“أمنة برواضي”: قد نفشل مرات و قد نتفوق لفترة، و لكن لابد من التمسك بالأمل.

حاورتها: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي
على جريدة ” تيلي ناظور”، استضفنا في حوار مكتوب، المؤلفة المغربية ‘أمنة برواضي’، روائية، قاصة، شاعرة، و كاتبة لمسرح الطفل، عُرفت بأعمالها الأدبية التي تنتقد الأوضاع السياسية و الإجتماعية، و تسلط الضوء على الفساد و الجهل، و من رواياتها: “أبواب موصدة”، “شظايا حارقة”، “منعرجات ضيقة”، “عندما تقرع الطبول”، “على ذمة التحقيق” و هي الرواية الفائزة على الصعيد العربي بجائزة المقهى الأدبي بوجدة سنة 2016، و رواية “ظلال الخذلان” الفائزة في مسابقة دوان العرب للنشر والتوزيع سنة 2020…، و من مجموعاتها القصصية: “قطرات الندى”، “تجاعيد الزمن”، “متاهة الأيام”، “صدى الكلمات الجريحة”، “سوانج من كلمات”…، أما عن دواوين الشعر فمنهم: “صليل الأغلال”، “رياح عاتية” و هو دوان ينحاز لفلسطين…، و نذكر بعض من قصصها لطفل: “البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي” الحائزة على الجائزة الثانية وطنيا، “شغب ياسين”، “جزاء الإخلاص”، و “قصتي مع العلم”…، و أخيرًا لدينا من مسرحياتها لطفل:”مونودراما احتفالية”، و”أصدقاء البيئة”…، و كان الحوار كالتالي:
1 ـ ككاتبة وروائية بارزة في المشهد الأدبي المغربي، كيف تصفين لحظة اكتشافك لشغفك بالكتابة؟ هل كانت هناك ذكرى أو حدث محدد شكل بدايتك الحقيقية ككاتبة؟
ج ـ بالنسبة للبدايات، كما لا يخفى عليكم غالبا ما تكون الانطلاقة من الصغر في أي مجال من المجالات؛ لأن الموهبة تظهر في الصغر وتكبر مع الإنسان إذا وجدت التربة التي يمكن أن تساعدها على ذلك، وأنا لست استثناء لقد كنت شغوفة بقراءة الروايات والقصص .. والفضل يعود بعد الله إلى والدي أطال الله عمره ووالدتي رحمها الله؛ رغبتهما الكبيرة في أن نتعلم جعلتهما يصرّان على أن نستمر في القراءة حتى في فترة العطل، فوجدت عزائي في الروايات لما فيها من متعة واقتداء بأختي التي كانت مغرمة بقراءة هذا النوع من الكتب. كما لا أنكر فضل أساتذتي الذين كانوا ينوِّهون بموضوعات الإنشاء التي كنت أكتبها، وهذا طبعا دافع قوي للمزيد من القراءة التي بفضلها يصقل الأسلوب، ولازلت أذكر أني بعدما اجتزت مرحلة الإعدادي أخبرت صديقاتي يومها بأني سأكتب الرواية في يوم من الأيام لأصبح روائية بدوري. هكذا بدأ الحلم يراودني مبكرا. وفي مرحلة الثانوي كانت هناك سبورة تعلق عليها إبداعات التلاميذ فكنت يومها أكتب قصائد وكانت تحظى بإعجاب زميلاتي وزملائي.
في سنوات الجامعة كتبت القصة والشعر نشرت البعض منها في الجرائد، ولازلت أحتفظ بالكثير مما كتبت وقتها.
2 ـ حصلتِ على الإجازة في اللغة العربية وآدابها، كيف أثرت دراستك الأكاديمية على أسلوبك الأدبي ورؤيتك للرواية؟
ج ـ بعد أن التحقت بجامعة سيدي محمد بن عبد الله حيث اخترت شعبة الادب العربي كانت مدينة فاس (العاصمة العلمية للمملكة) ولا زالت تشهد ازدهاراً ثقافيا. كما كانت الجامعة في تلك الحقبة في أوجها.
طبعا بمجرد ما تطأ قدم الطالب فناء الجامعة تتغير نظرته للأمور جملة، ويرى في الجامعة قبلة للتزود بالمعرفة، وتلقي العلم في مدرجات بحجم حلمه ..
