عروض واعلانات
أقلام وأراء

اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين الرباط و موسكو : عشر سنوات من التوازن السيادي والتقدير الجيوسياسي المتبادل

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام

في خضم التحولات الجذرية التي يشهدها النظام الدولي، تبرز الذكرى العاشرة لاتفاقية الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين المملكة المغربية و روسيا الاتحادية عام 2016، كحدث يتجاوز سياقه التاريخي ليكشف عن عمق الرؤية المغربية في إدارة التوازنات الكبرى.


إن هذه الاتفاقية، التي كانت ثمرة زيارة ملكية تاريخية لموسكو، لم تكن مجرد بروتوكول تعاون تقني، بل كانت إعلاناً عن عهد جديد من التقدير الاستراتيجي المتبادل بين دولتين عريقتين ترفضان منطق الأحلاف الجامدة وتنتصران للسيادة الوطنية.

تمثل هذه الاتفاقية العمود الفقري للعلاقات الثنائية، حيث نجحت في تحويل التفاعل بين الرباط وموسكو من مجرد تبادل تجاري عابر إلى شراكة نوعية تقوم على التقدير الروسي للموقف المغربي الرزين. وتتجلى قوة هذا الإطار في مرتكزين:

رمزية الرعاية الملكية: تكن القيادة الروسية تقديراً خاصاً لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، وتعتبر أن الاتفاقية التي وُقعت تحت إشرافه المباشر هي ميثاق ثقة عابر للظروف السياسية العابرة.

احترام القرار السيادي: تُقدّر موسكو في المغرب قدرته على الحفاظ على روح هذه الاتفاقية والوفاء بالتزاماتها، رغم الضغوط الدولية وموجات الاستقطاب الحاد، مما جعل المغرب في العرف الدبلوماسي الروسي شريكاً يتسم بالشهامة السياسية والسيادة الحقيقية.

من خلال هذه الاتفاقية، طبقت المملكة المغربية استراتيجية الاستقلال الاستراتيجي. فبينما يحافظ المغرب على تحالفاته التقليدية مع الغرب، استطاع عبر اتفاقية 2016 صياغة مسار موازٍ مع روسيا يقوم على:

البراغماتية العالية: تعزيز التعاون في مجالات حيوية كالصيد البحري، الزراعة، والطاقة، بعيداً عن التجاذبات الأيديولوجية.

العمق التاريخي: استحضار الروابط الدبلوماسية العريقة التي لم تنقطع، مما جعل من الاتفاقية تجديداً لعهد قديم من الاحترام بين ملكية مغربية ضاربة في التاريخ ودولة روسية تقدر ثقل الدول العريقة.

أكاديمياً، يُعد الاستقرار البنيوي للنظام هو الضامن الحقيقي لأي اتفاقية دولية بعيدة المدى. تنظر موسكو لاتفاقيتها مع المغرب كاستثمار آمن بفضل استقرار المؤسسة الملكية.

هذا الاستقرار يمنح الشركاء الروس القدرة على التنبؤ، وهي الميزة التي تفتقدها روسيا في علاقاتها مع أنظمة متقلبة. إن الثقة المؤسساتية هي التي جعلت من اتفاقية الشراكة الاستراتيجية صامدة وفاعلة لعشر سنوات متواصلة من النماء.

في ملف الصحراء المغربية، ساهمت روح هذه الاتفاقية في انتزاع حياد إيجابي من قصر الكرملين.

توازن القوى: تدرك روسيا، بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن، أن استقرار المغرب هو مفتاح استقرار المنطقة، ولذلك تفضل الحلول السياسية الرزينة التي تضمنها مبادرة الحكم الذاتي، بعيداً عن بؤر التوتر والانفصال.

الذكاء الدبلوماسي: إن قدرة المغرب على تفعيل بنود الاتفاقية مع موسكو في عز الأزمات الدولية، دون المساس بتحالفاته الأخرى، هي قمة النضج الذي يثير إعجاب دوائر صنع القرار في روسيا.

تعتبر روسيا أن اتفاقيتها مع المغرب هي البوابة المثالية نحو القارة الأفريقية. فالاندماج المغربي في العمق الأفريقي يجعل من الشراكة مع الرباط ضرورة استراتيجية لموسكو الساعية لتعزيز حضورها في القارة السمراء، حيث تلتقي الخبرة المغربية الميدانية مع الطموح الروسي لبناء علاقات متوازنة مع دول الجنوب.

خاتمة: عهد جديد من السيادة والندية

إن المكالمة الأخيرة بين بوريطة ولافروف في ذكرى هذه الاتفاقية، هي تأكيد على أن المغرب قد بلغ مرحلة الندية السيادية.

إن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية لعام 2016 لم تكن مجرد و رقة قانونية، بل هي شهادة اعتراف بالاستثناء المغربي؛ بلد يمتلك التاريخ، ويصنع الجغرافيا، ويدير علاقاته مع القوى العظمى بمنطق الكرامة والوفاء بالالتزامات الدولية الراسخة.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button