الروائية “صفاء الدواس” : “غفران” ليست حكايتي الشخصية، بل حكاية إنسانية كتبتها لتكون مرآة.

حاورتها: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي
على “تيلي ناظور”، حوار صادق و مميز، أُرسلت كلماته بكل حب من أقصى شمال المغرب، و من قلب جماعة “الخميس أنجرة”، بإقليم الفحص أنجرة.
نستضيف اليوم، و نفتخر بالكاتبة و الروائية، صانعة المحتوى الجميل، الواعية بكلماتها ، و المدركة بخطواتها، المبدعة دوماً “صفاء الدواس”.
تتميز المؤلفة المغربية “صفاء الدواس” بمزجها بين العلوم و الأدب، فهي حاصلة على الإجازة في العلوم الفيزيائية…، و في نفس الوقت، صدر لها كتاب “حروف لم تنطق” بنسخة إلكترونية تجمع بين البوح و التأملات الوجدانية، و عن “دار عصير الكُتب” رواية “غفران” لتتربع بذلك على عرش الكلمات، و هي شابة تبلغ من العمر 23 ربيعاً.
و في خطوة جريئة، تحسب لها، أبدعت في صناعة المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، و تركت بكلماتها أثراً لا ينسى في قلوب جمهورها الضخم، الذي يقدّر صدقها و عمقها في التعبير.
أستاذة “صفاء”… روايتك “غفران” تعرّف نفسها كرحلة في الذاكرة لا كحكاية تقليدية… لماذا الذاكرة تحديدًا؟ هل الذاكرة هنا شاهدة صادقة أم شريكة في خداعنا لأنفسنا؟
“لأن الذاكرة هي الساحة التي تدور فيها معاركنا الصامتة. في “غفران” لا تظهر الذاكرة كأرشيف محايد، بل ككائن حي، تروي بصدق أحيانا، وتعيد ترتيب الألم أحيانا أخرى كي نستطيع العيش. هي شاهدة، نعم، لكنها أيضا شريكة في الطريقة التي نختار بها أن نفهم أنفسنا.”
تقولين إن الغفران ليس وعدًا بالسلام بل محاولة هشّة للصلح مع الألم… برأيك، هل الإنسان قادر فعلًا على الشفاء بالغفران، أم أنه فقط يتعلم كيف يتعايش مع الوجع؟
“الرواية لا تقدم الغفران كحل سحري، بل كمسار إنساني هش. الشفاء هنا لا يعني اختفاء الألم، بل تغير علاقته بنا. أن يصبح أقل سلطة، أقل قدرة على التحكم في اختياراتنا وحياتنا.”
هل الغفران في كتابك موقف أخلاقي، أم خيار إنساني، أم ضرورة نفسية للنجاة؟
“في “غفران” هو ضرورة نفسية قبل أي شيء. خيار يتعلق بالبقاء لا بالمثالية، وبإنقاذ الذات أكثر من تبرير الآخر.”
في الرواية نجد أن الأسئلة أكبر من الأجوبة… هل كان ذلك خيارًا فنيًا واعيًا أم انعكاسًا للحياة نفسها؟
“كان ذلك خيارا واعيا، لأن الحياة نفسها لا تمنحنا أجوبة كاملة. الرواية تفضل الصدق الوجودي على الطمأنينة الزائفة، وتترك للقارئ مساحة ليضع أسئلته الخاصة داخل النص.”
الحب في “غفران”… هل هو ملاذ وخلاص، أم امتداد أكثر شراسة للجرح؟
“الحب في الرواية حالة إنسانية مركبة. قد يكون ملاذا، وقد يتحول إلى امتداد للجرح إذا لم نكن مستعدين له نفسيا. هو ليس منقذا ولا جلادا، بل مرآة لما نحمله داخلنا.”
هل يمكن للإنسان أن يشفى من ذاكرته فعلًا؟ أم أن الشفاء ليس نسيان الذاكرة بل التصالح مع وجودها داخلنا؟
“لا شفاء من الذاكرة بمعنى محوها، بل تصالح معها. الرواية تقول إن السلام يبدأ حين نتوقف عن محاربة ما حدث، ونبدأ في إعادة وضعه في مكانه الصحيح داخلنا.”