تلقيت دروسا في المسرح على يد أساتذة مثل المرحوم: د. محمد الكغاط وكذا المرحوم: د . حسن لمنيعي الذي أشرف على بحث إجازتي الذي كان عن إحدى روائع غساني كنفاني رواية ” ما تبقى لكم”.
والمجال لا يتسع لذكر كل الأسماء.
طبعا مرحلة الجامعة كانت نقلة نوعية، كان هناك نضج معرفي، وقراءة أكثر عمقا. قرأت يومها الكثير من الكتب التي تعج بها مكتبة الجامعة كما قرأت الكثير من الاعمال الروائية.
هذا طبعا كان له الأثر الإيجابي على الأسلوب الذي كلما قرأنا أكثر كلما تطور إلى الأحسن. أما عن رؤيتي للرواية، فقد زاد عشقي لها.
3 ـ بصفتك أستاذة وعضوًا في هيئات ثقافية، كيف توازنين بين التعليم والأسرة من جهة، والكتابة الإبداعية من جهة أخرى؟
ج ـ الإبداع لا يصل إلى شيء له قيمة إلا بعد سلسلة من التجارب قد نفشل مرات، وقد نتوقف لفترة، ولكن لابد من التمسك بالأمل، وهذا ما وقع معي حين انشغلت لفترة من الزمن بتربية أبنائي، ورعاية أسرتي الصغيرة لكنني لم أجعل قطيعة بيني وبينه. كنت أكتب كل ما تمليه عليّ قريحتي وأتركه جانبا، كانت حاجة أسرتي إليّ أكثر من أن يلهيني عنها شيء آخر. لأننا لا يمكن أن ننجح في الكتابة ورعاية الصغار والاهتمام بهم في الآن نفسه، لا بد من تقديم الأهم، وأبنائي هم أغلى ما أملك حتى أني كتبت من أجلهم مسرحيات، رغبة مني أن يقف أبنائي إلى جوار الصغار فوق خشبة المسرح، وفعلا نجحت المسرحيات نجاحا باهرا بفضل الله وحسن أداء الصغار. مثل ” أطفال الحجارة ” التي ألفتها في سنة 2001 والتي نالت إعجاب الجميع وفي 2003 ألفت مسرحية عن ” الهذر المدرسي ” وفي 2005 مسرحية ” البيئة ” ومسرحية المواطنة و… .
الكتابة للطفل ليست بالأمر الهين فهي تستدعي المعرفة بشخصية هذا الكائن الصغير، وهذا لا يتأتى إلا بالاقتراب منه. وفي مجال التربية والتكوين نقضي يومنا صحبة هذه الفئة نعرف كل صغيرة وكبيرة عن الطفل نراقب نموه الفكري والجسماني مرحلة، مرحلة، ونعرف حاجاته و مداركه وأهدافه وأحلامه الصغيرة. كما أن الغاية من وجودنا في حقل التربية والتكوين هي أن نترك بصمة ورسالة تستفيد منها الأجيال، والعمل المسرحي يعمل على تلقين الأخلاق والقيم ضمنيا وصراحة.
عندما أكتب للطفل لا بد من رسائل تقدم ضمنيا وصراحة لتنمي مداركه حول مفهوم الوطن، وحول الإنسان…
أما فيما يخص التوفيق بين الكتابة ومهنة التعليم كنت دائما أحاول ان أخلص في عملي وأقوم به على الوجه الأكمل؛ لأنها مسؤولية على عاتقي، أما بالنسبة للكتابة لها وقتها الخاص بها، طبعا كلما زارني الإلهام وألحت علي الفكرة أقوم بكتابتها والتوسع فيها..
4 ـ من بين الأنشطة الثقافية التي أشرفت عليها، مثل “شاعر وقصيدة” و” أسئلة الباحث العربي “، أيها شعرتِ أنها تركت أثرًا أكبر في المشهد الأدبي المغربي ولماذا؟
ج ـ سلسلة شاعر وقصيدة في أجزائه الثلاثة، وسلسلة أسئلة الباحث العربي كل تجربة لا تقل قيمة عن الأخرى، ولا تقل تعبا، لكن أسئلة الباحث العربي كنت أراها مرجعا للطلبة والباحثين، لأنهم قد يجدون في أجوبة النقاد ما يغنون به أبحاثهم، ومعارفهم.
وسلسلة شاعر وقصيدة أراها عمل بيبليوغرافيا يعرف بالشعراء.
