
تيلي ناظور
احتضنت العاصمة الرباط، يوم 30 يناير 2026، أشغال الدورة الخامسة للمنتدى البرلماني المغربي-الفرنسي، تحت رئاسة مشتركة لرؤساء المؤسسات التشريعية في البلدين، ويتعلق الأمر بمجلس النواب ومجلس المستشارين عن الجانب المغربي، والجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ عن الجانب الفرنسي، وبمشاركة وازنة لممثلي المجالس الأربع.
ويأتي انعقاد هذه الدورة في ظرفية خاصة تعرف فيها العلاقات بين المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية زخماً متجدداً، عقب زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024، بدعوة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والتي توجت بتوقيع “إعلان الشراكة الاستثنائية الوطيدة”، إلى جانب إبرام مجموعة من اتفاقيات وآليات التعاون في عدة قطاعات حيوية.
وفي هذا السياق، حرصت رئاسات البرلمانات الأربع على استحضار هذا التطور الإيجابي في العلاقات الثنائية، من خلال التأكيد خلال أشغال المنتدى على انخراط المؤسسات التشريعية في مواكبة هذه الدينامية الجديدة، وترسيخ الحوار البرلماني المنتظم كرافعة أساسية للشراكة الاستراتيجية بين البلدين، فضلاً عن جعل عدد من القضايا التي شملتها اتفاقيات التعاون محاور رئيسية للنقاش.
وهكذا، انكبت مداخلات المشاركين على بحث مختلف أوجه التعاون المغربي-الفرنسي، بما يشمل الشراكة الاقتصادية وآفاق تطويرها، والانتقال الطاقي وإنتاج الطاقات المتجددة، وحقوق المرأة وتعزيز مشاركتها في الحياة العامة، إلى جانب قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، فضلاً عن تعزيز العلاقات البرلمانية في إطار الدبلوماسية البرلمانية والمنظمات متعددة الأطراف.
وفي السياق ذاته، استحضر المشاركون التحديات الكبرى التي تواجه العالم، وفي مقدمتها الانعكاسات الخطيرة للتغيرات المناخية على البيئة والاقتصاد والمجتمعات، إضافة إلى الأزمات الجيوسياسية من حروب ونزاعات وما ينتج عنها من نزوح وهجرات قسرية ومآسٍ إنسانية، فضلاً عن التهديدات الأمنية المرتبطة بالإرهاب.
وفي ختام أشغال المنتدى، عبّر ممثلو المؤسسات التشريعية في البلدين عن ارتياحهم لتوقيع إعلان الشراكة الاستثنائية المغربية-الفرنسية، مجددين التأكيد على الانخراط التام للبرلمانات في مواكبة هذه المرحلة الجديدة من التعاون.
وفي هذا الصدد، جدد ممثلو البرلمان المغربي شكرهم وتقديرهم للجمهورية الفرنسية على مواقفها الواضحة والداعمة للوحدة الترابية للمملكة، كما عبّر عنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، سواء في رسالته الموجهة إلى جلالة الملك محمد السادس بتاريخ 30 يوليوز 2024، أو في خطابه أمام البرلمان المغربي يوم 29 أكتوبر 2024، حيث أكد أن حاضر ومستقبل الصحراء المغربية يندرجان ضمن السيادة المغربية، مع دعم مخطط الحكم الذاتي باعتباره الأساس الوحيد لحل سياسي عادل ودائم ومتفاوض بشأنه وفق قرارات مجلس الأمن.
وعطفاً على ما سبق، نوه رؤساء المجالس التشريعية الأربعة باعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025، مجددين دعمهم للموقف الرسمي للجمهورية الفرنسية، وداعين جميع الأطراف المعنية إلى الانخراط الجدي في تنفيذ هذا القرار.
آفاق واعدة للتعاون الثنائي والشراكة الاستراتيجية
وفي هذا الإطار، دعا ممثلو البرلمانين المغربي والفرنسي إلى استثمار الفرص الاستراتيجية التي تتيحها الأقاليم الجنوبية للمملكة، من أجل تنزيل برامج تعاون ثنائي واعد يخدم مصالح الطرفين، مع التأكيد على التزامهم بمواكبة مختلف المبادرات المشتركة القابلة للتنفيذ.
ومع التأكيد، على الموقع الاستراتيجي لهذه الأقاليم كجسر يربط بين أوروبا وإفريقيا، عبّر المشاركون عن ارتياحهم لانخراط مختلف الفاعلين في دعم تنميتها، داعين إلى تعزيز هذا الانخراط بما يضمن تحقيق الرخاء المشترك.
ومن جهة أخرى، شدد رؤساء المؤسسات التشريعية على أهمية جعل الأقاليم الصحراوية فضاءً مفضلاً للتعاون القطاعي، خاصة في مجالات الانتقال الإيكولوجي، والتثمين المستدام للموارد، وتنمية الرأسمال البشري وخلق فرص الشغل لفائدة الشباب، بما يساهم في تحقيق تنمية اجتماعية واقتصادية مستدامة، مع تشجيع الشراكات في قطاعات الماء والطاقة والفلاحة المستدامة والبنيات التحتية، والتكوين والبحث والابتكار.