ماذا تعني لك “النجاة”؟ هل هي قوة وانبعاث؟ أم شكل هادئ وجميل من الانكسار؟
“النجاة ليست بطولة، بل استمرار. هي أن نستيقظ كل يوم ونختار الحياة رغم التصدعات، دون ادعاء القوة الكاملة.”
عندما نُجرح… هل نحتاج أن نغفر للآخر أولًا أم لأنفسنا؟
“للذات أولا. لأن الإنسان غالبا يعاقب نفسه على ما لم يكن يستطيع السيطرة عليه.”
هل البشر يتصالحون فعلًا مع الماضي… أم فقط يغيّرون طريقة النظر إليه؟
“نغير زاوية النظر. الماضي لا يتغير، لكن أثره يفعل.”
لو خُيّرتِ: أن تنسي كل شيء… أم تعيشي بذاكرة كاملة بكل ألمها؟ ماذا تختارين ولماذا؟
“الذاكرة الكاملة، لأنها جزء من الهوية، حتى حين تكون مؤلمة.”
هل تشعرين بأن الكتابة أنقذتك يومًا؟ أم أنها أحيانًا تزيد الجرح وضوحًا لكنها تساعدك على فهمه؟
“الكتابة هنا ليست علاجا ذاتيا مباشرا، بل محاولة لفهم هشاشة الإنسان حين يترك وحيدا مع ألمه في عمر مبكر.”
هل الغفران برأيك انتصار داخلي… أم هزيمة جميلة ومسالمة؟
“تفعل الأمرين معا. تزيد وضوح الجرح، لكنها تمنحنا لغة لفهمه.”
هل نكتب لنشفى… أم لأننا نخشى الفراغ الذي يتركه الألم إن رحل؟
“هو انتصار داخلي صامت، بلا شعارات.”
هل كل إنسان يحتاج حكاية كي ينجو؟ وهل “غفران” كانت حكايتك أنت قبل أن تصبح حكاية القارئ؟
“نكتب لأن الصمت الطويل قد يكون أكثر إيذاء من الاعتراف.”
هل تخافين أحيانًا أن يرى القارئ نفسه في نصك أكثر مما ترين نفسك فيه؟
“على العكس، هذا دليل على أن النص لمس منطقة إنسانية مشتركة.”
هل كل إنسان يحتاج حكاية كي ينجو؟ وهل “غفران” كانت حكايتك أنت قبل أن تصبح حكاية القارئ؟
“لا. “غفران” ليست حكايتي الشخصية، بل حكاية إنسانية كتبتها لتكون مرآة لتجارب قد يعيشها كثيرون، وكل قارئ يجد فيها نفسه بطريقته الخاصة.”
في رأيك… هل كتابة الرواية اليوم علم وتقنيات وبناء واعٍ؟ أم تجربة شعورية تُكتب بالقلب قبل العقل؟
“بالنسبة لي و لتجربتي مع الكتابة، الشعور هو البداية، والتقنيات تأتي لاحقا بشكل فطري مع التجربة.”
هل درستِ فن وتقنيات السرد أكاديميًا، أم تشكلت خبرتك من القراءة والحياة والتجربة؟
“لا، تجربتي تشكلت من القراءة، والتأمل، ومراقبة الإنسان.”
ما أهم تقنية سردية اعتمدتِ عليها في هذا العمل؟ وهل كان اختيارها فنيًا أم فرضتها طبيعة الحكاية؟
“أهم تقنية هي المزج بين السرد والمذكرات، لأنه يسمح بكشف داخلي هادئ دون صدمة مباشرة.”
هل أنتِ من الكُتاب الذين يخططون الرواية بدقة… أم تتركين النص يقودك وتكتشفين معه الطريق؟
“أترك النص يقودني، ثم أعود لصقله بهدوء.”