كما جاء في تقديم د. محمد دخيسي أبو اسامة لكتاب أسئلة الباحث العربي الجزء الأول:”… عمل يساهم في التعريف بالكاتب من حيث حياتُه وتجاربه ، وشخصيته الإبداعية والنقدية ، ومؤلفاته ، ومشاركاته … لتكون رافدا للعمل البيبليوغرافي والنقدي على السواء، وتقدم الوصفة الجاهزة للطالب الأكاديمي في بحثه ودراسته.”
وجاء في تقديمه لكتاب شاعر وقصيدة الجزء الثالث: “… ومن ثمة تقف موقفا وسطيا ، بين العمل البيبليوغرافي ، والعمل التوثيقي، وإن كانت البيبليوغرافيا تسجل كل ما ينشر، أو يكتب، من حيث معيارُ البحث والاشتغال…”، إلى أن يقول:”… ويتحدد السير العادي لهذه السلسلة ضمن نسق التوثيق، كما سبقت الإشارة، فائدة للقارئ والباحث، والأكاديمي، والمشتغل على الشعر العربي، ليقدم الصورة الشاملة، والتصور الفاصل. “
5 ـ الكثير من أعمالك تتناول القضايا الاجتماعية والإنسانية. ما الذي يدفعك لاختيار موضوع معين للرواية أو القصة؟
ج ـ المبدع إنسان قبل أن يكون كاتبا، وهو جزء من هذه القضايا التي يتخبط فيها المجتمع هي تخصه كما تخص باقي الأفراد.
المبدع يحمل على عاتقه ثقلا لا يراه باقي الناس؛ لأنه ينظر من غير الزاوية التي ينظر منها الباقي، فهو مرهف الإحساس يسخر قلمه ليضمد بما يكتب ما يفيض في أعماقه من الشجن والأسى لما يرى من أحداث ومواقف تنعدم فيها الإنسانية، ويطغى فيها الظلم وينتصر أمام العدل والإنصاف.
أسعى في كتاباتي إلى تقريب القارئ من المجتمع وقضاياه الكبيرة تلك التي تخصه بشكل فردي، والوعي بجوهر الإنسان ودوره في هذه الحياة والتخلص من الأنانية، والعمل على إرسال تلك الرسائل الاخلاقية ضمنيا مرة وصراحة مرات.
إذا كانت الكتابة كما يقال عنها حياة أخرى فإننا عندما نكتب يكون هدفنا أن يخلد اسمنا بما كتبناه، لكن لا يتم ذلك إلا بكتابة نصوص بمقدورها أن تعبر إلى باقي الأزمنة، ونحن عندما نكتب عن معاناة الإنسان فالإنسان هو نفسه في كل زمان مهما اختلفت الأمكنة ومهما كانت العوامل المؤثرة فيه لا بد أن يجد في النصوص الغابرة في الزمن شيئا يرتاح إليه، والنصوص التي أكتبها أخص بها ذاك الإنسان وغايتي الأخلاق والمحبة وطبعا أرجو لها الاسمرار والسفر عبر أزمنة المستقبل.
6 ـ كيف تختارين بين الرواية، القصة القصيرة، أو الشعر للتعبير عن فكرة معينة؟
ج ـ الأدب هو الرواية، هو الشعر، هو المسرح، هو القصة بنوعيها..، غير أني أعشق الرواية، وأجد نفسي فيها أكثر من أي جنس أدبي آخر، لكن هذا لا يمنع من الكتابة في باقي الأجناس الأخرى.
الروائي أو المبدع بشكل عام لا يختار أن يعبر عن موقف أو فكرة بنوع معين من الإبداع، وإنما هي المواقف في حد ذاتها التي توجهه إلى النوع الأدبي الذي يكتب فيه وحسب ميوله الإبداعي، هناك من الأشياء يكون الشعر أصدق وأبلغ في التعبير عنها، وبالنسبة للقصة كما هو معروف لا تحتاج إلى كثرة الشخصيات ولا إلى تشعب في المواضيع..، وتبقى الرواية بيت شاسع يمكن أن يسع العديد من المواضع، ويناقش الكثير من القضايا التي يتخبط فيها المجتمع.
كما قلت سابقاً أعشق الرواية وأرتاح بين فصولها وأسافر في أزمنتها متنقلة بين الحاضر والماضي والتطلع إلى المستقبل….
