ذلك للآخرين، وكأنها مساحة خاصة لا أشاركها مع أحد، الى ان جائت صدمة حياتي.”
▪︎هل واجهت رفضاً من دور النشر قبل خروج الرواية إلى النور؟ وكيف تعاملت مع فكرة الرفض إن حدثت؟
“في الحقيقة، لم أواجه مسألة الرفض من دور النشر، وذلك لأنني لم أخض تجربة التواصل مع عدة دور. فقد كانت أول دار نشر تواصلت معها هي نفسها التي احتضنت العمل، وبالتالي لم أمر بمرحلة الرفض كما يحدث مع الكثير من الكتّاب. ربما لم أختبر هذا الجانب من التجربة.”
▪︎هل شعرت في مرحلة ما أن هناك من حاول إحباطك أو “محاربتك” سواء في المجال المهني أو الأدبي؟ وكيف تعاملت مع ذلك؟
“في الحقيقة، لم أشعر يومًا بأن هناك من يحاربني أو يسعى لإحباطي، بل على العكس، وجدت تشجيعًا من المحيطين بي. غير أن بعض النصائح التي تلقيتها من أصدقاء مقرّبين كانت تدفعني أحيانًا إلى التردد. إذ كانوا يرون أن ما أكتبه قد يؤثر على حياتي الشخصية مستقبلًا، أو قد يجعلني أقول أشياء أندم عليها لاحقًا، أو حتى قد يُلحق أذى بطرف آخر…،هذه الهواجس، رغم أنها كانت بدافع الخوف عليّ، كانت تُدخلني في صراع داخلي بين الرغبة في التعبير والحرص على العواقب. وربما إلى اليوم، لا يزال هذا التخوف حاضرًا في داخلي، كلما تذكرت ان لي رواية ستنشر قريبا.”
▪︎هل يمكن القول إن “الاعتراف الأخير” وُلدت من رحم الخذلان؟ أم أنها تتجاوز ذلك إلى محاولة فهم أعمق للذات؟
“نعم، يمكن القول إن “الاعتراف الأخير” وُلدت من رحم الخذلان والمعاناة. وقد خصصت داخلها فصلًا بعنوان “صمت الخذلان”، يتناول هذا الجانب تحديدًا. لم يكن هدفي العميق هو تحليل الذات ، بقدر ما كان تبسيط ما عشته ومشاركته…،أردت من خلال هذا العمل أن أقرّب القارئ من إحساسي، أن يفهم شيئًا من ذاتي، ومن الآلام التي مررت بها. فالرواية ليست فقط محاولة للفهم، بل دعوة للآخرين ليروا التجربة كما عشتها أنا، ولم تكن هذه الدعوة بحثًا عن تعاطف أو شفقة، بل رغبة في أن يُدرك القارئ ثِقَل ما عشته، وأن يشعر بما مررت به كما هو، بكل صدقه وعمقه.”
▪︎في زمن الذكاء الاصطناعي، ما حدود استخدامه في الكتابة من وجهة نظرك؟ وما رأيك في ظاهرة “الكتّاب المزيفين” الذين يعتمدون عليه بشكل كلي؟
“بالنسبة للذكاء الاصطناعي، أراه وسيلة مساعدة لا أكثر، وقد يكون هذا الرأي لا ينطبق على جميع الكتّاب، لكنه يعكس وجهة نظري كشخص لا يزال في بداية مشواره الأدبي. فأنا أستعين به أحيانًا في أمور تقنية، مثل التدقيق الإملائي أو اقتراح بعض عناوين الفصول بشكل مشوّق، لكنه لا يُعوّض جوهر الكتابة ولا التجربة الإنسانية التي تقف خلفها…،أما ما يُعرف بظاهرة “الكتّاب المزيّفين” الذين يعتمدون كليًا على الذكاء الاصطناعي، فأنا لا أتفق معها إطلاقًا. لأن الكتابة في جوهرها إحساس وتجربة ومعاناة، وليست مجرد تركيب كلمات. فإذا أصبح بإمكان أي شخص أن يُنتج نصًا كاملًا دون تجربة أو إحساس حقيقي، فإننا نفقد قيمة الكتابة كفن، وتفقد الموهبة معناها الحقيقي.”
▪︎وفي ختام هذا الحوار، لا يسعنا إلا أن نتوجه بالشكر لسفيان مشكور على صراحته وجرأته في تقاسم تجربة إنسانية عميقة بهذا القدر من الصدق والوضوح. فليس من السهل أن يضع الإنسان ذاته أمام القارئ دون أقنعة، وأن يحوّل جراحه إلى كلمات نابضة بالحياة. تبقى “الاعتراف الأخير” شهادة حية على أن الكتابة قد تكون أحياناً أقوى من الألم، وأن البوح، مهما كان ثقيلاً، قد يتحول إلى بداية طريق نحو التماسك والنجاة. نتمنى له مزيداً من التألق في مساره المهني والأدبي.