ما الأقرب إلى قلبك أثناء الكتابة: بناء الشخصيات؟ جمال اللغة؟ الحالة الشعورية؟ أم الفكرة الفلسفية؟
“الحالة الشعورية، لأنها العمود الفقري للنص.”
هل ترين الرواية مسؤولية فكرية وإنسانية على الكاتب… أم مساحة حرة للجمال والمتعة فقط؟
“نعم، أؤمن أن الرواية مسؤولية فكرية وإنسانية…، ليست بمعنى الوعظ أو تقديم أجوبة جاهزة، بل في كيفية مقاربة الألم الإنساني باحترام وصدق، وفتح مساحات للتفكير والتعاطف بدل إطلاق الأحكام…، الرواية قد تكون جمالا ومتعة، لكنها تترك أثرا، وهذا الأثر بحد ذاته مسؤولية.”
ماذا تريدين للقارئ أن يشعر بعد الانتهاء من “غفران”: راحة؟ ألمًا؟ محاسبة للذات؟ أم رغبة في الغفران؟
“أن يشعر بأنه مفهوم، لا مُدان.”
هل كتبتِ هذا العمل لتقولي شيئًا للعالم… أم لتقولي شيئًا لنفسك قبل أي أحد؟
“بدأت كسؤال شخصي، وانتهت كحوار مع القارئ.”
كيف تتعاملين مع قراءات قد تذهب بالنص إلى أماكن لم تقصديها أصلًا؟ هل يزعجك ذلك أم يسعدك؟
“تسعدني. النص حين يُنشر يصبح ملكا لتأويل القارئ.”
ما أكثر رسالة قارئ أثرت فيك وجعلتك تشعرين بأن الكتابة تستحق العناء؟
“أكثر ما يلامسني هو أن يخبرني القراء أن كلماتي قالت ما عجزوا هم عن قوله.”
ماذا تغيّر في “صفاء الدواس” اليوم مقارنةً بصفاء التي بدأت الكتابة أول مرة؟
“صرت أكثر هدوءا، وأقل قسوة على نفسي.”
ما الشيء الإنساني جدًا الذي تتمنين لو يعرفه القارئ عنك؟
“أنني أكتب بصدق إنساني، لا من موقع المعرفة المطلقة.”
من أكثر شخصية في الرواية تشبهك… ومن أكثر شخصية تخيفك؟
“ربما شخصية زينب هي أكثر شخصية تشبهني و أكثر شخصية تخيفني هي شخصية ثانوية في الرواية ولكن لها قصة مؤثرة و أثر في نفس البطلة و هي السيدة العجوز.”
هل كنتِ في مرحلة وجع حين كتبتِ “غفران” أم في مرحلة نضج وهدوء بعدها؟
“مرحلة نضج ووعي بما كان وجعا.”
ما اللحظة التي شعرتِ فيها بأن “غفران” لم تعد مجرد نص… بل أصبحت روحًا لها نبضها الخاص؟
“حين توقفت عن تعديله، وبدأت أستمع إليه كقارئ يصادف الرواية لأول مرة.”
لو جلس قارئ مجروح أمامك وقال لك: “أنا لا أستطيع أن أغفر”… ماذا تقولين له؟
“لا تجبر نفسك. خذ وقتك. الغفران لا يفرض.”
ماذا يعني لك أن يضع قارئ كتابك بجانب قلبه لا بجانب مكتبته؟
“هذا أعلى أشكال الثقة بكلماتي.”
ماذا أخذ منك هذا العمل… وماذا ترك لك؟
“أخذ طاقة وجهدا نفسيا… وترك سلاما داخليا.”
نشكر العظيمة “صفاء الدواس” على عمق الكلمة، و نفتخر مجددا بوجود أمثالها في الساحة الأدبية المغربية، فهي تقدم لنا شفاءً بحروفها، و تنثر لنا الوعي بحضورها، كما نشكر ،المميزة بالأصفر، “تيلي ناظور”، على فتح هذه البوابة التي تمثل ذلك النور في آخر النفق.