قال عني يوما د. امحمد محور : “أمنة برواضي عندما تكتب الشعر أو القصة فهي تكتب استراحة من العمل الروائي لتعود من جديد إلى السرد؛ لأنها صاحبة نفس طويل في الكتابة”
7 ـ في أعمالك مثل “ثمة خلل ما” و “شظايا حارقة” ، هل كان استخدامك للفلاش باك أداة لتسليط الضوء على أحداث معينة، أم لتعميق الجانب النفسي للشخصيات؟
ج ـ الغاية من استعمال تقنية الفلاش باك في العمل الروائي عامة هي إثراء الحبكة ، وجعل القارئ يتشوق لمعرفة تلك الأحداث التي كانت وراء الحدث القوي والمفاجئ الذي تعيشه الشخصية سواء تعلق الأمر بالجانب النفسي أو غيره، وعندما يقوم الراوي باستحضار مشهد أو مشاهد عديدة من الزمن الماضي يكون الهدف منها كشف معلومات وأحداث خفية هي المسؤولة عن الأحداث الحالية التي تمر منها الشخصية؛ أي يقوم بربط الماضي بالحاضر حتى تصبح الصورة واضحة أمام القارئ.
وللإشارة لم أقتصر على استعمال تقنية الفلاش باك في الروايتين ” ثمة خلل ما” وشظايا حارقة” بل في جل الأعمال الروائية التي كتبتها.
8 ـ إلى أي مدى تستمدين أحداث شخصياتك من تجربتك الحياتية المباشرة؟
ج ـ في الحقيقة كل ما أكتبه لا يمت بصلة لحياتي الخاصة، أنا لا أنقل تجربتي اليومية للقارئ أو أكتب سيرتي الذاتية.. كل همي هو الكتابة عن القضايا التي يتخبط فيها المجتمع بشكل عام: البطالة ،الفقر، الهشاشة، الهجرة ، الصحة، المشاكل الاجتماعية..
لكن لا يعني هذا أنه لا يوجد جزء من أمنة في كل الأعمال التي أكتبها؛ لأن هناك الكثير من الأحداث مخزنة بداخلنا تخرج مع الحبر لنخطها على الورق أحببنا أم كرهنا لتكون حاضرة في كتاباتنا؛ قد يكون موقفا، أو حدثا، أو فكرة تخصنا…نكتب عن الآخر بدلا عنه ؛لأن حياة هذا الآخر جزء من حياتنا؛ لأننا في الأصل نعيش نفس الظروف؛ الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية… قد تتفاوت من واحد للآخر لكن تبقى المعاناة واحدة.
9 ـ كيف ترين دور الأدب المغربي المعاصر في مواجهة التحديات الاجتماعية والسياسية؟
ج ـ الانتاج الأدبي يتصل بشكل أو بآخر بالواقع الذي يعيشه الأديب وبالواقع السياسي السائد، صحيح نجد العديد من الكتابات لا تمارس السياسة علنا، ولكن التطرق للواقع في الإبداع هو ممارسة للسياسة بشكل ضمني؛ لأن الكاتب ليس كائنا منفصلا عن الواقع الذي يعيش فيه بل هو متغلغل في أعماقه، وهو غالبا ما يكون الحافز والدافع إلى الكتابة ؛ لأن الكتابة لا تأتي من فراغ لكنها تعبير عن واقع، وعن حياة ومعاناة الأفراد .
10 ـ هل ترين أن الأدب قادر على تغيير الوعي المجتمعي، أم أنه يظل انعكاسًا للواقع فقط؟
ج ـ سؤال صعب، في الحقيقة لا يمكن التكهن بالمستقبل خاصة في زمن طغت فيه العولمة والذكاء الاصطناعي وانشغال الناس بوسائل التواصل الاجتماعي، وحتى لا أغلق باب الأمل أقول أنه يسير بخطى حثيثة نحو مستقبل زاهر، لأن هناك نهضة فكرية، وعودة للكتاب والكتابة بشكل ملحوظ بفضل العديد من الجمعيات التي تعنى بالأدب والملتقيات والندوات وكذا المقاهي الأدبية التي انتشرت بشكل لافت للنظر، ومعارض الكتاب والمهرجانات التي تعنى بالأجناس الأدبية عامة،. وكذا وسائل التواصل الاجتماعي بالإضافة إلى دعم وزارة الثقافة وإن كان ضعيفا…، إن شاء الله يرقى الأدب إلى ما يصبو إليه المتلقي.