وفي السياق نفسه، اعتبر المشاركون أن “إعلان الشراكة الاستثنائية الوطيدة” الموقع في أكتوبر 2024، وما تلاه من اتفاقيات وبروتوكولات تعاون، يفتح آفاقاً واعدة لتعزيز الشراكة الاقتصادية بين البلدين، خاصة في مجالات البنيات التحتية والنقل والطاقات الخضراء وتحلية مياه البحر.
وبحكم التزام المغرب وفرنسا بالقضايا الإنسانية الكبرى، أكد مسؤولو المؤسسات التشريعية دعمهما لشراكة تهدف إلى ضمان الأمن الغذائي الوطني والعالمي، من خلال فلاحة مسؤولة تحترم البيئة والصحة البشرية، وصيد بحري مستدام، معتبرين ذلك رهاناً سيادياً مشتركاً.
واستناداً إلى إعلان الشراكة الاستثنائية، وفي ظل التقلبات الجيوسياسية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، نوه ممثلو البرلمانين بعزم البلدين على استثمار تموقعهما داخل الأطر متعددة الأطراف، خاصة في الفضاء الأورو-إفريقي، بما يخدم ازدهاراً مشتركاً ودامجاً.
وفي هذا الصدد، عبّر المشاركون عن دعمهم لتطوير شراكة متقدمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، داعين المؤسسات الأوروبية إلى توفير الضمانات القانونية اللازمة للاتفاقيات المبرمة مع المملكة.
وإزاء التحديات الجيوسياسية الدولية، أكد ممثلو البرلمانين التزامهم بالتفكير في سبل تعزيز آليات الحكامة العالمية، بما يضمن السلم والأمن الدوليين.
البيئة والطاقات المتجددة في صلب التعاون الثنائي
وفي هذا الجانب، عبّر المشاركون عن اعتزازهم بالدور الريادي الذي يضطلع به المغرب وفرنسا في العمل الدولي من أجل المناخ، مستحضرين مؤتمري باريس 2015 ومراكش 2016، إلى جانب المبادرات الدولية المشتركة، مثل مبادرة تكييف الفلاحة الإفريقية (AAA) ومبادرة “One Planet Summit”.
كما أكدوا، أن الانتقال الطاقي والاعتماد على الطاقات المتجددة وبناء اقتصاد أخضر، تفتح آفاقاً واسعة للتعاون والاستثمار المشترك في مجالات البحث والتطوير والتصنيع، داخل البلدين وخارجهما.
حقوق المرأة في صلب النقاش البرلماني
وعلى مستوى حقوق المرأة، ناقش المشاركون رهانات مشاركة النساء في الحياة السياسية وتواجدهن في مراكز القرار، معتبرين أن التمثيلية النسائية تشكل ركيزة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والتماسك المجتمعي.
وفي هذا الصدد، نوه المشاركون بالإصلاحات التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس للنهوض بحقوق النساء، داعين إلى تعزيز التشريعات التي تضمن المناصفة والولوج العادل للنساء إلى آليات الحكامة ومراكز القرار.
كما دعوا، إلى إزالة العوائق القانونية والمؤسساتية التي تحول دون مشاركة النساء، وترسيخ مبادئ المساواة والإنصاف.
الأمن ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة
وفي محور الأمن، شكلت قضايا مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود محوراً أساسياً للنقاش، حيث ثمن الجانبان مستوى التنسيق والتعاون القائم بين المؤسسات الأمنية في البلدين، في إطار اليقظة والاستباق واحترام حقوق الإنسان.
وأكد المشاركون، أن مواجهة الإرهاب تتطلب مقاربة شمولية تجمع بين الردع الأمني، وتبادل المعلومات، وتجفيف منابع التمويل، إلى جانب التكوين والتربية.
وفي هذا السياق، نوهوا بدور معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات في نشر قيم التسامح والاعتدال، داخل المغرب وخارجه.
وعلاقة بما سبق، عبّر ممثلو البرلمانين عن تضامنهم مع ضحايا الإرهاب عبر العالم، خاصة في القارة الإفريقية، مؤكدين التزامهم بدعم مقاربة مندمجة تجمع بين التنمية والاستقرار.
تعزيز الدبلوماسية البرلمانية والتعاون المؤسساتي
وعلى صعيد العمل البرلماني، أكد المشاركون متانة العلاقات بين المؤسسات التشريعية في البلدين، وما يتيحه ذلك من تبادل الخبرات وتعزيز الدبلوماسية البرلمانية، مثمنين اتفاقيات وبروتوكولات التعاون الموقعة بين المجالس التشريعية.
كما سجلوا، بارتياح نتائج برامج التوأمة البرلمانية التي مكنت من تبادل مثمر للتجارب بين البرلمانيين والموظفين البرلمانيين في الرباط وباريس.
و في النهاية، قرر المشاركون في الدورة الخامسة للمنتدى البرلماني المغربي-الفرنسي إحالة نص البيان الختامي على حكومتي البلدين، مع الاتفاق على عقد الدورة المقبلة للمنتدى بالعاصمة باريس في موعد يتم تحديده لاحقاً بالتشاور بين رئاسات المجالس الأربع.