11 ـ كيف يمكن للأدب أن يسهم في التعريف بالموروث الثقافي المغربي لدى الأجيال الجديدة؟
ج ـ مهمة صعبة إن لم نقل مستحيلة إذا كان الجيل الجديد لا علاقة له بقراءة ما ينشر في الكتب، وأصبح همه الذكاء الاصطناعي وما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، فكيف سيجد الوقت لقراءة الأدب، وبالتالي الموروث الثقافي المغربي .
على الجهات المعنية أن تنتبه إلى خطورة إهمال فعل القراءة ، وخاصة ما له صلة بالتاريخ للتعرف أكثر على ما صنعته الأجيال السابقة من أجل أن يصبح لنا تاريخا عريقا وأدبا نفتخر به.
هناك كتابات للطفل، وهناك كُتّاب لا يبخلون بالكتابة لهذه الفئة العمرية لتتعرف على تاريخها بأسلوب بسيط وسلس لكن لا حياة لمن تنادي، وهناك مشروع تحدي القراءة العربي الذي يحفز على القراءة لكن تبقى النسبة المهتمة بفعل القراءة ضئيلة جدا.
نتمنى أن ينظر بجد في مسألة القراءة من الصغر ، لكي يترسخ الموروث الثقافي لدى الأجيال الجديدة، ونبني بذلك جيلا همه الحفاظ على ما بناه الأجداد بدمائهم وجهدهم.
12 ـ هل تكتبين وفق خطة محددة، أم تتركين للخيال أن يقود مسار القصة؟
ج ـ الكتابة بالنسبة لأمنة ليست صنعة، هي فن وهواية تشغلني وتسكنني، وكلما ألحّت علي فكرة ما أو موقف من المواقف تتبلور الفكرة، وتتشعب ويسيل الحبر على الورق ليسطر بذلك إبداعا.
كما أن فكرة كتابة عمل روائي لدي لا تكون مرهونة بخطة مسبقة غالبا ما يبدأ العمل بمشهد خزنته الذاكرة، وحين أبدأ في كتابته تتوسع الفكرة وتتشعب الأحداث ويتطلب المزيد من الشخصيات لحبكة العمل، وكذا التنقل بين الأزمنة والأمكنة..
13 ـ كيف تتعاملين مع النقد أو التعليقات على أعمالك؟
ج ـ طبعا عندما نكتب نريد لعملنا أن يرى النور، ونريد للآخر أن يقرأ ما أنتجناه من كتابة، لكن ما كتبناه قد يروق للبعض، وقد لا يعجب البعض الآخر لاختلاف الأذواق وتعدد وجهات النظر، ما تراه أنت جميلا قد يراه غيرك في غاية القبح.
عندما أنتهي من عمل روائي وأدفعه للمطبعة أكون بذلك قد سلمته للقارئ المفترض، وفعلا يصبح بين يدي القارئ يعلق ويكتب عنه ما يشاء فهو حر في كل ما يقوله، وكذلك يصبح العمل متاحا للنقاد لدراسته ونقده فأنا أكتب ليقرأ الآخر أعمالي، وعلي أن أتحلى بروح رياضية وأتقبل النقد وغالبا ما أستفيد منه وأعمل على تقويم ما يراه اعوجاجا والكمال لله وحده.
أنا كغيري من الكتاب هناك من يحب أعمالي، لأنه وجد فيها أشياء تتماشى وذوقه، ومن وجد فكرتي قريبة من فكرته. بالنسبة للنقاد لهم مقاييس يقيّمون بها العمل قيد الدراسة، والكثير من النقاد ولله الحمد أشادوا بكتاباتي وكتبوا عنها الشيء الكثير جزاهم الله عني خير الجزاء، وما اتفاق هذا العدد من النقاد على جودة الأعمال بباطل، وهذا طبعا من فضل ربي علي.
14 ـ هل هناك كاتبات أو كتّاب أثروا بشكل مباشر في أسلوبك؟
ج ـ لكل كاتب أسلوبه الخاص به، وبصمته التي تميزه عن غيره. أمنة برواضي بدورها لها بصمتها الخاصة بها، والتي تميزها عن غيرها من الروائيين، من اعتاد أن يقرأ أعمالي لو أخذ كتابا لي من غير أن يقرأ اسم المؤلف سوف يعرف من أولى الصفحات أن العمل لأمنة برواضي.
لكني لا أنكر أني قرأت لعدد كبير من الأدباء العرب، وغيرهم، غير أني لم أتأثر بواحد على وجه التحديد كل الكتابات كانت بمثابة الزاد الذي أتزود منه. عندما نقرأ لكاتب يعجبنا أسلوبه طريقته في الحكي .. لكن عندما تبدع لا يمكن أن تكون إلا أنت وإلا ضعت في وسط الطريق.
15 ـ كيف ترين العلاقة بين الأدب والفلسفة في أعمالك، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الإنسانية؟
ج ـ هناك روابط قوية بين الأدب والفلسفة لا يمكن تجاهلها بأي حال من الأحوال، وإن كان كل من الفلسفة والأدب يقول الأشياء على طريقته.
الأدب مثلا يعبر عن أشياء تتضمن حقيقة وواقعا لكنه غالبا ما يوظف الخيال ليسرح بالقارئ بعيدا عن الحقيقة، بينما الخطاب الفلسفي لا يمكن أن يندمج كليا في الأدب ؛لأن هذا سيفقده الجانب المعرفي.
ربما كان هناك بعد فلسفي في كتاباتي، لكن هذا من مهام النقاد، وربما يكون هذا البعد نابعا عن ثقافة وإحساس داخلي يتسرب من تلقاء نفسه فيما أكتبه، وربما يكون مرده إلى شغفي في فترة سابقة بمادة الفلسفة.
16 ـ ما النصيحة الأهم التي تقدمينها للجيل الجديد من الكتاب المغاربة؟
ج ـ قد لا أتوفر على نصيحة كتلك العصا السحرية التي طالما سمعنا عنها، لكن كل ما يمكن قوله إلى الجيل الجديد هو عدم التسرع في الكتابة.
فعلا في الوقت الحالي إمكانية النشر متاحة بشكل كبير، سواء الورقي أو الإلكتروني، أو على وسائل التواصل الاجتماعي لكن لا بد للجيل أن يعرف موضع القدم وأن يعرف كيف يشيد البنيان المتين، وهذا يتطلب منه القراءة ثم القراءة ثم القراءة للاستفادة من الذين سبقوه.
17 ـ كيف تحافظين على الدافعية للكتابة رغم الضغوط اليومية والمسؤوليات المهنية؟
ج ـ الكتابة للمبدع تصبح هاجسا وشيئا يؤرقه ودافعا من دوافع البقاء لا يمكن أن تمر فترة من غير ممارسة فعل الكتابة، وإذا تأخر عن الكتابة لفترة يحس كأن شيئا ما تعطل بداخله، ولا يعرف الراحة إلا وهو يحمل القلم من جديد ليكتب كل ما يؤرقه، وكل ما يراه من أحداث.
الكتابة لا تكون بمعزل عن ضغوطات الحياة، هي جزء من همنا اليومي نكتب لنرتاح؛ لأننا فعلا نفرغ في الكتابة كل ما يثقل علينا من هموم وهمومنا تزول أيضا عندما نعبر عن معاناة الآخر.
18 ـ ما المشاريع الأدبية القادمة التي تعملين عليها أو تحلمين بتحقيقها؟
ج ـ بالنسبة للمشاريع المستقبلة تبقى جميعها في علم الغيب وأرجو من الله أن يساعدني على تحقيق ما أصبو إليه.
حاليا أنا بصدد كتابة عمل روائي أرجو أن يخرج للقارئ ولمحبي قلمي في حلة جميلة وبمضامين تروق لتطلعاته، وهناك مجموعة من الأعمال الموجهة للطفل: قصص وأعمال مسرحية ستنشر قريبا بإذن الله.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أشكرك عزيزتي..، مودتي وتقديري لمجهوداتك، مسيرة موفقة بإذن الله.
و أنا أشكرك كثيرا أستاذتي على كل الجهود المبذولة من أجلنا في “مجال الثقافة و الأدب”، و نشكرك أيضا على غنى الإجابات و عمق الكلمات، و نفخر بوجود أمثالك في ناظورنا، و ندعوا شبابنا أن يخلصوا للقلم إن حملوه و أن يتقوا الله آن رفعه، فلا يستوي الذين يعلمون مع الذين لا يعلمون، و لن تُعَوِّض الآلة يوما حبر الإنسانية.



